وصايانا للرحمة.. ووصاياهم للذبح!

مرة بعد أخرى تثبت مواقف وخطابات المرجعية العليا المتمثلة بسماحة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله) بأنها تتسامى فوق الجراح، وإنها أنموذج للرُقيّ والتحضّر، وتكرّس بجلاء سماحة الاسلام وقيم التراحم التي يدعو اليها، والحضّ على إحقاق الحق في السلم والحرب، ونبذ العصبيات (بأصنافها) ونزعات الانتقام.

واستمراراً لهذه المواقف القيادية المباركة، التي تأتي في أخطر وأعقد الظروف التي أُبتليت بها الأمة الاسلامية، بواقع ان مصير الشعوب والأوطان في منطقتنا الملتهبة على المحك، حيث تواجه تهديداً وجودياً لم يسبق له مثيل. وفي الوقت الذي تشّن فيه القوات المسلحة العراقية ومعها فصائل الحشد الشعبي مدعومة بالتشكيلات الشعبية المساندة أشرس المعارك ضد إرهابيي داعش في عدة جبهات على ارض العراق، وتحرز هذه القوات انتصاراتها المتلاحقة، تواصل المرجعية العليا من موقعه القيادي مواكبتها فصول هذه المعارك والانتصارات ضد الارهاب، ولقد وجّهت نداءها على شكل وصايا لجنود الحق وأبطال ملحمة البطولة والفداء من منبر صلاة الجمعة الأخيرة (16 أكتوبر 2015)، اذ جاء فيها: "أيها المقاتلون الإبطال من القوات المسلحة والمتطوعون وأبناء العشائر، انكم في خندق الحقّ وعدوّكم في خندق الباطل، فكونوا حريصين على رعاية الحقّ والعدل في جميع خطواتكم، حافظوا على ما يقع تحت أيديكم من الأموال العامّة أو الأموال الخاصّة للمواطنين، واحموا الشيوخَ والأطفالَ والنساءَ وكلَّ بريءٍ لا دور له في المعارك، عاملوا الجميع (بالرحمة والرأفة والإنسانية)".

لن تُخطئ بصيرة أي منصف وهو يتابع هذه الوصايا الأبوية في تلقّي شحنات الارتقاء الإنساني وسمو المناقب التي تعكس عظمة الرسالة المحمدية السمحاء، وذلك بالدعوة الى الحرص "على رعاية الحقّ والعدل" في ذروة جولات الحرب ضد الارهاب التكفيري، وصولاً الى التوصية بمعاملة الجميع "بالرحمة والرأفة والإنسانية"، خصوصاً وإننا نشهد تكالباً محموماً بالضد من قيم الاسلام السامية، بزعامة معسكر الانحراف المدجّج بالمعتقدات الظلامية الشوهاء، التي أنتجت (فيما أنتجت) موجات الارهاب التكفيري الذي يتعبّد بفتاوى الذبح والصلب والتمثيل بالجثث، وتقطيع الأوصال وأكل الأكباد وحرق وإغراق ودفن الأحياء، وقذف الضحايا من شاهق، إضافة الى سبي النساء وجواز أكل الزوج لزوجته "عند الضرورة"! وربما كانت المصيبة تهون لو ظلّ هذا الشر الهمجي مدفوناً في كتب التكفير (لمئات السنين كما هو واقع) أو في رؤوس أئمة الضَلال والعصبية والتطرف (ابن تيمية مثالاً)، وأتباعهم اليوم من مشايخ التكفير و"السلفية الجهادية" الذين ابتلت البشرية بإجرامهم في راهننا المعاصر! ولكن الأنكى ان هذا الشرّ المبين قد تم تطبيقه من معسكر الانحراف بحذافيره على رؤوس العباد، ناهيك إن كان الضحية مسلماً أو غير مسلم، اذ يكفي أن يكون المستهدف مخالفاً لهم بصورة أو بأخرى، أو بدقة أكبر لا ينتمي لهم، حينها لن يتورع هؤلاء عن تفعيل أحكام "بالذبح جئناكم" بحقه جهاراً عياناً!

