|
|
|
|
|
رئيسية مناسبات شخصيات القوش صور القوش عوائل القوش شهداء القوش عن القوش معالم |
||
|
infoalqosh@yahoo.com |
||
|
جمعية مار ميخا الخيرية سان دييغو - كاليفورنيا أدب همسات وخواطر روحانيات جمعية مار ميخا الخيرية ديتروت - مشيغان |
||
|
تأسس موقع القوش نت بتاريخ 22/1/2004 |
||
|
ܒܫܝܢܐ ܒܔܘܟܘܢ ܒ: ܐܠܩܘܫ. ܢܝܬ |
||
|
القوش نت موقع ثقافي اجتماعي محايد لايمثل اي جهة سياسية يهدف لخدمة شعبنا المسيحي وهو واحة حرة لطرح الاراء والافكار على اسس احترام الرأي والرأي الاخر اهلاً بكم في موقع القوش نت ، نحن هنا في خدمتكم |
||
|
4/2/2012 حوار مفتوح مع سيادة المطران د. اميل نونا رئيس اساقفة الموصل وتوابعها للكلدان الكاثوليك خاص- القوش نت اعداد: عماد داويذ يوسف رمو/ هولندا مقدمة: ان الاسقف الدكتور اميل نونا رئيس اساقفة الموصل وتوابعها للكلدان الكاثوليك هو معروف لدى قراء موقع القوش. نت، ولكن ان يخصنا بحوار مفتوح فهو امر رائع ومفاجأة لكل قرائنا الاعزاء. ان الحوار مع المطران اميل نونا له طبيعته الخاصة، انه يحاور بعمق ويحلل اسئلة الحوار بجدية كاملة وتوازن ثابت وهدوء كبير، ثم يقدم رأيه واستنتاجاته لكل الاسئلة المركزية لكل محور من هذا الحوار. ان اختيار هذه المحاور السبعة تم على اساس الاسئلة الكثيرة التي يختزنها القارئ دائما على مر السنين ويحتاج احيانا اجوبة مباشرة من احد اساقفتنا الاجلاء، فكيف لو كان هذا الاسقف ابن بلدتي العزيزة القوش؟ لقد حاولت ان يكون الحوار متوازنا في هيكلية بناءه ومتسلسلا في فتراته وعميقا في طرحه للمواضيع المهمة في حياتنا: النشأة الاولى، التعليم، العائلة المسيحية، الرسالة الكهنوتية، المسؤولية الاسقفية، الكنيسة الكاثوليكية، الانتماء الى القوش، ومن خلال هذه المحاور السبعة الاساسية تفرعت الاسئلة واحيانا تشعبت كثيرا، ولكن سيادة الاسقف مار اميل نونا فاجأني بعمق ردوده ووضوح طروحاته وافرحني اكثر بالسرعة الكبيرة التي كتب بها ردوده رغم مسؤولياته وواجباته الرعوية والكنسية الكثيرة. اشكر مقدما ضيف الحوار سيادة اسقفنا الجليل لهذه الفرصة التي منحها لنا في الاقتراب قليلا من شخصيته وخدمته الرعوية وطروحاته الكنسية والروحية واهتماماته الثقافية والتأليفية واقتربنا اكثر الى تفاصيل الحياة الكنسية والايمانية في ابرشية الموصل. ان كل هذه الطروحات والاهتمامات والاستنتاجات من المفضل قراءتها مرة واحدة رغم طول الحوار، وذلك لارتباط كل محاور الحوار السبعة مع بعضها البعض ووحدتها الفلسفية، وهذا جزء من اهمية وهدف الحوار المفتوح.
الاسقف الدكتور اميل نونا رئيس اساقفة الموصل المحور الاول: النشأة الاولى في القوش. سيادة الاسقف اميل نونا: سيادتك نشأت في بلدة القوش العريقة والمعروفة بمركزها الديني والتاريخي والثقافي، نشأت في كنف عائلة القوشية اصيلة ومن ابويين تقيين وباعتراف الجميع من اهلنا. ما هو تاثير العائلة في نشاتك ايام الطفولة؟ تكلم قليلا عن تلك الايام والتي يعتبرها الاجتماعيون مهمة جدا في صقل شخصية الفرد في المستقبل، هل كان لعائلتك ولابويك التاثير الكبير في رسم الطريق الذي تسلكه الان؟ هل كان لهم تاثيرا ملحوظا ومبكرا في اختيارك لسلك الكهنوت ومنذ البداية؟ كيف كانت طفولتك؟ متى بدأت عندك البوادر الاولى فيما يخص اهتمامك الشخصي بالكنيسة والدين؟ هل هناك من شخصيات دينية تاثرت بها من محيطك العائلي القريب؟ او ربما من محيط العائلة الالقوشية الكبيرة؟ نحن متلهفون لمعرفة بعض التفاصيل الانسانية لهذه الفترة الحياتية المهمة لكل منا. الاسقف اميل نونا: قبل اي شيء انا شخصيا لا ارغب كثيرا في الكلام عن الحياة الخاصة (privacy) لأنني مؤمن بان مهمتنا كاكليروس هي ان نكون خدام وليس مخدومين ومُبجّلين، والكلام او الافراط في الكلام عن الحياة الخاصة يجعل الانسان يحيد عن كونه خادما، وهذا ما يُرى ومع الاسف في كثير من الاحيان. ومع هذا سوف اتكلم معك ويمكن لأول مرة، واتمنى ان تكون الاخيرة، عن بعض الاشياء العامة في الفترة المقصودة وذلك من اجل ان تكون علامة ايجابية – كما اتمنى – للحياة بعمق وصفاء. في زمن النشأة الاولى (السبعينات) كانت الحياة عموما بسيطة وغير معقّدة، لهذا كانت امور الحياة اكثر وضوحا مما هي عليه اليوم. وكان للعائلة المكانة المهمة والاولى الاساسية في حياة الفرد، لذلك من الواضح ان العائلة المسيحية الملتزمة بهدوئها وتواضعها وصفائها تُنشئ ابنائها على هذا الاتجاه. الا ان ما يميز هذه الفترة هو ان الكنيسة كانت هي المحور الثاني في حياة الطفل الالقوشي، وخاصة للذين هم في محيط الكنيسة. افضل بيئة لتنشئة الدعوات الى الكهنوت هي العائلة الملتزمة بايمانها وكنيستها، وعندما اقول الايمان والكنيسة اقصد بذلك اولا الالتزام بان يكون الاب او الام شخصا مسيحيا حقيقيا في كل تفاصيل حياته وليس فقط في حضوره واشتراكه بالصلوات والاحتفالات الكنسية، وهذا كان حال والدي الذي بسبب انشغاله الكبير لم يستطع ان يكون دائما حاضرا في الكنيسة، لكنه كان ملتزما بالحضور حين يسمح له الوقت ومبدئيا جدا في انسانيته ومسيحيته، بينما الوالدة كانت ولا زالت من المواظبين يوميا على الكنيسة. اذا هناك توازن في شخصية الطفل الذي ينشأ في هكذا عائلة نحو الالتزام الانساني المسيحي الخارجي في مسيرة الحياة، والحضور المتواصل بالاحتفالات والطقوس الكنسية. لهذا فالبوادر الاولى للدعوة ليست في ذاكرتي لانها موجودة باستمرار حتى قبل تكوين الذاكرة، اي منذ الطفولة الاولى، وهذا ما يلزم ان تفعله كل عائلة مسيحية، بزرعها حب الايمان والكنيسة بأبنائها باصطحابهم للكنيسة حتى وان لم يفهموا اي شيء في صغرهم. الكنيسة في القوش كانت كنيسة قوية في طقوسها واحتفالاتها الرائعة والجميلة، والتي تزرع في الانسان – حتى الطفل الصغير الذي لا يفهم شيئا – حب الجمال والتمجيد والموسيقى من خلال الألحان والتراتيل، وتزرع ايضا فيه رغبة الخروج من الذات لان الترتيل واللحن الجميل والرتبة الطقسية المقامة بقوة وعمق وأبهة، تجعل الانسان يرغب في ان يخرج دائما للحياة وللآخرين ويعطيهم الحب الذي يشعر ان الله يعطيه اياه اولا. من اجل ذلك اشخاص الكنيسة في ذلك الوقت كان لهم اثر كبير في صقل الدعوة وتوضيحها لانهم كانوا وسائط للحب الذي قلت عنه اعلاه، واذكر بفخر المطران ابلحد صنا ذو الالتزام الايماني القوي، والقس (المطران) يوسف توماس بشخصيته المتوازنة، والخوري هرمز صنا بإجادته العظيمة للطقوس. وخالي المرحوم ايليا سكماني بصوته الجميل ومعرفته الطقسية الملتزمة وروحيته الرائعة. في هكذا بيئة ومحيط من المؤكد ان يكون الالتزام بالكنيسة وبالصلاة الطقسية صباحا ومساءً وخدمة القداس اليومي من الاساسيات في المسيرة اليومية، وحتى في وقت امتحانات السادس علمي كان لصلاة الصباح والرمش مكانتهما المهمة، لأنه كان هناك تقسيم للوقت؛ للدراسة وقت وللصلاة وقت وللمرح مع الاصدقاء وقت. وهذه الاخيرة مهمة جدا، فعلاقات الصداقة نشأت بالأكثر من خلال الكنيسة التي كانت تجمعنا، فنخرج منها لنعبّر عن فرحتنا بالعابنا في طبيعة القوش الجبلية التي كانت سبب زيادة حسّ الجمال فينا، وامكانية رؤيته في الحياة والاخرين ايضا وليس فقط في داخلنا. وهذا ما يزرع التوجّه الايجابي في الحياة، اي رؤية الامور بعيون الله التي ترى الخير ولو في كاس ماء بارد يقدمه شخص خاطئ ليس عنده الا ذلك الفعل الصغير ضمن مسيرة من الشر المتواصل. المحور الثاني: الدراسة الاولى والتعليم في القوش. سيادة اسقفنا الجليل: بدايتك في الدراسة والتعليم كانت ايضا من بلدة اجدادك القوش، لقد درسنا جميعا في مدارسها، وكانت الكنيسة المدرسة الثانية لنا، لقد تعلمنا من مدارس القوش المتعددة وتعلمنا ايضا من القوش المدرسة الكبيرة باهلها وتاريخها. اذا نظرت الى تلك الفترة الزمنية من مسيرتك الحياتية، كيف تقيم لنا تلك الفترة؟ كيف تنظر الى هؤلاء المعلمين والاساتذة والذين تتلمذت ونحن كذلك على ايديهم؟ هل هناك من شخصيات تعليمية سوآءا ثقافية او كنسية او شعبية ايضا، لها التاثير الشخصي والملحوظ بك؟ كيف تستطيع ان تلخص عطاء هؤلاء الناس للاجيال التي تربيت على ايديهم؟ قبل ايام قليلة ودعنا مربيا فاضلا وهو الاستاذ الاديب نوئيل قيا بلو، هل لك بذكريات مميزة مع هؤلاء الاساتذة؟ هل لك ذكريات مميزة وجميلة مع اقرانك الطلبة؟ هل تتواصلون احيانا مع بعضكم من اجل تجديد العلاقات الاخوية رغم التشتت الذي حصل لنا؟ يطيب لنا ان تتكلم عن تلك الايام العزيزة وعن مستوى وقوة ومتانة العلاقات والروابط بين المدرسة والطلبة والاهل والاصدقاء فيما بينهم. الم يكن التعليم حينها اقوى واجدى من الان؟ الم تكن الروابط بين الناس اقوى واصدق مما هي الان؟ ماذا جرى للمجتمع الانساني لكي يتحول الى منافع ذاتية وشخصية فقط؟ الاسقف اميل نونا: المقارنة بين فترة زمنية مضت والوقت الحالي تبدو لي صعبة جدا من ناحية، وسهلة من اخرى. الصعوبة تنشأ من كون التغير الذي حصل في العالم عموما والعراق خاصة كان كبيرا بحيث بصعوبة نتمكن من تحديد ملامح مشتركة بين زمن السبعينات والثمانينات والزمن الحالي. وهذا ينطبق بالتاكيد على الجانب الدراسي والعلمي، فمن جهة لا نستطيع ان نقارن التطور العلمي الهائل في مختلف العلوم والذي حصل بالسنوات الاخيرة مع ما كان في الزمن المقصود، الا ان هناك شيء اساسي يلزم الانتباه له – من جهة اخرى – وهو ان الدراسة والعلم لا يرتكزان على المعلومات العلمية والتطور التكنولوجي فقط وحصرا، بل على طريقة التعامل مع المعلومة العلمية وبالاخص مدى أنسنة – جعلها انسانية – العلم، اي كونه انسانيا في مبادئه وكيفية اعطاءه وطريقة تحقيقه كواسطة لحياة انسانية راقية بمختلف ابعادها. على هذا الجانب الاخير من الممكن ان نسند تقييمنا للزمن الذي درسنا فيه في مدارس القوش، إن كانت الابتدائية او الثانوية. معنى ذلك ان العلم لم يكن متطورا جدا لكنه كان موضوعا ضمن نظام من القيم والتعاملات والاهداف الانسانية الراقية. القيم والتعاملات التي كان المعلمون والاساتذة يتعاملون على اساسها وبها كانت صافية ونقية، والاهداف التي كانوا يريدونها للطالب كانت ان يتسلح بالعلم ليتمكن من مواجهة الحياة بانسانية متطورة وليس فقط بمعلومة راقية، لذلك كانوا مُنشئين ومُربين وليس فقط معلمين ومدرسين. المعلمون والمدرسون في مدارس القوش كانوا نُخب تفرض احترامها من خلال ما تعطيه بمختلف الجوانب، لكن ايضا المجتمع كان غير ما هو عليه اليوم، فكان ينظر لهم بشكل مختلف عمّا هو عليه الآن. الا ان اساتذتنا في مدارس القوش وضعوا بصمتهم بشكل مؤكد على شخصية كل تلميذ وطالب تلقى العلم والتنشئة منهم. واستطيع ان أُلخّص عطائهم واشبهه بقصيدة شعرية جميلة جدا في صورها الشعرية وتنسيق كلماتها وعمق معانيها. هناك بالتأكيد قصائد كثيرة العدد جدا لكن تتميز دائما القصيدة المتكاملة بالجوانب التي ذكرناها، وهذا ما يمكن ان نشبه به معلمو ومدرسو القوش في ذلك الزمن: انهم قصيدة شعرية تعطي لمن يقرأها لحظات مملوءة بالحياة الحقيقية. شخصيا انا متأثر من خالي الاستاذ والشماس ايليا سكماني، ولي ذكرى جميلة جدا لا انساها ابدا، ففي اول يوم من الدراسة في الصف الاول الابتدائي، وانا لم ادخل الباب الرئيس للمدرسة كان باستقبالي معطيا لي (جكليت وعلك) ولم يقل شيء الا ان آكل ذلك. وهذا شجعني وازاح عني الخوف من المدرسة في اول يوم لي، لهذا الانطباع الاول كان جيدا جدا. هذا الاسلوب التربوي المتميز كان صفة الاستاذ ايليا سكماني، مع الاساتذة الاخرين الذين بطرقهم التربوية المتميزة والبسيطة جعلونا نحب العلم والدراسة. هناك نقطة احب ان اذكرها وهي ان معلمي واساتذة القوش في ذلك الوقت كان لهم من الاساليب ما يتفاخر اليوم علم التربية انه من اختراعه وهو التبسيط والتشبيه ووسائل الايضاح. وسائلهم كانت بسيطة لكن كل معلومة علمية كانوا يشبّهونها بشيء من الطبيعة او الحياة، ويوضحونها بطرق مبسّطة فكانت تتغلغل الى عمق ادراكنا. مثلا تشبيه حرف "ن" بطاسة الماء وفيها ذبابة في وسطها. تشبيه بسيط لكن يقرّب الحرف الى عقل التلميذ الصغير ويطبعه في ذاكرته، وغيرها كثيرا كانوا يعلموننا بها. هذا التعامل والاسلوب الجميل جعل من بيئة المدرسة ايضا بيئة صحيّة للعلاقات الجيدة بين التلاميذ والطلبة، وفعلا كان لي ، مثل غيري، اصدقاء عديدون، لكن اكثريتهم اصبحوا في بلدان بعيدة وتقريبا ليس هناك من تواصل ما عدا احدهم لا زال في القوش ونلتقي بين فترة واخرى. الهجرة وطبيعة الحياة في الغربة جعلت من الصعوبة التواصل، لكن اذا صادف والتقينا – كما حدث احيانا – فان الذكريات كلها تعود لتنتعش وتحيا. واذا ما اردنا ان نتكلم عن العلاقات والصداقة والروابط فانني اقول ان بساطة الحياة حينها كانت سببا لمتانة العلاقات، اما تعقيدها اليوم جعل من الروابط الاجتماعية قابلة للانفكاك بشكل اسهل. التطور الذي حصل في العالم ثمنه بالتاكيد الروابط والعلاقات الاجتماعية، فكلما يتطور المجتمع علميا وتكنولوجيا وصناعيا واقتصاديا ينخفض مستوى الحياة الاجتماعية. الا انني مقتنع تماما بان هذا هو جزء من الحقيقة، والجزء الآخر هو الانسان نفسه. انساننا تغير ايضا بسبب ذلك وهو يُلام ايضا على ضعف الروابط الحالي. فلا يمكن ان نضع كل مشاكلنا على المجتمع والتطور و.... بل علينا ان نتحمل وبمسؤولية اخطاء المستوى المتدني من العلاقات وطريقة عيشها وتحقيقها. حول سؤالك عن ماذا جرى للمجتمع ليتحول الى منافع ذاتية وشخصية، فاعتقد ان ما قلته عن التطور هو جزء من الجواب، الا ان الجزء المهم هو عدم امكانية انسان اليوم من التوافق بين القيم والمبادئ وبين طريق واسلوب ومتطلبات الحياة المعاصرة. وهذا راجع برايي وفي قسم كبير منه اصلا الى عدم معرفة القيم او عدم ادراكها بشكل عميق وواضح وبسيط ايضا عند انساننا الحالي. التحول الذي حدث في الحياة جعل من القيم التي تُبنى عليها الحياة غير واضحة اليوم، او غير مفهومة، او لا يُرى ان هناك فائدة منها. وهذا غلط تتحمل مسؤوليته مؤسسات مجتمعنا ايضا، مثل العائلة والمدرسة والكنيسة، حيث لم تستطع هذه المؤسسات ان تطرح هذه القيم بصورة مفهومة لأنسان اليوم. الا ان هناك علامات ايجابية للتحول نحو الاحسن في بعض الجوانب القليلة عند هذه المؤسسات، لهذا فلنتأمل خيرا.
