داعش ومسلَخ "هوليود" البشري.. مقاربة مطلوبة!

يجمع الخبراء السياسيون والاجتماعيون والمختصون بأساليب الحرب النفسية، بأن اهتمام تنظيم "داعش" المبالغ فيه بمسرَحَة مسلخه البشري، والإمعان باستعراض مشاهد الذبح وحزّ الرؤوس وحرق أو دفن أو إغراق الأحياء، وقذف الضحايا من البنايات الشاهقة، وأساليب وحشية أخرى، ما هي سوى وسائل لبثّ الرعب والرهبة في نفوس المتلقين والمناوئين (المستهدَفين)، والإغارة السريعة بأدوات "الرسائل الإعلامية" ضد غريزة المقاومة وشلّها، إضافة الى محاولة تهشيم إرادة المواجهة لدى أولئك، وهو أسلوب إجرامي ثبت فاعليته الى حدّ ما!

بعد هول الصدمة التي استفاق على وقعها الجميع إثر تواتر المقاطع الفيديوية لطقوس الذبح و"حفلات" القتل الجماعي (سبايكر مثالاً) التي يديرها داعش، والتي "أدهشت وصدمت" الأميركيين والغربيين أكثر من غيرهم، خصوصاً بعد ذبح صحفيين ورعايا أميركيين وبريطانيين، أجمعت الصحافة الأميركية والغربية معززة بآراء خبراء في علم الاجتماع وعلم النفس الجنائي، بأن استنساخ أجواء ومشاهد العنف والجريمة والرعب التي تغص بها أفلام هوليود كان واضح التأثير على بلورة تلك الفظاعات الهمجية، خصوصاً اذا توغل المرء تقنياً أكثر في تحليل التشابه الكبير بين الحالتين، بما في ذلك استخدام التقنيات العالية، والمؤثرات البصرية والصوتية التي تُستخدم عادة في أفلام هوليود، بغضّ النظر عن التقليد والمحاكاة ودرجة إتقانها، لكن الأهم هو هذه المقاربة الواقعية وغير المبالغ فيها بين إنتاج هوليود (أو مسلخها) ومسلخ داعش، والتي تولّد بدورها انطباعاً سريعاً وانسيابياً على "تلازمٍ" ما بين تأثيرات وارتدادات نتاج هوليود وبين "الإنتاج الإعلامي" للمسلخ الداعشي!

في ذات الوقت الذي أقرّت فيه أغلب المؤسسات الإعلامية والتشريعية في أميركا والغرب بـ"خطورة" تداول وترويج أفلام المسلخ الداعشي، اصطدمت تلكم المؤسسات بحقيقة هامة، وهي عدم إمكانية تشريع مادة قانونية هناك تمنع بموجبها (قانونياً) عرض أو ترويج تلك المشاهد الوحشية، وذلك لسبب بسيط؛ هو ان على المؤسسات تلك أن تحذف آلاف المشاهد المروعة المشابهة والمتطابقة (أو التي تفوقها وحشية) والمتغلغلة في مشاهد أفلام هوليود، التي تهيمن على "ترفيه" الجمهور الغربي أولاً؛ والآخرين ثانياً!

بوجود ترسانتين خطيرتين ترفدان مسلخ داعش، لا يُتوقع من التنظيم غير هذا الذي ينتجه، الترسانة الأولى تتمثل بالفكر التكفيري الوهابي، الذي يُعبّئ أتباعه بذخيرة هائلة من الحقد والبغض والكراهية بحق الآخر، لدرجة ربما لا تشفي غليل حامله تفجيره لنفسه بين المدنيين العُزّل والأطفال، ولا تُشبع ساديته أكل أكباد ضحاياه بشهية فاقت بهيمية وحوش وضواري الغاب! أما الترسانة الثانية فتتمثل بما يُمهده الإنتاج السينمائي الهوليودي لهذا المسلخ من دروس جاهزة بكل ما يمكن أن يصله الخيال من وحشية وغرائز شيطانية وسادية بلا حدود! فما على إرهابيي داعش سوى انتقاء وتطبيق الأسلوب و"النموذج" من هذا الارشيف الكبير المتاح بمجانية، وبتفاصيل مملة أحياناً! ولن يكون عسيراً الوصول الى هذه الحقيقة، فالتقنيون الذي ينتجون مقاطع الأفلام القصيرة لدى ورشة المسلخ الداعشي يقلدون في أحيان كثيرة أقرانهم الهوليوديين في اختيار زوايا الكاميرا، وفنون التقطيع والمونتاج، واستخدام المؤثرات البصرية والصوتية، إضافة الى اختيار الخلفيات الموسيقية، وصولاً الى اختيار زيّ الذباحين وطريقة شدّ أجسامهم!