لم يحيد أي سلفي تكفيري قيد أنملة عن منهجه السقيم الظلامي وتعاليم مشايخه ورموزه (من المتقدمين والمتأخرين) في اقتراف الفظائع التي يندى لها جبين الإنسانية، والتي شوّهت بشدة صورة الاسلام ورقيّه الحضاري، ولا غرو في ان تلك الجرائم تتصل بإجرام طغاة ومتجبرين يقدسهم هؤلاء ويبجلوهم، من عيّنة "الحجّاج بن يوسف الثقفي" الذي كان متعطشاً للدماء، ولا فرق عنده ان كان المستهدف مناوئاً له أم لا؛ بل لم يسجل التاريخ أن طاغية مثله يبتكر أهون الأسباب لاستحلال دماء ضحاياه والبطش بهم، حيث نُقل في "سنن أبي داوود - الحديث رقم 4645" انه خطب مرة قائلا: "والله لو أمَرت الناس أن يخرجوا من باب من أبواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلّت لي دماؤهم وأموالهم"! وهو صاحب المقولة الشهيرة التي أطلقها مخاطباً "الرعية" في باكورة حكمه، والتي يرفعها التكفيريون الوهابيون هذه الأيام في "الغزوات" كشعار للذبح: "إنّي واللّه‏ لأرى أبصاراً طامحة وأعناقا متطاولة، ورؤوساً قد أينعت وحان قِطافها، وإنّي لصاحبها، كأنّي أنظر إلى الدماء تَرقرَقُ بين العمائم واللحى"!

فلمجرد "الخروج من باب آخر" وأسباب لا تقل تفاهة يستحل الحجّاج (وتبعاً له سائر مبجّليه من التكفيريين) دماء الناس وحُرماتهم، فهل هناك جرأة أكبر على النفس المحرّمة من هذا؟! ربما لا نبالغ اذا أجبنا بنعم؛ فالتكفيريون المعاصرون فاقوا حَجّاجَهم عتوّاً وإجراماً؛ بل وبيّضوا صفحته المتفحمة! ألم يقتل هؤلاء ضحاياهم لمجرد ان أسماءهم تشي بانتمائهم الى أتباع أهل البيت (عليهم السلام)؟! ألم يقدموا على التلذذ باستعراض سينمائي لذبح عمال كادحين من الأقباط المصريين في ليبيا، لا لذنب اقترفوه، سوى انهم من دين آخر؟! وتطول قائمة جرائم وفظائع هؤلاء، مثلما تطول قائمة رموزهم التاريخيين الذين تفننوا في الإجرام والطغيان، وحسبنا الاكتفاء هنا - لضيق المقام - بنموذج واحد سلف ذكره هو الحجّاج الثقفي، الذي نال عند التكفيريين مكانة "مقدسة" بعد ابن تيمية، و"ألهَم" مشايخهم بالفتاوى التي تحضّ أتباعهم بالإسراف في الذبح والبطش بالمناوئين والمعارضين (المخالفين بلغة الفتاوى)!

* * *

 إزاء انحطاط الفكر الظلامي الذي يتبناه معسكر التكفير الوهابي المسكون بعقيدة استئصال وإبادة الآخر، وإزاء كل هذا التشويه المتعمد والبائن لصورة الاسلام المحمدي الأصيل ورسالته السمحاء، يحق للمرء أن يُجلّ ويُثمّن في المقابل الوصايا النورانية للمرجعية العليا (والتي تصدّرت المقال)، حيث جاءت لتعزز الثقة برسالة التسامح والتراحم الموجهة للإنسانية جمعاء، والتي بشّر بها الاسلام الحنيف، ورسّختها تعاليم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، تتبعها جهود علماء الإسلام الذين اغترفوا من معينهم، واتصلوا بنهجهم بحبلٍ متين.

