عن توجه الشاعر إلى الـــرواية

1. نماج من الأدب العالمي

تأريخ الرواية العالمية يزودنا بأسماء كثيرة لشعراء كتبوا الرواية بعد أن مارسوا كتابة الشعر وعروفوا كشعراء.

في الأدب الروسي العظيم يتألق اسم أعظم الشعراء الروس وأكثرهم شهرة في العالم: الكسندر بوشكين، الذي بعد أن اشتهر كأعظم شاعر روسي في عصره، توجه لكتابة القصص النثرية والروايات القصيرة والمسرحيات. بعده يتألق اسم الشاعر الشهير ميخائيل ليرمنتوف الذي صارت روايته: " بطل من زماننا " أشهر عمل إبداعي له، بل طغت على شعره، حتى أنها ربما العمل الوحيد الذي ترجم إلى جميع لغات العالم الحية تقريباً، بما فيها اللغة العربية. أكتفي بهذين الأسمين من الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، بينما الأدب السوفيتي عرف أسماء عديدة كتبت الشعر والرواية، منها على سبيل المثال : اندريه بيلي و قسطنطين سيمنوف.

الأدب الفرنسي يقدم لنا أيضا اسماء مهمة، أشهرها على الإطلاق فيكتور هيغو، شاعر الرومانسية الفرنسية، الذي يذكره الناس برواياته الشهيرة: البؤساء – أحدب نوتردام، عمال البحر، ومسرحيته هرناني، بينما يعد من أكبر شعراء فرنسا في القرن التاسع عشر، أما في العصر الحديث، فعلى سبيل المثال نرى أن أندريه بريتون، الأب الروحي للسوريالية، كتب روايته ناجدا، وربما هي أشهر من شعره، ومن بياناته عن السوريالية نفسها، وكذا الأمر عند مجنون إلسا، لوي أرغون، الذي كتب روايات عديدة أشهرها: الفلاحون.

الأدب الايطالي أيضا يذكرنا بأسماء شهيرة، منها الشاعر والروائي والمسرحي، حاصل نوبل في العام 1934 لويجي بيرندللو، المعروف بمسرحياته الخالدة، ومنها: ست شخصيات تبحث عن مؤلف، وهنري الرابع. وكذلك الشاعر والروائي إدواردو سانغوينتي المعروف بروايتيه: نزوة ايطالية، و لعبة الوزة. وكذا الأمر مع ناني بالستريني، الشاعر، الذي كتب رواية: نريد كل شيء، التي صارت مانفيست لليسار المتطرف في ايطاليا. والروائية والشاعرة إلسا مورانتي التي اشتهرت بروايتها: كذبة السحر، ومجموعتها الشعرية: الأطفال ينقذون العالم.، وكذا الأمر مع ساندرو بينا، وبازوليني: الشاعر والسينمائي والروائي، وأيضا كلاوديو بوتزاني الشاعر المعاصر والمعروف أيضا بروايتيه: الزوايا الزائلة، وكيت وأنا، ومجموعته القصصية حكايات القدم الباردة.

الأدب الألماني غني بمثل هذه الأمثلة، فشاعر عظيم مثل غوته كتب لنا "آلام فيرتر"، وتيودور فونتانا، ترك لنا عدداً من الروايات التي من أشهرها: " إيفا بريست "، التي تُعد (آنا كارنينا) الألمانية. وكذا الأمر مع الشاعر والمسرحي الكلاسيكي الشهير هاينريش فون كلايست، بل وحتى مع الأب الروحي للرومانسية الألمانية نوفاليس.، ومن المعاصرين نجد: هاينريش بول، وغونترغراس. فكل هؤلاء كتبوا الشعر ثم توجهوا للرواية.

الأدب الإنكليزي قدم لنا نماذج أخرى أشهرها: الأخوات برونتي اللاتي أصدرن ديوانا شعرياً مشتركا بعنوان قصائد، وكالعادة بأسماء مستعارة، وكذلك نتعرف على روائيين عرفوا كشعراء أمثال توماس هاردي، رديارد كيبلنغ، د.ه. لورانس.

الأدب الأميركي قد نموذج الشاعر الروائي سكوت فيتزجيرالد صاحب رواية "جاتسبي العظيم "، وقبله آدغار آلن بو، وفيما بعد راي باردبري، جميس بالدوين، جارلس بوكوفسكي، وليس انتهاء ببول أوستر.

أما الأدب الأسباني فقد قدم لنا نماذج أخرى: فأحد آباء الرواية العالمية سيرفانتس كان شاعراً، فهو صاحب الرائعة الخالدة " دون كيوخوته "، الشاعرة والروائية الكوبية الكلاسيكية خيرترديس دي آبييانيدا، الشاعر والرسام والروائي خوان ليون ميرا الذي أشتهر بروايته كوماندا، وفي القرن العشرين الشاعر والصحفي الغواتيمالي ميغيل أنخل استورياس الذي أشتهر بروايته "السيد الرئيس" ، خورخي بورخيس الذي لم ينقطع عن كتابة النثر والشعر.

اليابان قدمت نماذجها المثل في هذا المجال، حيث كانت واحدة من شاعرات الأدب الياباني موراساكي شيكيبو، قد كتيت روايتا قصة جيجي التي كتبتها قبل الف عام تقريبا، وتُعد واحدة من أقدم الروايات في تاريخ الأدب العالمي، إلى جاني يوكيو مشيما الذي كان شاعرا يابنيا مهما، وكذلك كوبو آبي، الحاصل على جائزة نوبل، والذي كان قد اصدر في البداية مجموعته الشعرية " قصائد لشاعر غير معروف "، قبل ان يتوجه للرواية ويقدم رائعته " امرأة في الرمال :، وكذا مع شاعرالهايكو ناتسومه صوسيكي، الذي كتب روايات مهمة فيما بعد.