ربما يتبنى البعض مقولة ان عنف المسلخ الداعشي هو - حصراً- اجترار من العنف الذي مارسه "الأولون" في القرون الماضية من التكفيريين والخوارج، طبعاً لا يمكن إلغاء تأثير مثل هذه التراكمات، ولكن نختلف مع هذا البعض في "الحصر" الذي يتبناه، وللمرء أن يسأل هؤلاء؛ هل وصلكم ان جماعة ما قد درّبت في الماضي الأطفال واليافعين على طقوس الذبح - حصراً - دون باقي أساليب العنف والتوحش؟! ربما لم يسبق رؤية ذلك قبل إنتاجه في المسلخ "الترفيهي" الهوليودي، الذي لم يفوّت أصحابه فرصة الزج بالطفولة في طقوس الذبح وتقطيع الأعضاء البشرية، فهذا ما تزخر به مكتبة هوليود المصنفة بـ"أفلام الرعب، والعنف، والإثارة، والحركة، والتشويق"!

حينما سـُئلت طفلة أميركية عمرها 12 عاماً عن رأيها في فيلم "استدعاء جماعي Total Recall" المليء بمشاهد العنف والقتل والدماء قالت: "إنه فيلم ممتع.. وأكثر ما يُمتع فيه منظر القتل، ومنظر الرؤوس التي تتطاير.. كم هو جميل أن نرى رؤوس الناس يصيبها الرصاص"!

جاء في دراسة هامة أجراها فريق من الباحثين في جامعة "ألينوي" الأمريكية؛ "أن الأطفال الذين يشاهدون مسلسلات وأفلام العنف بكثرة يكونون أكثر استعداداً لارتكاب الجرائم عندما يكبرون، قياساً الى أقرانهم الذين لا يشاهدون تلك المسلسلات والأفلام"! وهذا ينشأ من إغراق جيل الأطفال والمراهقين بأفلام ومسلسلات وألعاب الكترونية مبنية في الأساس "ترفيهياً" على إشاعة العنف والإجرام وكأنهما "ضرورة حياتية"! ووفق ذلك "يتعود المرء على هذه المشاهد التي كانت تصنف سابقاً بـ(الصادمة).. إلا أنها أصبحت اليوم عادية، وفي ذلك استخفافاً بالجريمة" كما يشير د. "عبد الله الأحمدي" أستاذ الحقوق والمختص بالقانون الجنائي. أضف الى كل ذلك، الإفراط المفزع في استخدام المشاهد الإجرامية في سلسلة الأفلام (التي أصبحت شهيرة) كفيلم "الصرخة Scream" الذي بدأ عرضه منذ 1997، فلقد صرح أحد الفنيين ضمن طاقم الفيلم، بأن كمية الدماء ـ الصناعية طبعا ـ التي تم سفكها في الجزء الأول من الفيلم بلغت الخمسين غالوناً فقط!..

ومع ذلك يتوغل أصحاب القرار في هوليود على إنتاج "ترفيههم الإجرامي" الذي يؤسس لثقافة أميركية عولمية منذ عقود طويلة، حيث يقول أحد المنتجين الهوليوديين لمجلة "تايم" بأن "كتّاب السيناريو والمخرجين الذين (يشعرون بالملل) يتخلصون من مللهم بابتداع مزيد من مشاهد القتل والدماء"! وعلى البشرية أن تدفع لاحقاً أثمان "التخلص من الملل" الذي يعاني منه هؤلاء الساديون!