المحور الثالث: العائلة المسيحية. سيادة المطران اميل نونا: للكنيسة المسيحية اهتمام عام بموضوع العائلة المسيحية، ولك اهتمام خاص بهذا الموضوع الحيوي والمهم. ومن احدى لقاءاتك مع جماعة المؤمنين في كنيستك بالموصل، وخاصة بمناسبة اعياد الميلاد المجيدة كانت حول موضوع العائلة المسيحية. لقد بُنيت اكبر واشهر واعظم واجمل كنيسة في مدينة برشلونة الاسبانية تحت اسم " كنيسة العائلة المقدسة " لقد بناها المعمار الشهير غاودي، لقد ابدع غاودي في اظهار اهمية موضوع العائلة في الحياة المسيحية لاهميته وقدسيته في حيات الانسانية. كيف تنظرون الان الى خصوصية " العائلة المسيحية" سواء في العراق او في دول المهجر؟ هل تغيرت صفة وخصوصية وتعريف هذه العائلة في السنوات الثلاثين الاخيرة؟ ان للازمات الامنية والاقتصادية تأثيران متناقضان على روابط العوائل المسيحية بصورة عامة، فهي اما ان تقوي العلاقة الاسرية او تتفكك الروابط الاسرية في وقت الازمات. ما هي الدفاعات الانسانية الذاتية والتي يستطيع ان يستلهم قسما منها من محبة الله والتي تمكنه من مقاومة الاغراءات المادية وسطحية المجتمعات الحديثة في النظر الى تاثير الحياة الروحية؟ ان تاثير وسطوة تكنولوجيا الاتصالات اصبح كبيرا بحيث ينقل الناس الى العيش في حياة الاحلام والاوهام والتي لا نجدها الا في افلام الخيال الرخيصة. كيف تستطيع الكنيسة ان تقاوم كل اغراءات السوق؟ الرياضة والرشاقة والجمال والبذخ والاعتماد على البطاقات الائتمانية اصبح واقع حال المجتمع الان. هل هناك نظرة جديدة ودراسات كنسية تحليلة لتطور وسلوك ومنهج العائلة المسيحية الان؟ ان الغرب المسيحي قد مر بهذه التجربة المريرة وكانت بدايتها في الستينات من القرن الماضي، والتي ادت في بعض جوانبها الى نتائج اجتماعية وانسانية كارثية، لقد تفكك مفهوم العائلة التقليدي هنا في الغرب، الا يساوركم ويساور الكنيسة المسيحية في العراق ايضا مثل هذا التخوف؟ هل الكنيسة المسيحية جاهزة لمعالجة الامور على وشك مغاير لما حدث هنا في الغرب؟
محاضرة للاسقف الدكتور اميل نونا حول "العائلة وتحديات اليوم" في بغديدا الاسقف اميل نونا: يعتبر موضوع العائلة من المواضيع المطروحة للبحث والدراسة والمناقشة في عالمنا الحالي وبقوة، وخاصة في المحيط الكنسي، وبالتحديد الكاثوليكي. التغيرات الهائلة التي حصلت في عالمنا وطريقة حياتنا، أثّرت ايضا على نظرتنا للكثير من الامور التي كانت الى زمن قريب من المسلّمات والبديهيات مثل مؤسسة العائلة، والعلاقات الاسرية، وطريقة العيش. تعريف "العائلة" بالنسبة لنا قد تغيّر بالتاكيد خلال العقود الاخيرة، فمن منظور اجتماعي صرف ذو هيكلية هرمية بين اعضاء العائلة، اي الاب المسؤول ومن ثمّ الاعضاء الاخرين، الى نظرة ايمانية لاهوتية وانسانية متطورة جدا. ما اقصده بالنظرة الايمانية هو ان العائلة لم تعد فقط بيئة تكوين وتنشئة الانسان، بل هي فاعلة جدا في التكوين الايماني لأعضائها، ولها بُعد رسولي ايضا، بالاضافة الى التأثير الانتروبولوجي الكبير للعائلة. نظرة المسيحية اليوم، وخاصة الكنيسة الكاثوليكية، للعائلة تطورت بشكل كبير، وتعمّقت بذات الوقت، وتنوعت الابعاد التي من خلالها يتم النظر الى العائلة. التركيز في الكنيسة على موضوع العائلة بدأ في اللاهوت والتعليم الرسمي منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي، لكن البابا الكبير الراحل يوحنا بولس الثاني كان له دور كبير جدا في دفع الامور اكثر نحو التعمق والبحث في مفهوم العائلة ومهمتها ورسالتها ودورها. لهذا استطيع ان اقول انه قد تغيرت خصوصية وتعريف العائلة في السنوات او العقود الاخيرة. تغيرت نحو الافضل ونحو الاسوأ بنفس الوقت. فنحو الافضل اصبحنا، وخاصة في التعليم المسيحي اللاهوتي والرسمي، متعمقين اكثر بالموضوع، معطين له اهمية كبيرة جدا حتى في تعاطي المواضيع الايمانية الكبيرة مثل التجسد والخلاص وغيرها، ولا يسعنا هنا المجال للكلام عن ذلك. ومن الجانب الراعوي اصبح الاهتمام بالعائلة كبيرا جدا، وباستمرار هناك تعاليم جديدة وتوصيات بخصوص هذا الاهتمام الذي يلزم ان يعطى للعائلة من قبل الكنيسة بمختلف فعالياتها وتوجهات نشاطاتها. الاهتمام يتضمن فترة قبل الزواج، والزواج نفسه، وبعد الزواج اي العائلة. وهذا ما نلاحظه كثيرا في مختلف الكنائس. لكن لا زال هناك مجال كبير للعمل وتمكين العائلة من ان يكون لها دور اكبر في الكنيسة والمجتمع. نحو الاسوأ: الكل اعتقد متفق على ان هناك تغير نحو الاسوأ حصل في العائلة، وانا اعتقد ان التغير الاسوأ هو في الــ (مفهوم) نفسه. اي ان مفهوم العائلة اصبح غير واضح المعالم: لماذا العائلة؟ ما معنى العلاقات العائلية؟ اليس هناك من بديل للعائلة؟ هل هي نظام حياة ام بيئة اجتماعية فقط؟ هذه الاسئلة وغيرها هي في عمق ازمة العائلة اليوم. بالاضافة الى المتغيرات الاقتصادية في النظام العالمي الجديد، وخضوع نمط الحياة لنظام العرض والطلب، ودخول العقلية الاستهلاكية، كل هذه المتغيرات اثّرت وتؤثر على كيفية فهم العائلة والتعاطي والترابط داخل العلاقات العائلية، ومدى التواصل بين اعضاء العائلة الواحدة، او بين العوائل. هناك بالاضافة الى كل ذلك، تيارات فكرية واستراتيجيات مخطط لها، ومدعومة من قبل مؤسسات اقتصادية عملاقة، تحاول ان تُدخِل في المجتمعات، افكار وانماط حياة مغايرة للقيم العائلية والاسس التي يبنى عليها اي مجتمع. مثل مشاكل زواج المثليين وامكانية تبنيهم للابناء، وكل ما يختص بقضايا الانجاب من تعقيدات وتدخلات علمية متشعبة، ليست كلها في خدمة التكوين العائلي الاصيل السليم المخلوق من قبل الله. نحن اذا امام معضلة وازمة قوية عالمية تخص العائلة وليست حصرية فقط بالعراق. اما عن العائلة في العراق وخاصة المسيحية، فانا اقول ان رياح التغيير التي نتكلم عنها قد دخلت وبقوة بعد 2003 . وهذا شيء طبيعي لاننا بدأنا ندخل او بالأحرى دخل النظام العالمي الجديد مجتمعنا. هناك ازمة في العائلة اليوم في مجتمعنا، ولا يمكن ان نتكلم عن كل جوانبها انما فقط اشير الى اتجاهاتها العامّة: هناك ازمة في النظرة الى القيم في العائلة، في العلاقات بين اعضاء العائلة، في العلاقات بين الاجيال والفارق العلمي بين الاباء والبنين والذي يؤثر كثيرا على روابطهم، ازمة في التعامل مع متغيرات السلوكيات والتصرفات الجديدة عند الاجيال الصغيرة والشابة، ازمة في فهم الارتباط وقدسيته واهميته، في معنى ومفهوم التربية والتنشئة.... لكن لا يمكن ان نقارن ازمة العائلة عندنا وازمتها في الغرب، هناك اختلاف في النظام الاجتماعي نفسه، والنظام السياسي والاقتصادي ايضا. لهذا عندنا ازمة حقيقية لكن من الممكن التعامل معها بايجابية، وهناك نقاط