الأغتراب
Alienation
امير حداد
اٍن لمصطلح الاغتراب أستخدمات متنوعة في التراث اللغوي والفكري والفلسفي والاجتماعي،وقدر لهذا المصطلح أن يصبح من أكثر المصطلحات التي تتعامل معها لغة المشاكل الاجتماعية في الوقت الحاضر وأصبح الاغتراب كمشكلة أجتماعية مدار لبحث أشهر العلماء والباحثين المحدثين حتى ذهب أحدهم الى القول بأنه (لو وجه علماء اللغة أجهزتهم لرصد ما يكتبه الباحثون والنقاد والفلاسفة في العلوم الاجتماعية والانسانية في عصرنا الحاضر فأنني لأراهن على أن كلمة الاغتراب سوف تحظى بالاولوية من حيث تردادها) وبناء على ذلك فاٍننا نستنتج أن معظم العلماء الاجتماعيين والفلاسفة المحدثين قد أولوا للاغتراب أهتماما خاصا وأعطوه معاني وأسباب مميزة لها عن غيرها عند العلماء الاجتماعيين والفلاسفة الأخرين... ومن الأهمية بمكان لتعميق فهم معنى الاغتراب أن نتعرض لهذا المعنى ومدلولاته عند أهم العلماء الذين تحدثوا عنه حيث يرى أفلاطون أن الاغتراب هو التأمل الحق بحالة الكائن الذي فقد وعيه بذاته فصار الأخر مغتربا عنه ،ويعرفه روسو بأن تغترب بمعنى أن تعطي أو تبيع فالانسان الذي يصبح عبدا لأخر لا يعطي ذاته واٍنما يبيعها على الاقل من أجل بقاء حياته،أما هيغل فكان أول من تحدث عن الاغتراب وعرفنا به وأعتبره (أغتراب روحي) ينشأ عن أنفصال الذات عن المجتمع وأعتبر أن هناك وجهان للأغتراب الوجه السلبي - الذي يؤدي للعزلة، الوجه الايجابي - الذي يؤدي للأبداع، وهكذا يتمحور معنى الاغتراب حول شعور الفرد بأنه غريب عن ذاته، أو عن مجتمعه الذي يحيا فيه، ثم جاء ماركس وعارض هيغل في مفهوم الاغتراب وأعتبره أغتراب مادي ينشأ نتيجة لأغتراب العامل عن وسائل الانتاج ويقول ماركس اٍن الانسان الحديث قد هرب من روابط العصور الوسطى ولكنه لم يكن حرا لأن يقيم حياة بمعنى كامل تقوم على العقل والحب ومن ثم خضوع الانسان الحديث للدولة ومجاراته الاوتوماتيكية المغتربة، ففي نظريته الحتمية الاقتصادية يؤكد ماركس بأن الحتمية الاقتصادية تذهب الى أن العامل الاقتصادي هو المحدد الأساسي لبناء المجتمع وتطوره ، أما ماكس فيبر فوسع مفعوم الاغتراب وأعتبره أغتراب قيمي له وجهان - المادي - وضرب مثلا عن البيروقراطية العمل ومشاكلها، - روحي - وضرب مثلا عن أغتراب الجندي في الحرب، أما اٍميل دوركايم فربطه بالانحراف الاجتماعي، فالاغتراب = الانحراف الاجتماعي والاغتراب من وجهة نظره يحصل نتيجة أضطرابات بالعقل الجمعي،وعندما تصل الى هذه المرحلة يكون فد بلغ مرحلة الرفض الثقافي وهنا يكون المرء مهيئا للدخول في مرحلة الذروةالتي تؤدي الى العزلة الاجتماعية فيصبح الانسان هامشيا في مجتمعه ويصبح فارا وهاربا من المواجهة والالتزام وتصبح الحياة بالنسبة له لا معنى وغير محتملة وبعضهم يصل الاغتراب الى درجة الانتحار لأنه يرى ذلك حلا، أما الأقل أغترابا فأنه يصبح متبلدا وغير مبال... وقد أكد ميرتون في نظريته عن الاغتراب، بأن التكيف هو نتيجة حتمية للأغتراب ويشمل التكيف من وجهة نظره الايجابية والسلبية أشكالا منها: الانعزال - وهوعملية الهروب الجزئي من الجوانب التي لا يستطيع المرء التكيف معها أو الانتماء لها. الانسحاب - وهو عملية الهرب الكلي وعدم الانتماء من واقع المجتمع وقيمه ، الثورة - وهو عملية الثورة على الواقع بقصد تغيره... وأختم مقالي بأبيات من قصيدة الشعر (المنفيون) للشاعر العراقي كاظم جهاد:
يطلعون من كل مسامات الهجرة
حاملين في متاعهم اللأشيء
أو هم اللأشيء نفسه... حلم
بأمتلائه الموعود من أنه صدفة؟
في القطارات الجوفية متكدسون
أو السفن زهيدة التذكرة
يسورون العالم بعبورهم المتواصل
دائرين حول نقطة بذاتها الف دورة
يتعودهم مقهى مكتشف حديثا
حتى تضجر
من أقامتهم المتواصلة عروق الارائك
يطردهم نادل للاسبب
أو يكنسهم الحارس في الصبح
أحيانا يبصر الواحد منهم
بين ملائكة مبجلين
عازفا في أوركسترا، مغنيا
في فريق جوال
شاعر في ديوان، مؤلفا
في موسوعة
فينجذب اليه كما يجذب
الحيث الدود الجائع
خائن يقولون، وهو حقا خائن
أفما كان ينبغي أن يظل أبدا
في معزل السكوت أوالفشل الطازج
المتجدد لشعبه كل لحظة؟
عن النبع الأول من أبعدهم؟
منلا يبصرهم يتعثرون في أدنى حركة؟
خارج أنفسهم من يقذف بهم كل مرة؟