المزاج المتقلب للشخصية العراقية
الحلقة الثالثة
عامر حنا متي حداد
برلين/المانيا
في الحلقة الماضية ذكرنا وبصورة موجزة ومختصرة اهم العوامل المكونة للشخصية العراقية وهو العامل البيئي وفي هذه الحلقة يسر لي ان اذكر العامل الثاني من ناحية الاهمية وهو العامل الوراثي (العوامل البيولوجية) والذي يشمل على الافرازات الهورمونية للغدد المختلفة (الغدة النخامية، الصماء، الدرقية، التناسلية) في مجرى سائل الدم للكائن البشري، فمن خلال الدراسات العديدة للعلماء والباحثين في هذا المجال وجدوا ان زيادة افراز الفص الامامي من الغدة النخامية يؤدي الشخص الى ان يكون قزما، ومن الملاحظ احيانا ان الاقزام يميلون الى حسن الهندام او التباهي وحب الفتنة، هذا ولكن ليس من الصواب ان يقال بان نقص الافراز في الغدد النخامية هو السبب المباشر في التباهي وحب الفتنة انما الاصح ان يقال بان تاثير البيئة الاجتماعية على خلق القزم هو الذي ادى به الى ذلك، ولو انه نشا في بيئة اكثر عطفا لكان الارجح ان يكون على خلق اخر... وكذلك وجدوا العلماء ان شخصا ذكيا او نشيطا سببه زيادة في الغدة النخامية والموجودة في اسفل المخ... وان المراة المسترجلة وتحب تقليد الرجال في ملابسها او اعمالها او ميولها الجنسية اوعزوا ذلك الى زيادة في افراز غدة الادرنالين الواقعة فوق الكليتين... واذا سمعوا عن رجل انه شبق جنسي شديد التاثر قالوا عنه ضحية التضخم في الغدة التناسلية... واذا راوا رجلا دائم التهيج وسريع الغضب والانفعال متحفز للقتال عزوا ذلك الى زيادة الافراز في الغدد الادرنالية وبعكسه اذا وجدوا شخصا خامل وكسول وضعيف الهمة والحيوية اوعزوا ذلك الى النقص في افراز الغدة الدرقية.... من هذه الدراسات والبحوث العلمية نستنتج بصورة قاطعة ولا تقبل الشك او التاويل، ان للعوامل البيولوجية تاثير فعال ومباشر في سلوكية الكائن البشري.... بالاضافة الى العوامل الاجتماعية المحيطة به والتي تتفاعل معه وتتنوع بانواعه، فكثيرا ما نجد شخصا قد ورث في تكوينه البيولوجي تدعوه الى الغضب والسرعة والانفعال ولكنه ولد في بيئة اجتماعية لا يجد هذه الصفة فيه ولذا تراه قد حول طبيعته البيولوجية الى مجرى اخر غير مجرى الاعتداء والاذى، ويصبح بتاثير بيئته الاجتماعية خانعا، ضعيفا، باكيا يحب ان يؤذيه الغير بدلا من ان يؤذي هو الغير (الشخصية المازوخية) وكذلك قد نجد شخصا قد ملك ذكاءا مفرطا وهو عائش في مجتمع لا يقدر هذا الذكاء انما يقدر الضخامة البدنية وشدة الباس لهذا قد يصبح كسولا وخاملا ولا ينتج علما ولا يفكر بفلسفة، انما يصبح انطوائيا منزويا عن الناس ويندب حظه العاثر (الشخصيةاللوامة والناقدة) وقد يصاب احد الناس بالصرع الخفيف او بنوع خفيف من الجنون فيكون في بعض المجتمعات قديسا وفي بعض الاخر محجورا عليه في مستشفى الامراض النفسية والعقلي (الشخصية المتسلطة والسادية)... اننا نستطيع ان نشبه العوامل البيولوجية بالمواد الخام والعوامل الاجتماعية بالمعامل التي تصنع من هذه الموادالخام بضائع شتى... فشخصية كل بضاعة اذن ليست نتيجة المواد الخام وحدها ولا نتيجة نوع المعمل فقط، بل بالاحرى نتيجة كلا العاملين بعد تفاعلهما تفاعلا قليلا او كثيرا!! وفي الخلاصة يمكن القول بان العاملين الرئيسين والمهمين والمشار اليهما في هذه الحلقتين لهما تاثيرهما المباشر عن سلوكية الفرد العراقي وتقلب مزاجه اليومي (العامل البيئي والوراثي).. واختم مقالي هذه بابيات مختارة من الشعرلقصيدة (غريب في الخليج) للشاعر العراقي بدر شاكر السياب
الريح تصرخ بي: عراق
والموج يعول بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق
البحر اوسع ما يكون وانت ابعد ما يكون والبحر دونك ياعراق
بالامس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق وكنت دورة الاسطوانة
احببت فيك عراق روحي او حببتك انت فيه
الملتقى بك والعراق على يدي... هو اللقاء
جوع اليه... كجوع كل دم الغريق الى الهواء
الشمس اجمل في بلادي من سواها، والظلام
حتى الظلام - هناك اجمل، فهو يحتضن العراق
واحسرتاه، متى انام
فاحس ان على الوسادة
ليلك الصيفي طلا فيه عطرك ياعراق؟
بين القرى الملتهيات خطاي المدن الغريبة
غنيت تربتك الحبيبة
وحملتها فانا المسيح يجر في المنفى صليبه
ما زلت اضرب مترب القدمين اشعث، في الدروب
تحت الشموس الاجنبية فتخافق الاطمار، ابسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل وحمى: ذل شحاذ غريب
بين العيون الاجنبية
بين احتقار، وانتهار، وازورار... او خطية
والموت اهون من خطية
ما زلت اوقد بالتماعتكن نافذتي وبابي
في الضفة الاخرى هناك، فحدثيني يا نقود
متى، اعود، متى اعود؟
يازف، قبل موتي، ذلك اليوم السعيد؟
واحسرتاه... فلن اعود الى العراق
وهل يعود
من كان تعوزه النقود؟ وكيف تدخر النقود
وانت تاكل اذ تجوع؟ وانت تنفق ما تجود
به الكرام، على الطعام؟
لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع
وسوى انتظارك، دون جدوى، للرياح والقلوع
والى اللقاء