عديدة لصالح العائلة عندنا. لكن مع الاسف لا يوجد عمل جماعي موحّد بهذا الخصوص على صعيد الجماعة المسيحية عموما في العراق. هناك مبادرات فردية لكن لا يوجد عمل منهجي عميق ومخطط له في العراق بهذا الاتجاه. يمكن ان اقول ان الكنيسة في العراق بشكل عام غير جاهزة للمتغيرات والدليل انه ليس لنا الى الان عمل جماعي مشترك، لكن الكنيسة بمفهومها الابرشي والخورني عملت ولا زالت تعمل الكثير بهذا الاتجاه، وطبعا بتباين كبير بين كنيسة واخرى. اعتقد ان ما ينقصنا هو توحيد الجهود، او مبادرة عمل جماعي. نتمنى ان تتحقق في المستقبل القريب. وهنا اقول شيء وهو ان الاوضاع الصعبة في العراق قد طغت على الازمات العائلية ومع الاسف الشديد، والكل انشغل بالبحث عن كيفية التعامل مع هذه الاوضاع والظروف وأُهمِلت العديد من الازمات التي نرى وسنرى نتائجها اكثر في المستقبل. لكن علينا ان نكون متفائلين لان الرجاء بعوائلنا لا زال كبيرا. في ابرشيتنا – ابرشية الموصل الكلدانية – كنت قد خصصت السنة الماضية للعائلة في كل الابرشية، لهذا كانت هناك نشاطات وفعاليات عديدة بالخورنات والكنائس التابعة للابرشية رغم ظروفنا الصعبة، لا بل قمنا ولأول مرة على صعيد ابرشيات العراق بعمل (المؤتمر الابرشي) الذي حضره الكهنة والراهبات والعلمانيين العاملين والمهتمين بنشاطات الكنائس في الابرشية، وتمّ فيه التعمق بموضوع العائلة من عدة جوانب والخروج بتوصيات تعمم على كل كنائس الابرشية. وسوف يخرج عن قريب كتاب لي عن العائلة وموقعها الحالي في المجتمع، فيه اتناول كل هذه القضايا التي تكلمنا عنها واخرى ايضا. المحور الرابع: الرسالة الكهنوتية والدراسة في روما الاسقف الدكتور اميل نونا: بعد رسامتك الكهنوتية وخدمة المؤمنين في بلدتك القوش، اخترت الغربة ايضا، ولكن ليس من اجل الاستمتاع بالحياة الاوروبية " المريحة " ولكن من اجل اكمال دراستك العليا ونيل الدكتوراه من اعظم جامعات روما. هل كانت حياة الغربة صعبة عليك وخاصة انك كنت متعودا على نمط الحياة الالقوشية الهادئة والبسيطة في متطلباتها مقارنة بالحياة في الغرب؟. الم تكن تلك الخطوة صعبة عليك؟ ام ان انشغالك بالدراسة ومعرفتك بالعودة ثانية الى القوش كان قد سهل عليك الاغتراب؟ حدثنا عن تلك الايام وعن مضمون رسالة الدكتوراه التي دافعت عنها. ما هو السبب المباشر لاختيارك هذا الموضوع؟ اذا اراد احد كهنتك الان الدراسة في روما هل تتفقون مسبقا على الموضع الذي يخدم كنيستكم ام تدخل عوامل شخصية اخرى في الاختيار؟ في الجامعات العلمية العامة يحدد عنوان البحث من قبل الجهة المستفيدة والممولة للبحث، كيف هو الامر في الجامعات الكنسية؟ هل ان معطيات الحياة الحديثة ومواضيع الفلسفة المدنية تدخل من ضمن دراسات وتحليل الاطروحات الدراسية ام ان جميع المصادر هي مصادر كنسية فقط؟ بعد رجوعك الى القوش محملا بعلماً عاليا واوروبيا حديثا بدأت مشوارك الثاني في رسالتك الكهنوتية، فيها بدات نشاطاتك مع الشباب والشبيبة تتكثف وتأخذ طابعا تثقيفيا منهجيا مدروسا، اتذكر كذلك في الثمأنينات كيف كان الاسقف المرحوم " يوسف توماس " ينظم لنا لقاءات جامعية ثقافية متعددة الاتجاهات وفي اسلوب شيق ومنهج فلسفي حديث في التعامل مع المواضيع الدينية والدنيوية الكثيرة. كيف اثرت دراستك في اوروبا باسلوب منهجك التحليلي والتفسيري والتعاملي والرؤيوي للارشاد والخدمة الدينية؟ الدكتور اميل نونا: اولا وقبل اي شيء خطوة الدراسة او تكميل الدراسة بالمستوى المتقدم هي ضرورية جدا ومرحلة مهمة في حياة الكاهن، لكن يلزم الانتباه الى ان الدراسة هي وسيلة وليست غاية، بمعنى انها واسطة للتعمق في الكيفية التي بها الكاهن يقوم بخدمته بشكل افضل، وليست هدفا منشودا بحد ذاته. فيما يخص دراستي، او الانتقال الى الدراسة بعد الحياة الراعوية في القوش، اقول بانها كانت صعبة من ناحية وغير صعبة من اخرى. فالصعوبة كانت في البداية خاصة من حيث انه وبنفس الوقت كان هناك دراسة اللغة ودراسة المواد الخاصة لمرحلة الماجستير، وبالاكثر لانه لم تكن عندي خلفية للغة الايطالية مثل الانكليزية التي ندرسها في المدراس. عموما كانت السنة الاولى مرهقة جدا، لكن الحمد لله النتائج كانت جيدة جدا. والصعوبة في البداية ايضا كانت من الشعور بالغربة الذي يحسّ به الشخص في بداية تحوله الى بلد آخر مختلف بحضارته ومجتمعه وتقاليده وطريقة تفكيره و... من جهة اخرى لم تكن هذه الفترة صعبة، لانه كان هناك هدف محدد منها وهو الرجوع وخدمة كنيسة العراق. اذا كل ما كان يتحقق في الغربة كان من اجل العودة الى البلد والكنيسة في وطننا. الا ان الدراسة ليست شيئا سهلا بل تحتاج الى جهود وتعب وبحث، خاصة للذي يريد ان يستفيد ويتطور وينمي نفسه، اما الذي يريد ان ياخذ الشهادة فقط فهذا لا نستطيع ان نضعه ضمن هذا التصنيف. دراستي كانت تحت المسمى العام وهو (اللاهوت العقائدي) اي العلم الذي يدرس الايمان المسيحي عقائديا من حيث مبادئه وعقائده، لكن تحت فرع من هذا المسمى العام وهو (الانتروبولوجية اللاهوتية)، وهي فرع من اللاهوت العقائدي يدرس مفهوم الانسان على ضوء الايمان، اي مَن هو الانسان في فكر الله ومخططه، وفي مسيرة تاريخ الخلاص، وفي رؤية المسيحية له على ضوء المبادئ الايمانية والمتغيرات الفكرية التي مرّت وتمر بمسيرة الفكر، وكذلك مقارنة ذلك كله مع الطروحات الحالية حول الانسان، بالاضافة الى مقارنة رؤية المسيحية للانسان مع التطور العلمي فيما يخص الانسان بكل جوانبه وتأثير ذلك على هذه الرؤية، ومعرفة النظرة الصحيحة للانسان. اي بملخّص مَن هو الانسان من وجهة نظر مسيحية، وتحديد هذه الرؤية ضمن تيارات الفكر ومتغيرات العلم الحالي. وهذا الفرع من اللاهوت صعب جدا اليوم وضروري جدا بنفس الوقت، فمفهوم الانسان قد تغيّر ويتغير بشكل سريع وخطر جدا في احيان كثيرة، وهذا يؤثر على مدى فهم كرامة الانسان في كل مراحل حياته منذ نشاته الى موته. على سبيل المثال، الرؤية المغلوطة لمعنى الانسان وكرامته هي في اساس التوجّه الحالي نحو التجارب التي تجرى على الاجنّة البشرية، والتلاعب بها وتغييرها، وكذلك هذه النظرة هي في اساس الرؤية الاستهلاكية والمنفعية للانسان والتي تجيز القيام بافعال مثل الاجهاض واختيار بعض الاجنّة البشرية وقتل الباقية. كذلك ايضا موضوع (ُالقتل الرحيم) الذي اصبح مُشرّعا في بعض البلدان. وغيرها كثيرا من الاخطار على معنى ومفهوم الانسان. اذا الانتروبولوجية اللاهوتية تحاول ان تفتهم الانسان على اسس الايمان وهي: الكتاب المقدس، والتقليد الكنسي اي فكر الاباء واللاهوتيين في التاريخ، وعلى ضوء التعليم الرسمي للكنيسة في مسيرتها، وما ينتجه الفكر الحالي ايضا. ويستفيد هذا العلم من العلوم الاخرى