عن المتاهات..وشخصياتها القلقة..عن الشك والإيمان..والدين والإلحاد..

في عنوان صارخ يعتمد على نصف القول : " الدين يقود إلى الإلحاد.."..نشرت مجلة " ذوات: التي تصدر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، حواراً كانت قد أجرته معي الإعلامية الصديقة نزهة صـادق.

والحقيقة أن جوابي كان واضحا، فقد قلت: إن الجواب على السؤال كيف يقود الدين إلى الإلحاد ليس أمراً معقداً، فالتوغل في علم الأديان المقارن وعلوم السوسيولوجيا والنفس وتاريخ الحضارات، وتأمل الواقع البشري سيقدم لنا الجواب، فكل الممارسات الدينية لجميع الأديان البشرية تقودك إلى الابتعاد عن هذه الأديان، فهذا دين يرى في أتباعه أنهم " شعب الله المختار"، وذاك يخاطب أتباعه" كنتم خير أمة أخرجت للناس"، و" ومن يأت بغير الإسلام دينا فلن يُقبل منه.."، وذاك دين يرى أتباعه قد تم إنقاذهم وخلاصهم؛ فالصليب هو خلاصهم، ودين رابع يريد أن يحول الحياة البشرية إلى صيام دائم... موت في الحياة... ويضع الحدود الصارمة والمقدسة بين اتباعه ويقسمهم طبقات..و.و.و، لذلك نأت شخصياتي في المتاهات بنفسها عن كل هذه الأديان، وطبعا ليست كلها، فهناك شخصيات ملتزمة دينيا برغم وعيها للتناقض الأخلاقي بين دعاوى هذه الأديان وممارسات أتباعه....لكن هذه الشخصيات الملتزمة دينيا لم تتجرأ على القفز خارج المدار الديني، بالرغم من شكوكها وأسئلتها، لذلك فضلت الدوران في أقاصي المدار المحاذي للفضاء المفتوح.

إن شخصيات رواياتي لا تؤمن بالدين، لكنها تؤمن بالخالق، وإنها شخصيات مؤمنة، مليئة بالشك، لكنه الشك المضيء الذي يمور في أعماقه عشق للخالق، الذي ليس هو المنتقم، والمرعب، والمتناقض، والتاجر الذي يبادل الطاعة له بالجنة والحور العين..!!، وإنما هو الخالق لكل هذا الجمال واللطف...هو الرحمة المطلقة...والحنان المطلق...والجمال المطلق.

وفي جوابي على السؤال التالي:

س: ألا يمكننا أن نعتبر نقض الأساطير المؤسسة للشخصية العربية، تجريدا لهذه الشخصية من متخيلها الرمزي وسلخها من ثوابتها وخصوصياتها، واستبدالا للإلحاد والشكوك بالإيمان واليقين، وتأسيسا للاهوت مقلوب يضفي على الإنسان والعقل والحرية صفات المقدس الإلهي؟

أجبت:

-أولا هناك اعتراف مبطن بأن الشخصية العربية شخصية أسطورية..وشخصياتي الروائية لا تأبه للأساطير الدينية.. وربما هي في اقتراب من الأساطير العلمية..فللعلم أساطيره أيضاً..

ثانياً: أنا لست لاهوتيا..ولا رسالة اجتماعية لدي..ولست مبشراً بأية أفكار.. بل ولست ملحداً مطلقاً..على العكس..أنا مؤمن إيمانا عميقا بالعقل المطلق والروح المطلق الذي كل هذا الوجود هو "نفحة" منه كما يقول سبينوزا..

لا أريد أن أغيّر العالم..ولا أن أسلخ الناس عن إيمانهم ويقينهم وثوابتهم ومتخيلهم الرمزي وخصوصيتهم..لا يعنيني هذا الأمر بتاتاً..كما أنني لستُ كاتباً أيديولوجيا..وليس لدي لاهوت مقلوب..فأنا كاتب روائي لا أكثر..لدي شخصيات قلقة..يحملون ما يمكن توصيفه ب" الوعي الشقي أو التعيس" حسب تعبير هيغل وماركس..شخصيات مهمومة بسؤال الوجود والعدم.. شخصيات تعاني..شخصيات تتوهج بالشك..لا يعنيها اليقين البارد..تخاف من اليقين وتجد طمأنينتها في الشك..شخصيات لا تسعى إلى الفردوس السماوي ولا الفردوس الأرضي..شخصيات غير معنية بأية أفكار كبرى...ولا يهمها أي دين، فالأديان بالنسبة لديها صفقات تجارية..وليس أكثر.. صفقات يتم تبادل الجنس بالطاعة والأيمان..لا يعنيها أي مقدس..ولا تسعى لإضفاء القداسة على الإنسان...فهو بالنسبة لها كائن بائس..كائن بايولوجي..مغرور..وتافه..مليء بالنتانة والغازات المقززة..الإنسان بالنسبة إلى شخصياتي جيفة متحركة..لذلك رواياتي لا تسعى إلى تأليه الإنسان..ولا تهتم بالبطل الرومانسي..