وها هو مخرج هوليود الشهير "مارتن سكورسيزي" والحائز على عدة من جوائز الأوسكار يتحدث عن فيلمه العنيف "رأس الخوف Cape Fear" اذ يقول عنه: "أنه فيلم يحكي عن رجل يريد الانتقام، وهو فيلم مليء بالمتعة"! فلا ضير عنده أن يعتبر مشاهد القتل والإجرام بدافع الانتقام على انها "مليئة بالمتعة"!! وربما ينسج على هذا المنوال مخرجون آخرون لتتصاعد في أفلامهم "المتعة"عبر قطع أطراف بشرية ورؤوس بالسيف على يد امرأة "فيلم Kill Bil"، والتمثيل بالموتى "فيلم Reservoir Dogs"، أو تسليط الكلاب لتأكل زنجيّاً حيّاً ونار تشوي زميله "فيلمDjango Unchained"، أو تقشير فروة الرأس لضحية على قيد الحياة "فيلم Ingulorious Basterds"، وسلسلة فيلم "المنشار Saw"، وسلسلة أفلام مصاص الدماء، ومئات النماذج الأخرى التي تلهم الارهابيين على شاكلة الدواعش، اذ ما الضير (من وجهة نظر هؤلاء الارهابيين) أن تتمازج هذه "المتعة" مع "الواجب المقدس" في طقوس المسلخ الداعشي؟!.. حتى انه من المستغرب لماذا لا يرى الهوليوديون "المتعة" فيما يقترفه المسرح الداعشي، وفق منطق "المتعة" ذاته الذي يسوقه "سكورسيزي"؟ أليس الفرق الوحيد أن فظاعات هوليود "تحفّز" على الإجرام بأبشع صوره وابتكاراته، والإرهابيون (الدواعش أو نظراؤهم) يطبقون ذلك عملياً؟!

والأنكى أن يعتبر بعض الساديين في هوليود بأن الأمر لا يقتصر على "المتعة" فقط في جرعات الإجرام الهوليودي؛ بل و"الفائدة" أيضاَ! حيث يقول "بيتسي شاركي" الناقد السينمائي الأميركي لصحيفة "لوس أنجلس تايمز": "لا يمكن إيقاف العنف في الأفلام التي تنتجها هوليوود، مع أن أكثرها من واقع الحياة التي نعيشها، وما تقدمه تلك الأفلام تحمل المتعة والفائدة للجميع حتما"! لقد اختزل هذا الناقد أخطر مسوغات "الإجرام الترفيهي" الهوليودي في عبارته المكثفة، اذ يعتر انه "لا يمكن إيقاف العنف"، فهو يراه "حتمية" صنعتها ماكينة هوليود، أما لماذا هي "حتمية" فلا إجابة منطقية هنا سوى انها من اشتهاء إرادة التسلط الأميركية! ثم يعتبر الناقد ان صور العنف تلك "أكثرها من واقع الحياة التي نعيشها"، وكأن كل واقع حياتي حتى لو كان من عينّة الإجرام الداعشي، على المرء أن يتقبله، ويسلّم به؛ بل ويصوغ منه رسائل سينمائية "تحمل المتعة"! وبالضبط أصاب الناقد المذكور هنا كبد الحقيقة الأميركية التي تريد تسويقها للآخرين؛ العنف وليد الواقع، ولا بأس أن تضيف السينما الهوليودية طبقات كثيرة على "عنف الواقع" وتبتكر المستحدث منه، وتسوّقه ضمن نموذجها العولمي، وعلى رأي الناقد سيتم اعتبار "ما تقدمه تلك الأفلام تحمل المتعة والفائدة للجميع حتما"! ولن تطلعنا هوليود ولا قادة أميركا عن كنه "الفائدة للجميع" التي يبشرون بها (هذا اذا أخرجنا من سياق الاستغراب فائدتهم هم من كل ما يجري طبعا)! فتجلى أخيراً ذلك التصور في فهم "المتعة" من بوابة الإجرام، اذ تطورت شخصية البطل "مصاص الدماء" في النسخ الأخيرة من الأفلام التي هو بطلها، بأن أصبح "محبوباً"، وتستثير حبكة الفيلم دعوة الجمهور أن يتعاطف معه! خصوصاً وهو الذي تطارده الفاتنات اللاتي يقعن في غرامه، رغم انها شخصية دموية إجرامية! فليس مستغرباً بعد هذا أن يلقى الذبّاح الداعشي "جون البريطاني" قريباً ذات الإعجاب من الفاتنات الغربيات المغرمات (على الأقل) بقيم هوليود!