في عمله وخاصة، الفلسفة وبالتحديد الانتروبولوجية الفلسفية، والبيولوجيا بتشعباتها، والعلوم الانسانية مثل علم النفس والفينومينولوجية (علم الظاهريات) وغيرها. لهذا هو اختصاص معقّد وصعب، لكن مهم جدا. وانا شخصيا كنت دائما ميّالا للدراسات الانسانية، لهذا هذا الفرع من اللاهوت رايته مجاوبا لما ارغبه. وقد درست في جامعة اللاتران الحبرية (PONTIFICIA UNIVERSITAS LATERANENSIS) وفي قسم منه يسمى (معهد يوحنا بولس الثاني لدراسة الزواج والعائلة) (PONTIFICIUM INSTITUTUM IOANNES PAULUS II STUDIORUM MATRIMONII ET FAMILIAE)، لان هذا المعهد يدرس الانتروبولوجية اللاهوتية لكن باتجاه الزواج والعائلة، أي الانسان وما قلناه اعلاه ضمن الزواج والعائلة. وقد تخصصت في دراسة كتابات مار افرام السرياني، وكان موضوع اطروحتي هو (انتروبولوجية العلاقة الزواجية في كتابات مار افرام السرياني) (NUZIALITŔ E ANTROPOLOGIA NEGLI SCRITTI DI S. EFREM IL SIRO )، وعندما اقول العلاقة الزواجية لا اقصد بها علاقة الزواج بين اثنين يتحدان بسر الزواج، بل المبدأ الموجود في الانسان منذ الخلقة والذي يجعله يتّجه نحو الآخر ليكونا اثنين، أي في اصل خلقة الانسان من الله هو اثنين وليس واحد. اذاً نتكلم عن الزواجية بمعنى التوجّه الثنائي، أي نحو آخر مختلف جنسيا، المزروع منذ الخلق في الانسان. لهذا كان موضوع الرسالة شيّقا وجميلا جدا لان مار افرام يتكلم عن الانسان بصور زواجية، وحتى عن الرب يتكلم كذلك. مثلا يقول ان الجسد هو الخدر (الغرفة الزوجية) (هنونا) للرب يسوع في الانسان حيث يتحد مع النفس فيه. بمعنى ان الانسان كله هو واحد ومتّحد بالرب يسوع: بجسده ونفسه و.. كل ابعاد حياته. وقد دافعت عن اطروحتي في 10/6/2005 وحصلت على درجة الامتياز والحمد لله. اما عن موضوع كيفية اختيار الاختصاص للكهنة، فهذا يتم بالتاكيد باختيار المطران او بموافقته. انا شخصيا في موضوع ارسال الكهنة للتخصص ارى ما هو الاختصاص الذي يفيد الكنيسة بشكل عام في العراق، وبشكل خاص في الابرشية واختاره ليدرسه الكاهن ويتخصص به، لكن دائما بالحوار والمناقشة مع الكاهن، كي يكون مقتنعا بدراسته ومتفوقا فيها. بخصوص معطيات ومصادر البحث في الدراسات الكنسية، فهي كأية دراسة تعتمد على كل العلوم المتوفرة في مجالها. و"الفلسفة المدنية" والعلوم الاخرى المختلفة هي واحدة من المصادر الاساسية للدراسة لكن وكما قلت تعتمد على نوعية الاختصاص الذي تتم دراسته. فالدراسات الكنسية متشعبة جدا وبها العشرات لا بل المئات من الاختصاصات. مثلا اختصاصي وكما بينت اعلاه يعتمد كثيرا على مصادر العلم المتعددة، لا بل يلزم معرفة البيولوجيا مثلا لنفتهم تكوين الانسان بطبيعته، كذلك علوم حديثة مثل علم الاجنة البشرية، علوم انسانية مثل علم النفس، والتحليل النفسي، وبالتاكيد الفلسفة التي هي مصدر اساسي للانتروبولوجية اللاهوتية. اذا هناك رابط قوي بين الدراسات الكنسية والعلوم الاخرى المختلفة. بخصوص فترة بعد رجوعي من الدراسة اقول ان الدراسة اثّرت بشكل كبير وبالتاكيد في التعمق بالحياة عموما وبرسالتي خاصة، وكذلك في مدى وكيفية التواصل والتفاعل مع الرسالة التي لي ككاهن. لكن اكرر مرة اخرى انه ليست الدراسة التي تصنع الشخص بل الشخص يصنع الدراسة ويجعلها اداة لتكميل رسالته. وهذا اكرره لانه تجربة خطرة يمرّ بها مجتمعنا خاصة، حيث ننظر للدراسة وكانها تزيد من كرامة الشخص وقيمته، بينما هي وسيلة للتواصل والتعمق، وكرامة الشخص تبقى هي للدارس ولغير الدارس. ومن جانب آخر الدارس والمتخصص يمر بتجربة النظر للامور والاحداث والحياة بمنظار نوعا ما فوقي، وهذا هو عكس مفهوم التخصص. التخصص هو لتعميق مفهوم الخدمة وليس لشيء آخر. لا اريد ان اطيل الكلام في موضوع فترة بعد الدراسة في القوش لان ذلك يلزم ان يقوله الاخرون وليس انا. المحور الخامس: المؤسسة الكنسية/ البتولية في الكهنوت. سيادة الاسقف اميل نونا: ان المؤسسة الكنسية العالمية تمر الان في فترة قلقة من تاريخها الطويل، ليس في العراق فقط ولكن في جميع انحاء العالم. لقد اعتذر قداسة البابا بندكتوس السادس عشر في اميركا لضحايا بعض تصرفات رجال الدين الكاثوليك، والتي حدثت سابقا. في هولندا تمر الكنيسة الكاثوليكية بأزمة حقيقية بسبب انتهاك لبعض رجال الدين – في الفترة بين" 1945-1980 " – لكثير من الاطفال حينها. كيف تنظر المؤسسة الكنسية الكاثوليكية بصورة عامة الى هذه الانتهاكات التي حدثت في السابق؟ وكيف تنظرون في العراق لهذه التطورات المخيفة؟ نتمنى ان تكون كنيسة العراق صافية من هذه الحوادث. ولكن المنطق يقول بانه اذا حدث اختراق اخلاقي في كنيسة اميركية او ايرلندية او هولندية فمعناه ان جميع الكنائس الاخرى هي نوعا ما معرضة لنفس الاختراق. هل بدأت المؤسسة الكنسية في العراق بدراسة وتحليل هذه الحوادث المتفرقة؟ كيف سيكون التعامل مع بتولية الكهنة في المستقبل؟ رغم ان التقرير الهولندي لا يشير الى العلاقة المباشرة بين البتولية في الكهنوت واخطاء رجال الدين. ان قداسة البابا الحالي يصنف بانه من المتشددين والمحافظين ولكن رغم ذلك فقد صرح مرة بانه من "المحتمل" انه سيتم النظر في موضوع البتولية في الكهنوت. هل هي اشارة لمرحلة مستقبلية جديدة في مسيرة الكنيسة الكاثوليكية فيما يتعلق ببتولية الكاهن؟ سيادتكم كنت قريبا من الفاتيكان وطيلة فترة دراستك للدكتوراه، ما هي الصورة التي تكونت لديك لمستقبل البتولية عند الكاهن؟ الاسقف اميل نونا: قبل اي شيء الكنيسة لا تمر الان فقط في ازمة بل كانت تقريبا في مسيرة تاريخها دائما في ازمات باشكال وانواع مختلفة، الا نها استطاعت ان تتجاوز هذه الازمات لاننا نؤمن بانها جماعة الله التي اسسها ابنه الرب يسوع المسيح، ويحفظها بروحه القدوس. لذلك ان تكون الكنيسة عموما بأزمة ليس هو بغريب. الا ان ذلك لا يعني التقليل من اية صعوبة او مشكلة او خطيئة ممكن ان تحدث في داخلها. وموضوع الانتهاكات الجنسية لبعض رجالات الكنيسة والذي اصبح في الفترة القريبة الماضية، ويمكن الى الان في بعض المناطق، الشغل الشاغل للكثير من وسائل الاعلام والمؤسسات المدنية الاخرى، هو موضوع معقّد ويحتاج الى تحليل معمّق، وكي نسهّل الامور لنوضح بعض النقاط: 1. ان الانتهاك الجنسي ضد الاطفال هو خطيئة كبيرة بالمفهوم الايماني الكنسي، لهذا لا يمكن التساهل مع هكذا خطأ، مهما كان فاعله. 2. ان وقوع بعض رجالات الكنيسة في هكذا اخطاء لا يعني ابدا ان الكنيسة تتساهل مع هذا الموضوع من جهة، ومن جهة اخرى الذي خطأ ويخطأ هو عدد قليل جدا قياسا بالعدد الكبير جدا من الكهنة ورجال الكنيسة الذين يخدمون بوفاء وباخلاص وامانة. وهذا لا يلزم ان ينساه احد، فقد قال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني: ان خطأ البعض لا يجب ان ينسينا خدمة الاكثرية العظيمة. 