الجوائز الأدبية حين تتحول إلى إعلان سياسي رديء..

فضيحة جائزة نوبل للآداب....

أيهما كان أحق بها روسياً..فالنتين راسبوتين أم سفتلانا إلكسييفتش..!!

لأوضح مسبقاً ومن البداية أنني هنا لا أقلل من قيمة ما أنجزته سفتلانا إلكسييفتش من كتابات..لكنني هنا أتوقف عند مصداقية الجائزة وتبريراتها الساذجة والهشة في تبني قرارها..

الآن أي حديث عن جائزة نوبل للآداب للعام 2015 صار لغواً، لأنها حُسمت وسميت باسم سفيتلانا ألكسييفيتش..لكن بهذا الإختيار فقدت نوبل مصداقيتها الحقيقية وأثبتت أنها ماكنة دعائية سياسية وليست جائزة أدبية ..

فلا التبريرات التي قُدمت لنيل الجائزة على اعتبار ان سفتلانا ألكسييفيتش قدمت شكلا جديدا من الأدب الممزوج بين الصحافة والسرد الروائي، ولا حقيقة ما قدمت إلكسسييفتش من انجازات يمكنها من نيل الجائزة...

إن لجنة جائزة نوبل أثبتت سذاجتها في معرفة تاريخ هذا الجنس من الكتابة الممزوجة بين التقرير الصحفي والسرد الروائي.. الأقرب للريبورتاج الصحفي..فهذا الجنس من الكتابة شائع جدا في اللغة الروسية لاسيما أنه برز أثناء الحرب العالمية الثانية..بل أنه ينتمي للصحافة وللفن الوثائقي..وهو موجود في الكثير من آداب العالم ..وينتشر في اللغة الهندية والبنغالية وفي تلك المجتمعات التي لا تزال تحت سطوة الصحافة الورقية..! وأنا هنا أتحدث كمتخصص في الصحافة والإعلام..!فالقصة والرواية الصحفية جنس من الكتابة ينتمي للصحافة أكثر مما ينتمي للأدب..وهو نشأ في رحم الصحيفة الورقية..ودخل عالم الميديا السمعية البصرية أيضاً.

يمكن لسفتلانا إلكسسيفتش أن تنال أعلى جائزة عالمية في الصحافة وبجدارة..لكن أن تنال نوبل للآداب فهذا شيء أكبر مما يمكن توقعه..ويفقد جائزة نوبل مصداقيتها ويحيلها إلى جائزة بلا قيمة أدبية..!

لنتوقف عند تبريرات لجنة جائزة نوبل..( عُرفت هذه الكاتبة "الملتزمة" بقضايا المجتمع بأنها تقف "ضدّ الحرب والعنف والكذب"، وهي "الصفات التي كانت تلفّ الاتحاد السوفياتي السابق"..)..

معظم أعمال إلكسييفتش تتحدث عن الحرب العالمية الثانية وعن تشرنوبل..وعن المرحلة السوفيتية..وتلك مرحلة صارت تاريخاً.. فأين الشجاعة في التحدث عنها الآن..مثلما يمكننا أن نكتب الآن عشرات الروايات عن مرحلة صدام الدموية لكن في حينها من يكتب حرفا ، بل من يحلم في النوم بأنه ضد النظام كان يُعدم..!! ولأكن منصفا فأن إلكسييفتش كتبت ريبورتاجاتها الصحفية السردية أثناء المرحلة السوفيتية..في فترة البيرسترويكا الغارباتشوفية..وكانت شجاعة حقاً;لكنها لم تكن معارضة بالمعنى الحقيقي للمعارضة وإنما مرحلة غورباتشوف فتحت الباب لتفجير الاعتراضات والنقد ضد النظام السوفيتي ككل وضد الحزب الشيوعي..

ولأوضح هنا هذه النقطة..فحتى في تلك الفترة السوفيتية لم تكن سفتلانا إلكسييفتش محاربة ولا معتقلة ولا ممنوعة من النشر..فكتابها الصحفي (ليس للحرب وجهه أنثى) ً..فقد حول ريبورتاجها الصحفي ذاك إلى فيلم وثائقي..شاهدته بنفسي فب العام 1985 بعرض في معهد السينما حين كنت أدرس السينما آنذاك..

بينما كانت مؤلفات الكاتب الروسي السيبيري (فالنتين راسبوتين) الروائية تمنع من النشر.. أو تحاصر في إحسن الأحوال..وخلال تلك الفترة بالذات..!!

و (فالنتين راسبوتين)، الذي مات قبل أشهر قليلة من إعلان الجائزة (مات في 14 آذار العام 2015).. من كبار الروائيين الروس التي يُعد بحق وارث تقاليد الرواية الروسية والسوفيتية..وهو أكثر شجاعة منها في تناول الجوانب الروحية والأسطورية للذاكرة الروسية وأكثر عمقاً في تناول وتجسيد خراب الإنسان السوفيتي لاسيما في رواياته الشهيرة (نقود لماريا) و(وداعاً لماتيورا)..و(المستشفى)..(والحريق)..و(ناتاشا..العجوز)..

و(الهارب)..وغيرها..وكان (فالنتين راسبوتين) يُعد المعارض الأدبي الأشهر في المرحلة السسوفيتية..! فلم لم تلتفت لجنة نوبل إليه وهو يستحقها بجدارة..!

في علم السينما الوثائقية..هناك جنس من الأفلام الوثائقية يُسمى (الرواية الوثائقية)..وأعمال سفتلانا إلكييتفتش تنتمي لهذا النوع بالضبط..أي في أحس تجلياتها هي تقارير صحفية روائية..ريبورتاجات..وكما وضحت أعلاه بأنها جنس شائع في الصحافة الروسية.!

إن دوافع منح الجائزة سياسية لموقفها من ليكشينكو الرئيس البيلاروسي..الرئيس المشاكس الذي رد على وزير خارجية ألمانيا الذي نته بالدكتاتور: أنا دكتاتور لكني لست "منيوكا" إشارة إلى شذوذ الوزير الألماني الجنسي..!.. وكذلك انتقادها للتدخل الروسي في أوكراينا ودفاعها عن حكومة كييف ضد الأقاليم الروسية المنتفضة..! وإعلانها إنها ضد بوتين وضد 84 % من الشعب الروسي الذي أيد التدخل الروسي للدغاع عن الروس في غرب أوكراينا..!

إنه لمن المؤسف أن تفقد جائزة نوبل للآداب مصداقيتها وتكشف عن هشاشتها الفكرية وذائقتها الأدبية الساذجة وتتحول إلى إعلان سياسي رديء..

  كتب بتأريخ :  الأحد 18-10-2015     عدد القراء :  1213       عدد التعليقات : 0