الهند قدمت لنا نموذجها الأشهر: الشاعر والروائي والمسرحي: رابندراناث تاغور.

الأدب العربي ليس استثناءً، فقد قدم نماذج مختلفة من فترة جبران خليل جبران، مرورا بأحمد شوقي، والعقاد، وانتهاء بالتجارب الحديثة، التي أبرزها،على سبيل المثال، في سورية سليم بركات، وفي الأردن أمجد ناصر، والمغرب محمد الأشعري، ولبنان عباس بيضون، وحسن داوود، وتونس محمد علي اليوسفي، السعودية غازي القصيبي، السودان أمير تاج السر وتتعدد النماذج في العراق، حيث نجد معظم كتاب موجته الروائية الجديدة لديهم تجربتهم في كتابة الشعر: حميد العقابي، محسن الرملي، عبد الهادي سعدون، سنان انطوان، أحمد السعداوي، محمد جبر علوان، جنان جاسم الحلاوي، هاشم شفيق، وغيرهم.

بالإمكان الإستشهاد بأسماء أخرى أكثر من هذه، لكني آليت التوقف عند الأسماء المتداولة عربياً، مع التأكيد بأن هذا الحصر المكثف الذي استشهدتُ به، يقف عند حدود شكل الكتابة، ولا يمس جوهر شعرية النص، وقيمته الإبداعية، فقضية الشعرية ليست لها علاقة بجنس الكتابة الإبداعية هنا، من حيث أن شكل النص هنا يخضع للتعريفات الشكلانية كونه شعراً أو سرداً روائيا. ولست هنا بصدد الدخول في تفاصيل طبيعة النص الشعري واختلافه عن النص السردي الروائي.، فهذه قضية أخرى، لا أتوقف عندها الآن، وإنما أردت التوكيد بأن توجه الشاعر لكتابة الرواية ليس معجزة، ولا لغزاً، ولا فشلاً في توكيد الذات الشاعرة، كما يروج البعض، أو يفهم الأمر كذلك.

2.

توجه الشاعر إلى السرد الروائي إذاً ليس جديداً، لكن السؤال الجوهري هنا: لماذا..؟ ما الذي يدفع بالشاعر إلى التوجه ممارسة الكتابة بإسلوب معارض للآليات القصيدة..؟ وأقصد هنا يترك الشاعر القصيدة التي تتميز بكثافة اللغة والاقتصاد فيها، وكثافة الصورة الشعرية، وتقطير اللغة، وحصر الرؤيا الوجودية والفكرية في عالم أشبه بعالم الذرة، محققاً مقولة النفري: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة..ليتوجه إلى إنجراف لغوي عنيف، مسترسلاً في الوصف، وفي سرد التفاصيل، وكأنما يلغي المبدأ الذري للقصيدة بالكثافة، مؤكداً أنه كلما اتسعت الرؤيا فاضت اللغة وتدفق الكلام..!!.

ومرة أخرى أود التأكيد بأن الحديث عن الشعر والسرد النثري لا علاقة له بالشعرية ومفهومها العميق.. فليست كل قصيدة شعرية تبض بشعريتها، فهناك ركام هائل من القصائد التي لا تجد فيها الرعشة الشعرية، رعشة الإحساس الجمالي والمأساوي بالوجود،وهذا الركام من الناحية النظرية هو شعر، والشكل المكتوب فيه هو القصيدة، لكنها ليست بشعر، بينما نجد روايات سردية نثرية تبض بالشعرية العالية، ولا يمكن اعتبارها نثراً إلا من باب الشكل اللغوي، ويمكننا الإستشهاد بعشرات الروايات التي يزدحم بها الأدب العالمي، والتي تنبض بالشعرية، بل يمكن القول بأن شعريتها هي التي أبقتها قوية تمخر عباب الزمن، وتتألق عبر العصور.. وليس لي هنا سوى أن أذكر بسرعة ودونما استذكارات ومراجعات خاصة: ألف ليلة وليلة، ودون كيخوتة، وآنا كارنينا، والأحمر والأسود، والأب غوريو، والجريمة والعقاب، والأخوة كرومازوف، وثلاية نجيب محفوظ. فهذه الأعمال ترتقي إلى الذرى العالية والخالدة، لتوهجها بشعرية النص والموضوع والفكرة. لكن يبقى السؤال: لماذا الرواية وليس القصيدة؟ لماذا خلود شكسبير جاء من هاملت، الليدي ماكبث، والملك لير، وريتشارد الثالث وعطيل، وليس من السوناتات الرائعة..

هل للأمر علاقة بوعي الشاعر للتاريخ، ولوجوده التاريخي المحدد..؟ هل علاقة الرواية أكثر استعداد لإحتضان الوعي التاريخي للشاعر من القصيدة..؟ هنا لا أتحدث أنا عن الوعي الوجودي، فيمكن للقصيدة أن تحتضن بعمق هواجس الشاعر الوجودية، لكني أشك في قدرتها، أو حتى استعدادها لإحتضان وعيه التاريخي ورسم ملامح علاقة الشاعر بالتاريخ..!

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 06-10-2015     عدد القراء :  1569       عدد التعليقات : 0