3. التعامل مع هذا الموضوع وطرحه في وقتنا له اسباب عديدة وليس السبب الوحيد محاولة اصلاح الانتهاك فقط. ومن هذه الاسباب تبرز المادية بشكل كبير، حيث ان ابرشية بوسطن في امريكا مثلاً باعت الكثير من بنايات كنائسها لتدفع لأصحاب الدعاوى في هذه القضايا المقامة ضد بضعة كهنة قليلين، وافلست الابرشية. وهذا ما يُبرز السبب الآخر وهو محاولة زعزعة وضرب الكنيسة الكاثوليكية وخاصة في العالم الغربي، لانها تمثّل المدافع الوحيد عن بعض القيم الاساسية في الحياة والتي لا تلائم الكثيرين وخاصة المؤسسات الاقتصادية الهائلة في كبرها، والتي عدم وجود القيم هو ربح لها. مثلا المؤسسات الانتاجية التي تنتج وسائل منع الحمل، او توفر العمليات الخاصة بالاجنة و.. والمؤسسات الاقتصادية التي لا تهتم بقيمة الانسان وكرامته في سبيل الربح مثل الاعلامية بمختلف انواعها. وهناك بالتاكيد جهات عدة تعمل في الخفاء وتحرك الاخرين من اجل ضرب المؤسسة الكنسية الكاثوليكية لاسباب تاريخية او غيرها. 4. موضوع الانتهاك الجنسي للاطفال قد وضّحته الكنيسة الكاثوليكية واصدرت التعليمات الخاصة به، حيث يوقف عن العمل الكهنوتي ويصبح خارج الخدمة الكهنوتية كل من يقوم بذلك. لكن المشكلة في بعض الدول او عند وسائل الاعلام كانت في ان توافق الكنيسة الكاثوليكية على وضع هذا الانتهاك في خانة (الجريمة)، وهذا ما لا تعمله الكنيسة، لان مفهوم الجريمة هو مفهوم قانوني، بينما في الكنيسة نحن لنا مفهوم الخطيئة، وبالنسبة لنا الخطيئة هي اشمل في فعلها وفي نتائجها من الجريمة التي يتم التعامل معها فقط على اساس انتهاك لقوانين المجتمع ودفاعا عن العدالة فيه. بينما الخطيئة تحاول ان ترى ابعاد اخرى اعمق وهي الشخص نفسه، تاثير الخطيئة على ذاته وشخصيته وعلاقاته، وعلى البشر الاخرين، وعلى الله نفسه. اي ان الخطيئة اشمل من الجريمة ولها نتائج اعمق منها. 5. موضوع الانتهاك الجنسي ليس الخطيئة الاكبر والاوحد في الحياة، فالكنيسة ترى في التركيز على هذا الموضوع وترك انتهاكات اخرى في العالم، تجزئة لموضوع الشر. الشر المنتشر في العالم بطرق واساليب جديدة وخبيثة هو الموضوع الاكثر اهمية والذي يلزم على العالم التصدي له، فالفقر في بلدان عديدة في العالم والذي هو نتيجة سياسات اقتصادية واجتماعية خاطئة، والقتل للاطفال والنساء وللبشر عموما، والتجارة بالاطفال والنساء للبلدان المتمكنة، عدم معالجة الامراض والآفات العديدة في العالم، انتشار ثقافة الكره للاخر..... وغيرها كثيرا هي من ظواهر الشر الموجود حاليا. لهذا التركيز على موضوع جزئي مثل هذا يحمل في طياته الكثير من التهرب من معالجة مشاكل حقيقية مسببها هو على الغالب الجهة او الجهات التي تروّج وتدّعي الدفاع عن حقوق الذين تمّ انتهاكم. وبخصوص كنيسة العراق فهي مثل المجتمع العراقي عموما كتومة فيما يخص بعض القضايا، انها ابنة هذا المجتمع. ليس هناك شيء معلن عن انتهاكات، ومع الاسف لا توجد دراسة فعلية لهذا الموضوع ولا تناوله بشكل علمي وصريح. فإن كانت الكنيسة في العراق خالية من هكذا اشياء، وهذا ما نتمناه، فمن الافضل الالمام بهذا الموضوع لتفادي الوقوع به. وان كان بها انتهاكات فالافضل ان يتم التعامل معها بمنطقية وعقلانية وعدم تهويل الامور، بل بهدوء وحزم، ونشكر الله ان التعليمات الكنسية هي واضحة بهذا الشأن. فاننا نستطيع ان نقول ان هذه الازمة خرجت بنتائج ايجابية للكنيسة لانها وضّحت موقفها بقوة وصراحة، وخرجت بتعليمات محددة حول الشخص المنتهك. حول موضوع البتولية اريد ان اوضّح شيئا مهما، وهو ان البتولية هي حالة من الحالات التي فيها المؤمن يخصص ويكرّس ذاته لله، انها فعل انساني يحاول المؤمن فيه ان يتعامل مع رسالته وخدمته لله وللبشر الاخرين. اذا هي حالة في الكنيسة مثلما توجد حالات اخرى كالمتزوج، والناذر نفسه للتوحد و.... البتولية في الكنيسة الكاثوليكية ليست الطريقة الوحيدة للرسالة الكهنوتية. فهناك كنائس يخدمها كهنة متزوجين، مثل كنائسنا الشرقية، او الكنائس البيزنطية الكاثوليكية. لهذا التركيز على البتولية وكانها سبب المشاكل التي يعاني منها السلك الكهنوتي او الكنيسة اعتقد انه مبالغة واجحاف بحق الكثير جدا من الاشخاص المؤمنين برسالتهم وحالتهم البتولية. الصعوبة الحالية في الكنيسة ليست متأتية من البتولية فقط، بل انسان اليوم عموما، ان كان في الكنيسة او خارجها، هو في صراع وجودي كبير لمعرفة موقعه كانسان ورسالته كشخص - وبالنسبة للمؤمن وضعيته كمسيحي - في داخل هذه التغيرات الهائلة بالمفاهيم والقيم والمبادئ والسلوكيات والاخلاقيات والافكار و.... اذاً هناك صراع لم تُحسم نتيجته بعد في العالم. وشيء طبيعي ان يكون المؤمن المسيحي، إن كان كاهنا ام راهبا ام راهبة ام علماني، من ضمن هذا الصراع لانه ابن هذا العالم. لذلك اعتقد ان موضوع البتولية يلزم ان يتم النظر له ضمن هذا المضمون العام وليس فقط كشيء مستقل منفصل عن باقي البيئة او المضمون التي هي فيه. وهذا ما اعتقد ان قداسة البابا الحالي بندكتوس السادس عشر قد قصده بقوله انه من (المحتمل) النظر في موضوع البتولية، لان هناك مراجعة ورؤية عامة تشمل كل شيء في الكنيسة والعالم ايضا. انا شخصيا اعتقد ان البتولية ستظل حالة من الحالات المهمة جدا في رسالة الكنيسة الكاثوليكية لانها تكريس وتخصيص شخصي لله وللرسالة والخدمة، ومنافعها كثيرة جدا ولا تقارن بالصعوبات الموجودة فيها او بالثمار العظيمة التي تعطيها للاخرين. المحور السادس: الرئاسة الاسقفية في الموصل. لقد تنازلت عن بلدتك الامنة القوش وتحملت المسئولية الكبيرة في ابرشية الموصل. في اغلب الابرشيات يستلم الاسقف الجديد مفاتيح الابرشية من المطران المتقاعد. ولكن فقط في ابرشية الموصل تغيرت البروتوكولات. لقد استلمت امانة ابرشية الموصل من الشهادة الكبيرة التي بذلها المطران الشهيد فرج رحو. ان الاستمرار في خدمة ابرشية الموصل هو صفعة كبيرة للشر الذي قتل المطران رحو. هل فكرت طويلا قبل قبولك المسؤولية الكبيرة؟ هل كانت لحظات حاسمة في حياتك الشخصية والروحية قبل تحملك مسؤولية كرسي رئاسة اساقفة الموصل؟ ان الابرشية تعاني من نزوح كبير لعدد المؤمنين الى خارج مدينة الموصل نتيجة للاوضاع الشاذة التي يعيشها العراق. اننا نفتخر بالحماس الذي يكنه مسيحي الموصل لكنيستهم بالبقاء فيها. هل توجز لنا يا سيادة المطران الصورة اليومية والواقعية لاحدى الكنائس في الموصل؟ هل تتمكنون من مزاولة اعمالكم الكنسية والادارية والرعوية بصورة منتظمة وتحت هذه الظروف؟ ما هي الاجراءات الكنسية المهمة والتي تجعل الحياة الروحية في الابرشية حية دائما؟ هل لكم كتابات خاصة او دراسات جديدة تهم المؤمن وتساعده في مقاومته للشر والخطر وتزيده الارتباط مع كنيسته؟ نحن نعرف من بعض خصائصك الشخصية: التوازن الشديد والهدوء الروحي والانساني والتي نراها من خلال لقاءاتك وتصريحاتك ومحاضراتك وحتى في محياك الانساني، وهذه كلها صفات مهمة من صفات الاسقف، من اين تجد وتجمع كل هذا الهدوء الروحي؟
