أحدوثة الصبر...ترنيمة العصور وقديسة الحضور الجليل

نار تشتعل بأطراف الرداء, وأقدام أدميت من السير على الأشواك, أطفال دُهست تحت حوافر الخيل, ونيران مستعرة في الخيام, وجحيم فراق أستعر في القلوب, وعيون تتطلع نحو أرض المعركة, وخطا حثيثة, نحو مصرع سيد شباب أهل الجنة ( عليهم السلام).

أصبح الطريق طويلا من الخيام الى الميدان, صوت أنين خافت, ولسان يلهج بذكر الخالق " "صَبراً على قضائِك يا ربِّ، لا إلهَ سِواكَ يا غياثَ المُستَغيثينَ، ما لي ربُّ سِواكَ ولا معبودٌ غيرُك، صبراً على حُكمِك، يا غِياثَ من لا غِيَاثَ له، يا دائماً لا نَفَادَ له، يا مُحييَ المَوتى، يا قائِماً على كلِ نَفسٍ بما كَسبَت، أُحكُم بَيني وبيَنهم وأنتَ خيرُ الحاكِمين".

وصلت لمصدر الصوت, فوجدت ريحانة المصطفى  يجود بنفسه, قد صنع لنفسه وسادة من التراب, بعد أن قطعت أوصاله السيوف والرماح, وأعياه نزف الدم, وصية أخيرة, بحفظ العيال, وبقية  ال محمد (عليهم الصلاة والسلام), الأمام زين العابدين (عليه السلام), لتنتهي سريعا لحظات الوداع الأخير, فترفع الجسد الطاهر بين يديها ( الهي تقبل منها هذا القربان), تلك هي أحدوثة الصبر, التي أحدثكم عنها, عقيلة الطالبيين (عليها السلام).

أمرأة بقدر أمة, حين تخاذلت الأمة عن نصرة الأمام الحسين (عليه السلام), نهضت الحوراء (عليها السلام) بأعباء تلك المسؤولية الثقيلة, فكانت لوحدها تعادل أمة, كيف لا وجدتها خديجة الكبرى, التي ساندت خاتم الرسل (عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام), عندما نهض بأعباء الرسالة, وأمها الزهراء (عليها السلام) التي ساندت أمير المؤمنين (عليه السلام), فلن تكون الحوراء بأقل من ذلك, وهي سليلة المجد ووريثة خيرة نساء العالمين.

حل الليل سريعا, وأخذت الحوراء تنفذ وصية  السبط الشهيد (عليه السلام), وبدأت مهمة تنوء بحملها الجبال, دخان المخيمات يملأ الأجواء, أخوة وأحبة تركوها وحيدة وليل  بدا موحشا, بعد أن هوت أقمار ال محمد (عليهم الصلاة والسلام) على رمضاء كربلاء.

نعم كربلاء, تلك الصحراء التي بدت وكأنها عطشى, لدم الحسين وصحبه, فشربت حتى أرتوت  من دمائهم الزكية, ظهيرة العاشر من المحرم, بينما قضوا عطشى صورة عطاء أخرى, لتلك النخبة المؤمنة, سقوا الأرض وأستشهدوا عطاشى, عطاء لأرض شحيحة, وفرات بخل عليهم بجرعة ماء  أخيرة, تسبق لقاء الرب.

زينب عليها السلام, وأي زينب؟ تلك التي شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء, فقائد معسكر العدو اللعين عمر بن سعد ينادي بالجيش," ويحكم أتدرون أي كريمة برزت من خدرها؟, هاهي تتعثر بالقتلى مع حلول المساء, تبحث عن أطفال  فروا من الخيام المشتعلة الى  أرض المعركة, ليلوذوا بجسد الأمام السبط, أو قمر العشيرة (عليهم السلام), علهم ينهضوا ليطفئوا النيران, أو ينصبوا خياما أخرى, لتلك الأجساد الصغيرة المتعبة,  والقلوب الخائفة,  أما الجوع والعطش فقد أخذا نصيبا منهم أيضا  فعائلة خاتم الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام), لم يذوقوا الماء لثلاثة أيام متتالية.

مجزرة رهيبة, وسيناريو دموي, وفاجعة اليمة تخر لها الجبال الرواسي, حلت بآل بيت النبوة (عليهم الصلاة والسلام), كان لفخر المخدرات منها نصيب الأسد, فبعد أن ذهب الأخوة والأبناء للقاء الخالق,  كان لزاما على الحوراء (عليها السلام), أن تكمل تلك المسيرة, وهذا جزء من مشهد في فاجعة الطف, ومع طلوع فجر الحادي عشر من المحرم, يبدأ فصل عذاب آخر, حين ترتفع الرؤوس فوق شاهقات القنا, ليحين موعد الرحيل الى الشام, فيبدأ فصل جديد من ملحمة الإباء, تجسده قديسة الحضور الجليل عليها السلام.

  كتب بتأريخ :  السبت 17-10-2015     عدد القراء :  2666       عدد التعليقات : 0