* * *

تتفاقم أخطار "الإجرام الترفيهي" لهوليود حينما يباركه أيضاً الرئيس الأميركي أوباما بطريقة ملتوية خلال زيارته الى مصانع هوليود، حيث أشاد بصناعة السينما الأميركية قائلاً: "هذا القطاع يوفر مئات آلاف فرص العمل للطبقة الوسطى، و(النشاطات الترفيهية) تُعد من أبرز صادرات الولايات المتحدة"! ولنضع خطاً سميكاً تحت عبارة الرئيس "النشاطات الترفيهية" حيث يفهمها هو في تصريح آخر من هذه الزيارة بقوله: "سلسلة أفلام مثل (حرب النجوم) كانت أداة للدبلوماسية الأمريكية حول العالم، وسلسلة أفلام (العرّاب) هي المفضلة لدي"! ولمن لم يشاهد السلسلتين، الأولى تستخدم الخيال العلمي لتوكيد غريزة الهيمنة التي لا تخفيها عقيدة السياسة الأميركية، والسلسلة الثانية هي صراع حول زعامة مافيوية بأساليب عنيفة جداً ومسلك إجرامي بدم بارد!

ولكن في أعقاب تكرار المجازر التي نفّذها مراهقون بحق زملائهم وأساتذتهم في الثانويات والجامعات الأميركية، اضطر الرئيس أوباما الى الإقرار على استحياء بحصة هوليود في تغذية هذا السلوك الإجرامي قائلاً: "أن بعض الأفلام تقع على صانعيها مسؤولية انتشار العنف"!

حسناً، إزاء الاستساغة الأميركية وعلى أعلى المستويات في اعتبار صناعة هوليود التي تنشر ثقافة العنف والجريمة على انها "نشاطاً ترفيهياً" كما جاء على لسان أوباما، وفي ظل انتشار الارهاب الأسود الذي يعصف بالسلم العالمي، أليس الأوْلى أن تُجرّم أيضاً صناعة هوليود وداعميها على انها مسؤولة بدرجة كبيرة عن إشاعة وترسيخ نزعات العنف والإجرام وغريزة الانتقام، وتهدف الى تحويل كوكبنا لميدان اقتتال تكون فيه الغلبة لإنسان الغاب وروبوتات الآلة العسكرية الجهنمية التي تحركها الأزرار والبرمجيات؟!

لقد أيقن الرئيس الفرنسي الأسبق "جاك شيراك" يوماً خطورة الموقف، مستحضراً حقيقة هامة، هي ان صادرات هوليود تهيمن على 76% من سوق الأفلام الأوروبية، وأكثر من نصف المادة المقدمة في القنوات التلفزيونية في القارة العجوز، فأطلق بدوره صرخته محذراً من سطوة الثقافة الهوليودية على المشهد الثقافي الفرنسي!

ويذكر الفيلسوف الفرنسي "جاك دريدا" تعليقاً على حادثة 11 سبتمبر: "إن أكثر ما هو مرعب في هذا الإرهاب ضد الغرب، هو أنه وليد الغرب نفسه، وبأدوات الغرب نفسه، إنه عنف الحداثة ضد الحداثة، وليس عنفاً من خارجها"!

ولا تخلو الساحة الأميركية من مثقفين يدركون حجم التهديد الذي تشكله قيم هوليود وثقافتها، ومن هؤلاء الكاتب الأميركي "مايكل ميدفيد" الذي يتهم في كتابه الهام "هوليود ضـد أمريكا" صناعة السينما الأمريكية "بتدمير قيم المجتمع الأمريكي، وإغراق الناس في بحور من العزلة وكره الآخرين، وإشاعة العنف إضافة الى تحفيز رغبات الانتقام"!

من هنا نفهم كيف يشكّل الملتحقون بداعش من أميركا والغرب نسبة لا يستهان بها، خصوصاً من فئة الشباب والمراهقين، مدفوعين بالبحث عن "الإثارة" التي زرقتها هوليود في أذهانهم وأدمغتهم على أنها "هدفاً" بحد ذاتها، وكيف تشرّب هؤلاء منذ طفولتهم من الشاشات جرعات كبيرة من العنف و"الإجرام الترفيهي"، ولا بأس أن يُطَعّمها لاحقاً الفكر التكفيري لداعش بخلطته المقدسة، فيكون الارهاب والذبح "مقدساً" هو الآخر، ويغدو "أبو بكر البغدادي" من أخطر صنّاع "هوليود الواقع" في منطقتنا الملتهبة!

٭ إعلامي مقيم في الدنمارك.

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 07-10-2015     عدد القراء :  1878       عدد التعليقات : 0