المنفى
ISOLATION
في المهجر عشت حياة الحرية بمفهومها الصحيح ، درست وزادت قدراتي على الأستيعاب ما يدور حولي. فأنا من الناس الكثيري الاسئلة ، أتنفس عبق الحنين الى كل ما يربطني بجذوري تشدني مقالة ما أقرئها أو أغنية من زمن الطرب العراقي الأصيل ... ولكن حالي كحال كل المغتربين أعاني من الغربة والعزلة والمنفى ، فالمنفي بمقدار ما يبدو قاسيا متوترا مكتئبا حزينا فهو في أعماقه هش هشاشة طفل ، فأزاء جفاف واقع المنفي مجترا ذكرياته لاعبا بمرابع محفورة بالروح لا تكف عن الظهور في النوم وأحلام اليقظة ويحاكيها كلما سنحت له فرصة ، فالمنفي يكون محاصرا بقوانين دول غريبة وحدودها ورجال أمنها التي تنظر اليه كنكرة ضيفا مشبوها أو ثقيلا تطرده متى شاءت ، يبلغ المنفي نقطة اللاعودة لأجترار الذكريات واندغامها بمساحات الأحلام الحقيقية الراسخة الوحيدة التي توصل المنفي في كثير من اللحظات الى أقسى حالات الاغتراب والضياع مسقطة كل الاهداف والمشاريع والمعاني التي من أجلها غادر المنفي وطنه فيشك بوجوده القديم وبالماضي ، فيعاوده هاجسه المزعج التعس ، خطر له أنه لم يكن يوما في العراق ، ولم يولد على تلك الارض ، لم يشب في ظلالها ، أنه عاش هراء وأدعاءات وتصورات مضللة ، ويسخر بمرارة شديدة من القوانين التي تنادي بحقوق الانسان وبمهزلة الوجود البشري ... فالمنفي يصاب بفصام أبدي من لحظة مغادرته سرا الوطن المنكوب بالقمع الدموي والحروب والحصار ... فواقع المنفي مستلب بالذكريات حيث يعيش المنفيون وراء جفونهم أكثر فيما يعيشون أمامها ... هناك يعيشون أحلامهم ، أغانيهم ، وجوه أحبتهم فالجالس في ليل الغربة يستعيد ذكرياته في المدرسة بكل ما تحتويها من تناقضات وكأنه يتدرع بها من خواء الغربة ووحشة المكان ، يستعيد حياة كاملة يتأمل تكوينات المعلمين المختلفة وسلوكياتهم\الوطني والسكير والأحمق والمؤمن القاسي ، ومتابعة مصائرهم التي يرصد برصدها مرحلة من مراحل تاريخ العراق المعاصر والمضطرب فالمعلم الوطني مصيره السجن ، والمؤمن القاسي يكون قد تزمت في بحثه عن الفردوس المفقود والجنة الموعودة ، والاحمق قد أصبح ثريا في ليلة وضحاها ونتيجة الفرهود والفساد المستشري ما بعد الاحتلال ..... فيا عزيزي القارئ الكريم ، هل المنفي هو أن يحمل جسده وجواز سفره وحقيبته وروحه ويضيع بعيدا طويلا باحثا عن وطن هو حق له ولكن خارج دائرة أحتوائه ؟ وأيهما أشد قساوة؟ أن تذهب بعيدا عن أرضك أو أن تذهب أرضك بعيدا عنك ؟ وأيهما أكثر أيلاما ؟ أن تفتقد شوارع طفولتك أو أن طفولتك أفتقدت شوارعها ؟ المنفي في الخارج مؤلم حقا ، ومتعب ومن الصعب أن تتنفس فيه ، وحدك تقف أمام واجهة من زجاج وراءها خريطة العالم تتأملها وتهمس شياطين أذنك يا ألهي العالم أضيق من أن يحتويني !!!! وأختم مقالي بقصيدة (الطيب) للشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة :
قريتي محض حنين وسلام
عاشها جدي وأعطاني المدينة
قريتي ظلت حزينة
رقم طينية في متحف ناء وزينة
لم أزرها الف عام
عاد جنديا لها أبني
ولم يعرف بها اٍلا الخيام
عامر حنا متي حداد
برلين/المانيا