كنيسة دير السيدة بالقوش، رسامة الاب الدكتور اميل نونا، رئيساً لاساقفة الموصل للكنيسة الكلدانية رئيس اساقفة الموصل د. اميل نونا: اولا الاسقفية هي رسالة مهمة جدا في حياة الكنيسة عموما وخطرة جدا ايضا، اي يلزم للقيام بها ان يكون هناك امكانيات كبيرة حول الابعاد الكنسية والايمانية، ومجمل الابعاد الاخرى في الحياة. لهذا ان يفكر الانسان في قبولها، انا اراه شيء طبيعي اذا كان هناك فهم لها كما شرحتها اعلاه، اما ان كان فقط للمنصب والدرجة فهذا شيء آخر مختلف تماما. اذاً كانت هناك فترة طويلة نوعا ما للتفكير في الموضوع بعد ان عرض عليّ، والتفكير كان باتجاه معرفة المؤهلات الشخصية التي تلزم لتحقيق رسالة الاسقفية بشكل عام، ولم يكن هناك مجال كثير في تفكيري للتركيز على المكان الجديد، اي ابرشية الموصل. لانه اذا وصلت الى قناعة بامكانية وجود مؤهلات شخصية للاسقفية، فسأكون مستعدا لها اينما يكون موقعي ومكاني. هذا لا يعني ان وضعية ابرشية الموصل لم تكن في الحسبان، لكن انا مقتنع ان الراعي الصالح يكون حيث هي خرافه ليوصلها الى المراعي الخضرة كما يقول الكتاب المقدس. وهذه كانت قناعتي من الاول. الشيء الشخصي الغريب في موضوعي هو ان تعرف ان الناس هم فرحين لكونك ستصبح اسقفا لكن بنفس الوقت خائفين عليك او في داخلهم تحسّ بانهم لا يرغبون كثيرا في ذلك، كون المنطقة خطرة. هذا الاحساس الذي تشعر انه موجود في الناس كان نوعا ما مؤلما لان من تحبهم ليسوا فرحين كثيرا بما ستكونه. لكن لم يكن هذا الاحساس او الشعور الانساني ليوقف القرار، لان هذا الاحساس جاء بعد ان اتخذت قراري وعرف الناس به. ان ابرشية الموصل عانت خلال السنوات الماضية – ولا زالت في بعض الجوانب – اكثر من كل الابرشيات والمناطق الاخرى في العراق. فمن اول الابرشيات بالنشاطات والفعاليات والحيوية الكنسية، الى منطقة خطرة جدا على الحياة، وفقدان لكافة النشاطات والفعاليات، وبالخصوص للمؤمنين فيها. لقد نزح اكثرية المؤمنين من مدينة الموصل، وعندنا كنائس مغلقة بعدما كانت من انشط الكنائس..... ان نزاول اعمالنا بشكل طبيعي 100 % ليس ممكنا، لكن الوضعية الان اختلفت عمّا كانت عليه قبل سنتين عندما وصلت للموصل. فالان نشعر ونرى تحسنا نسبيا في الوضعية الامنية والوضعية العامّة. اقول نسبيا لان الامور احيانا تنحدر بشكل مأساوي، وايضا الحالة العامة غير مستقرة تماما. بعد وصولي الى الموصل كان يلزم ان اعرف الوضعية بشكل جيد، لهذا لم استعجل في البدأ بالعمل الراعوي، بل بدأت بتنظيم "البيت الداخلي" بمعنى تنظيم وضعية الابرشية من النواحي الداخلية لانها كانت قد تعرضت للكثير خلال الفترة الماضية، فبدأنا بحياة الكهنة وترتيب امورهم، ومن ثم الناحية الطقسية، وبعدها وضعت (الدليل الابرشي) وطبعناه ووزعناه على كل المؤمنين، والدليل هو مثل الدستور للابرشية، اي وضعنا فيه اولا الاشخاص في الابرشية من المطران الى الكهنة الى.. كلُ واحد ومهامه وحقوقه وواجباته، ثم الدائرة الابرشية والفعاليات الخورنية واللجان الابرشية، وكل الامور الاخرى التي يرغب المؤمن في معرفتها حول حياته في الكنيسة من الناحية الراعوية والقانونية. بعد ذلك اي بعد حوالي سنة بدأنا بنشاطات راعوية على مستوى الابرشية ولا زالت مستمرة والحمد لله. قمنا بعمل مؤتمر ابرشي هو الاول من نوعه على صعيد الابرشيات في العراق، ورغم ظروفنا نريد ان نبين ان ابرشية الموصل لا زالت قادرة على العمل، وكان ناجحا جدا. وفي كل سنة نخصص موضوعا واحدا كمحور لكل الفعاليات الابرشية والخورنية، وانا اكتب رسالة راعوية اوجهها للمؤمنين حول الموضوع للتعمق فيه. الشيء المهم الذي كان ولا يزال محور عملي هنا هو ما اقوله للناس، وهو اننا بمواجهة الاضطهاد والشر لا يلزمنا الا التعمق في معنى كوننا مسيحيين وبشر. كي نواجه الشر علينا ان نتعلم الحياة، وكي نواجه الموت علينا ان نتعلم كيف نعيش لحظات حياتنا بعمق. وهذا ما احاول ان اقوم به من خلال محاضرات اسبوعية عامة في الموصل، والكرازات والنشاطات الجديدة، مثل لقاء العائلة، في مدينة الموصل، وكذلك متابعة العمل الذي يقوم به الكهنة في كل الابرشية. وهنا يلزم القول ان كهنة الابرشية، مع قلتهم، يقومون بعمل جبّار لانهم رغم كل الظروف لا زالوا يحققون رسالتهم بشكل ممتاز، واقصد بابرشية الموصل، تلكيف وكرمليس وقره قوش ايضا. واريد ان اقول بانني فرح جدا برسالتي ووضعيتي وخاصة لانني رايت ايمانا عند مؤمني مدينة الموصل جعلني ارغب اكثر في خدمتهم. انهم فعلا عانوا ويعانون لكنهم ملتزمين جدا بايمانهم وبوعي كبير، وملتزمين بالحضور للكنيسة رغم اي شيء كان وافضل من مناطق اخرى مستقرة. اعطي لك مثالا. في خميس الفصح الماضي، ونحن قد حضّرنا برنامجا جيدا للاحتفالات، فُرض حضر التجول في المدينة وبدون انذار مسبق، وكان برنامجنا عصر الخميس، الا ان الحضر لم يرفع. وذهبت بصحبة سيارة شرطة الى الكنيسة القريبة من المطرانية وكنت متوقعا ان لا ارى احد، لكني فوجئت بان هناك ناس كثيرون فيها وآخرون يَصِلون تباعا. وسألتهم كيف وصلتم فقالوا سيرا على الاقدام. لقد سار البعض لمدة ساعة، ولقد رايت عوائل: الاب والام مع الابناء وبنات شابات يسيرون لمدة ساعة كي يصلوا الكنيسة. وهل تعرف معنى ان تسير في مدينة الموصل مع حضر للتجوال؟ يعني انك هدف سهل جدا. ومع هذا امتلئت الكنيسة وقمنا بكل برنامجنا. وتكرر الموضوع يوم الجمعة، جمعة الالام ايضا رغم انها كانت تمطر بغزارة لكن ساروا لمدة ساعة واكثر ليصلوا للكنيسة مع المطر الغزير. اعتقد مثلا واقعيا مثل هذا يعطينا القوة ليس لنبقى فقط في الموصل بل لنخدم هؤلاء الناس باقتناع وعمق كبيرين. والهدوء الروحي الذي تتكلم عنه ياتي من مصادر عدة، منها ما قلته عن الناس المؤمنين وطبيعة وشجاعة ايمانهم. كذلك ياتي من الاقتناع التام برسالتي وقراري في الحياة، وايضا من التعمق المستمر في معنى حياتنا الايمانية والانسانية، وبالاخير من شيء مهم جدا وهو قابلية التعجب دائما امام الحياة واحداثها، لان فيها يد الله دائما. بخصوص الكتابات والدراسات، هناك كتابان مترجمان قد طبعتهما قبل فترة، وألفت كتابا عن الصلوات بحسب احدات السنة الطقسية ليساعد المؤمن على متابعة روحية صلوات الاحد. وقريبا سيصدر كتاب درب الصليب من تاليفي. وكذلك سانهي في القريب كتاب عن اختصاصي وهو العائلة في المجتمع الحالي وهو دراسة عن وضعية العائلة والانسان في عالمنا الحالي. واتمنى ان استمر في ذلك بمعونة الله. المحور السابع: انا والقوش سيادة الاسقف اميل نونا: متى كانت زيارتك الاخيرة لبلدتك العزيزة القوش؟ ماذا تعني لك القوش؟ لو طلب من سيادتكم ان تستخلص القوش بسبعة كلمات، ما هي هذه الكلمات السبعة التي تحوي وتصف وتعني القوش؟ هل تفتقد القوش الان؟ ما هي الخصائص الفريدة والجيدة في الشخصية الالقوشية والتي تحب ان تتكلم عنها؟ هل تستطيع ان توجز لنا اهمية ودور القوش في صنع الشخصيات المهمة سوآءا: الدينية، السياسية، الثقافية، الادبية...... وباي الشخصيات الالقوشية التاريخية قد تاثرت؟ هل هناك شخصيات معينة كانت مثالا لك في الكمال والعطاء والفداء؟ لو طلب منك ان تكتب مقالة تقديمية لكتاب جديد يعني بالقوش، ما هي الاسطر الاولى التي لا يمكن ان تتجاوزها في هذه المقالة؟ الاسقف اميل نونا: شيء مؤكد ان الانسان لا يستطيع دائما ان يصف مكان ولادته وتنشئته لان له الفضل فيما يصل اليه مهما كان وفي اي مكان وزمان كان. لهذا الكلام عن القوش صعب ايضا لكونها اصل حياتنا وبها تعلمنا وتربينا وادركنا الدنيا وافتهمنا رسالتنا. لهذا الفضل لها في اي مكسب او مستوى او فعل او حدث او خبرة تتحقق في حياتنا الحاضرة. المكان الذي فيه يكتشف الانسان دعوته هو اساس رسالته، وهذا ينطبق على القوش بالنسبة لي. كذلك انا اشتغلت برسالتي في القوش ككاهن ولم اعمل في اي مكان آخر، واستطيع ان اقول انني اعرفها جيدا ليس لاني نشأت وتربيت واكتشفت رسالتي بها، بل لانني ايضا اشتغلت لها وبها ومعها، وهذا هو سبب معرفتي بها، لهذا لا يمكن ان انسى القوش وما تمثّله لي. في شخصية الالقوشي خصائص معينة يمكن من الصعوبة ان نجدها في مكان آخر، وهذا طبيعي لان كل مكان له خصائصه ومميزاته التي يطبعها في شخصية ساكنيه وابنائه. والقوش بسبب وضعيتها الجغرافية جمعت في شخصية ابنائها مميزات عديدة من بيئات مختلفة، فطبيعة القوش التي ليست لا جبلية تماما ولا سهلية بشكل تام، بل تجمع بين الاثنين، جعل الانسان الالقوشي شخصا يجمع في ذاته عدة خصائص بنفس الوقت، وهذا هو سبب اساسي في صياغة الشخصية الالقوشية بالشكل الذي هي عليه. كما ان مكانة القوش في التاريخ، وخاصة الدينية، جعلت من ابنائها يتفاخرون دائما بوضعهم. هذ التفاخر دفعهم الى المحافظة على مستوى معين – راقي نوعا ما – من الشخصية القيادية الجامعةُ فيها مفردات عديدة من نوعيات مختلفة من الشخصيات. اعتقد ان هذين السببين هما الاهم فيما يخص تكوين شخصية الالقوشي الميزة. ويمكن ان اقول بان اهم هذه الخصائص والمميزات هي (المبدأية) في التعامل مع الامور. بالنسبة لي اهم ميزة يتميز بها الالقوشي هي هذه، انه يأخذ الامور بمبدأية، اي كما يقال من الجذور. وهي خصوصية اساسية في الشخصية الانسانية بكل الابعاد. لهذا يقال ان الالقوشي إما يكون هكذا او نقيضه. وهنا عليّ ان اقول بان ننتبه لان هذه الميزة وحسب معرفتي بدأت تنحسر في بعض الاجيال في الآونة الاخيرة، وهذا ناقوس خطر يلزم الاصغاء له، والبحث في المسببات ودراسة كيفية المعالجات. واعتقد ان هذا العمل افضل من البحث عن اشياء ليست بذات اهمية في الوقت الحالي والتي تسبب الانقسامات والخلافات. وهذه مهمة المؤسسات الموجودة على ساحة القوش بمختف اتجاهاتها. الميزة الاخرى التي اراها مهمة هي ما اسميه (الاعتزاز بالذات)، وهنا لا اقصد من الناحية السلبية او المرضية، بل اقصد الاعتزاز بما هو عليه الشخص، وبمكانه وتاريخه وقيَمِه ودوره. هذه الميزة مهمة لانها مرتبطة بالاولى فتجعل الشخص مبدأي ولا يتنازل بسهولة عن معتقداته وارضه وبيته ومجتمعه وطريقة عيشه، ويكون "واضحا وصريحا" في تعامله مع ذاته ومع الاخرين ومع احداث ومتغيرات الحياة. اعتقد ان هاتين الميزتين هما السبب الاكبر في صنع شخصيات القوشية معروفة في التاريخ، والشخصية الالقوشية عموما حتى اليوم. لكن ارجع واقول بان الوضع الحالي يختلف عن الصورة التي لنا عموما، فهناك تغييرات اجتماعية ونفسية في شخصية الالقوشي بدأت تؤثر بشكل كبير على مستوى ونوعية شخصيته. واعتقد ان هذه معضلة اجتماعية كبيرة. لهذا يلزم القيام بدراسة اجتماعية للموضوع من قبل أخصائيين في علم الاجتماع مع الاشخاص الكفوئين وبالتعاون مع المؤسسات التي لها دور في القوش وبالاستعانة بخبرات عديدة وكبيرة موجودة في القوش. الدراسة المقترحة مهمة جدا لانه من المفروض ان تنظر بحيادية الى ماضي الالقوشي لتحلل الوضعية الحالية وترسم بعض الخطوط العامة للتعامل مع الامور في الحاضر والمستقبل. بالنسبة لي وعلاقتي بالشخصيات الالقوشية المعروفة، اقول انه ليس تاثيرا بل ارتباطا بتوجهات معينة وابعاداً حياتية في عدة شخصيات، وبالتاكيد المعروفة في الحقل الديني والكنسي، لانه الاكثر تاثيرا في التاريخ. ارى ان شخصية البطريرك يوسف اودو كان لها جوانب وميزات مهمة جدا للتعامل مع الامور والحياة بشكل عام وليس في قضية واحدة فقط. هذا الانسان اوضح وعاش رسالته بشكل صريح وقوي ومباشر وبخصوصية القوشية، لهذا احترمه كثيرا. كذلك من الشخصيات المهمة بنظري في القوش هي الكاتب بولص قاشا، الذي كان (رجل الجمال) اذا صحّ التعبير، حيث اشتغل ليعطي الجمال من خلال خطه الكلداني الجميل، وترك لنا مخطوطات وكتابات تنشر الجمال برؤيتها، وانا شخصيا احب هذا النوع من الفن وامارسه احيانا. اتمنى اخيرا ان تكون القوش دائما جميلة وقوية وصريحة ومباشرة ومضيافة.
القوش، المطران اميل نونا يتمنى ان تكون القوش دائما جميلة وقوية وصريحة ومباشرة ومضيافة. اخيرا اود ان اعبّر عن شكري لك اخ عماد ولتوجهك الحالي في الكتابة خاصة، والذي كان قد فُقد من معظم وسائل النشر الخاصة بنا. اتمنى ان يهتم الجميع بما يبني بالعمق، اي يبحثوا عن تعميق اسسهم وقيمهم وجوهرهم الانساني. وهذا سيكون افضل رد للوضعية الصعبة التي نعيش بها في بلدنا. تحياتي لك، بالموفقية واشكرك. الرب يباركك. خاتمة: اشكرك مرة ثانية اخي العزيز سيادة الاسقف د. اميل نونا للجهد الذي بذلته في بناء هذا الحوار المفتوح. لقد اصبحنا اكثر علما وغنا في كل المواضيع التي مرت في هذا الحوار. لقد بينت لنا وبوضوح شديد طروحاتك الشخصية في بعض المحاور وفي اخرى موقف الكنيسة الكاثوليكية الجامعة من مواضيع ومعضلات فلسفية وحياتية مهمة لنا. اتمنى لك شخصيا ولابرشيتك وبجميع كنائسها وخدمها ومؤمنيها السلام والامان ومزيدا من العطاء، ونحن اهلك من بلدتك العزيزة القوش نفتخر بك ونعتز بعطاءك الواسع ودمت تحت حماية الرب. جميع الحقوق محفوظة لموقع القوش نت إعادة نشر لهذه المادة دون الإشارة إلى موقع "القوش نت"، يترتب عليه أجراءات قانونية
|
||