الصديقة الإعلامية نزهة صادق أرسلت لي مشكورة رابط الحوار مع تلخيصها لمجمل الحوار..تجدونه هنا في صفحتي:

حاورته: نزهة صادق

أكد الكاتب الروائي العراقي برهان شاوي في مسألة الإيمان، أن سؤال كيف يقود الدين إلى الإلحاد ليس أمراً معقداً، فالتوغل في علم الأديان المقارن وعلوم السوسيولوجيا والنفس وتاريخ الحضارات، وتأمل الواقع البشري سيقدم لنا الجواب، فكل الممارسات الدينية لجميع الأديان البشرية تقودك إلى الابتعاد عن هذه الأديان، فهذا دين يرى في أتباعه أنهم " شعب الله المختار"، وذاك يخاطب أتباعه" كنتم خير أمة أخرجت للناس"، و" ومن يأت بغير الإسلام دينا فلن يُقبل منه.."، وذاك دين يرى أتباعه قد تم إنقاذهم وخلاصهم؛ فالصليب هو خلاصهم، ودين رابع يريد أن يحول الحياة البشرية إلى صيام دائم... موت في الحياة... ويضع الحدود الصارمة والمقدسة بين اتباعه ويقسمهم طبقات..و.و.و، لذلك نأت شخصيات الكاتب العراقي في متاهاتها بنفسها عن كل هذه الأديان، وطبعا ليست كلها، فهناك شخصيات ملتزمة دينيا برغم وعيها للتناقض الأخلاقي بين دعاوى هذه الأديان وممارسات أتباعه....لكن هذه الشخصيات الملتزمة دينيا لم تتجرأ على القفز خارج المدار الديني، بالرغم من شكوكها وأسئلتها، لذلك فضلت الدوران في أقاصي المدار المحاذي للفضاء المفتوح.

وأضاف برهان أن شخصيات رواياته لا تؤمن بالدين، لكنها تؤمن بالخالق، وقال إنها شخصيات مؤمنة، مليئة بالشك، لكن الشك المضيء الذي يمور في أعماقه عشق للخالق، الذي ليس هو المنتقم، والمرعب، والمتناقض، والتاجر الذي يبادل الطاعة له بالجنة والحور العين..!!، وإنما هو الخالق لكل هذا الجمال واللطف...هو الرحمة المطلقة...والحنان المطلق...والجمال المطلق.

وعلى الرغم من أن القارئ لمعظم أعماله الروائية، وخاصة منها روايات المتاهات: " متاهة آدم" و" متاهة حواء" و"متاهة قابيل" و"متاهة إبليس" و"متاهة الأشباح"، و"متاهة الأرواح المنسية"، قد يرصد أو يلامس أنها تجسد لتجربة ضياع المعنى من وجود الإنسان العربي في عالمه ومع الآخرين، في ظل متاهات الروح والجسد، حيث جسدت الشخصيات الروائية للمتاهات تجارب قاسية ومريرة في الحياة حولت هذه الشخصيات إلى كائنات قد يراها القارئ مشوهة وممسوخة، إلا أن المعنى الحقيقي لهذا التمثل يعود إلى رغبة الكاتب برهان شاوي في تقديم شخصياته الروائية، ليس كائنات مشوهة وممسوخة، بل على العكس، ككائنات ربما تمتلك الروح الصحيحة، شخصيات شجاعة تواجه تناقضاتها النفسية وتنظر لأعماقها المخيفة بصدق. كما أنها لا تقدم أية إدانة للتركيبة النفسية والاجتماعية للإنسان العربي قط. فهذه قضية لا تعنيني الكاتب أبداً، كما أشار إلى ذلك في حواره، فهو يعتبر نفسه سياسي فاشل، وليست لديه رسالة اجتماعية أو سياسية أو أهداف فكرية يريد توصيلها، لأنه مكتظ بالأسئلة، والتجارب، والشخصيات التي تسكننه كالأشباح.

ويرى برهان أن شخصياته تعي محنة التناقض بين الوجه والقناع، فهي تجد في الدين والقيم والمثل العليا وفي المقدس أقنعة اجتماعية وطبقية وسياسية مرعبة تخفي الوجه البشع للعنف المبطن والعنصرية على مستوى الفرد والجماعة والشعوب والدول و"الجهل المقدس"، كما أنها تتألم بسب وجودها في مجتمعات تعاني من كبت جنسي حاد، مجتمعات تعاني من الهستيريا الجمعية، مجتمعات تعيش ازدواجية قيمية وأزمة أخلاقية كبرى، وهي ليست شخصيات مقدسة ومتعالية.

وحاول برهان من خلال أعماله تفكيك الأساطير الدينية، أسطورة آدم على سبيل المثال، إذ سعى إلى إعادة تفكيك مقولة " بني آدم"، فالبشر ليسوا "بني آدم"، وإنما "بنو قابيل"، كما قال الكاتب العراقي، فآدم قبضة من الطين نفخ الرب فيها من روحه، وبالتالي ليس لآدم أب ولا أم، وهو ليس إنسانا بيولوجيا.." إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج.."، ويضيف برهان أن آدم لم يُخلق من نطفة أمشاج، ونحن لا نعرف له سيرة حياة، وكذا الأمر مع "حواء" أو "إيفا"، فهي حسب الأسطورة الدينية التي وردت في الكتب المقدسة للأديان الكبرى خُلقت من ضلعه، لكننا نعرف "قابيل"، الذي هو من نطفة آدم في رحم حواء، نعرف نسبه، وسيرته، وقد نشأ في رحم حواء، وخرج من خلال عملية الولادة البيولوجية، وبالتالي فهو الإنسان الأول، وهو قاتل، ونحن سلالة القاتل، ومن هنا كانت روايات برهان تتوغل في المقدس، وتفكك أساطيره، وكذا الأمر في أمر "الخطيئة" وقصة "الغواية".

وإليكم رابط الحوار الذي أرسلته الصديقة نزهة صادق مشكورة:

http://www.thewhatnews.net/post-page.php…

  كتب بتأريخ :  السبت 19-09-2015     عدد القراء :  1697       عدد التعليقات : 0