كما ان توصيات المرجعية العليا للمقاتلين في جبهات الحق والكرامة ليست وِتراً، إنما هي استمراراً لأخرى سبقتها في مناسبات متفرقة، وكانت أبرزها ما صدر قبل مدة تحت عنوان: "نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد"، والتي مثّلت بحق خارطة طريق لأولئك المقاتلين، بغية إحقاق الحق، وترسيخ قيم العدل والرحمة والإنسانية. وليس من الغلو بشيء لو قلنا ان هذه النصائح (الوصايا) رائدة في مجالها في واقعنا المعاصر، وإنها وثيقة دولية حرّي أن يُأخذ بها، حيث أحاطت بمواضيع شتّى لها أهمية قصوى في وضع الحلول لظروفنا الراهنة وظروف دولية مشابهة، ولانسجامها مع الإجماع العالمي على احترام حقوق الانسان، وصون كرامته في ظروف السلم والحرب، والتي أقرتها الشرائع السماوية، وتسالم عليها عقلاء الناس في التاريخ العاصر، كما ان هذه الوصايا تتفوق في مضامينها بوضوح حتى على جوانب في "المواثيق الدولية" القائمة، والتي يعدّها البعض "ذروة" ما يمكن تشريعه دولياً في الوقت الراهن!

ومما جاء في النصائح/ الوصايا التي نحن بصددها: "الله الله في حُرمات عامّة الناس ممن لم يقاتلوكم، لاسيّما المستضعفين من الشيوخ والولدان والنساء، حتّى إذا كانوا من ذوي المقاتلين لكم، فإنّه لا تحلّ حُرمات من قاتلوا غير ما كان معهم من أموالهم. الله الله في أموال الناس، فإنه لا يحل مال امرئ مسلم لغيره إلاّ بطيب نفسه، فمن استولى على مال غيره غصباً فإنّما حاز قطعة من قطع النيران. واحرصوا أعانكم الله على أن تعملوا بخُلُق النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم) مع الآخرين في الحرب والسلم جميعاً، حتّى تكونوا للإسلام زيناً ولقيمه مَثَلاً، فإنّ هذا الدين بُنِيَ على ضياء الفطرة وشهادة العقل ورجاحة الأخلاق".

لا غرو ان نهج وصايا المرجعية العليا في ظل احتدام الصراع بين جبهتي الحق والباطل، بين ظلامية التكفير ونورانية التسامح التي تصون حرمة الانسان كما أقرها الاسلام الحنيف، هو امتداد لنهج الرسول الأعظم (ص) والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ففي حديث عَن أَبِي حمزة الثُّمَالِيِّ عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) أنهُ قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً دَعَاهُمْ فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقُول؛ سِيرُوا بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِياً، وَلَا صَبِيّاً، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَقْطَعُوا شَجَراً إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا إِلَيْهَا".

ومن وصية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لعسكره قبل لقاء العدو بـ"صِفّين": ".. فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً وَلاَ تُصِيبُوا مُعْوِراً وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَلاَ تَهِيجُوا اَلنِّسَاءَ بِأَذًى". وأروع ما عرفته البشرية في مضمار صون دم الانسان وحرمته، وكوثيقة مُحكمَة ودستور عمل لقائد سياسي وعسكري، هو عهده (عليه السلام) لعامله على مصر مالك الأشتر (رض)، حيث يقول في جانب منها: "إيَّاكَ وَاَلدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ ولاَ أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ وَلاَ أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَاِنْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ اَلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، واَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ اَلْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ اَلدِّمَاءِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، فَلاَ تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ؛ بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَلاَ عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اَللَّهِ وَلاَ عِنْدِي فِي قَتْلِ اَلْعَمْدِ لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ اَلْبَدَنِ".

فهذا هو عهد الرسالة المحمدية السامية في نشدان الحق والعدل، ودفع الظلم ومقارعة الباطل، ولكن ليس بأي ثمن؛ إنما بضوابط دقيقة ومعايير وقيود وموازين، تأخذ في الحسبان رعاية مقاصد الشريعة، ومنها حفظ الحرمات وصون الدماء، والكفّ عن العدوان، ونبذ العصبيات ونزعات الانتقام، وبثّ روح التعايش مع الآخر، واحترام المواثيق والعهود، ونصرة المستضعفين، وتغليب الوفاق على الخلاف والشقاق، وترجيح حقن الدماء على سفكها.

فأين كل ذلك من "وصايا" التكفيريين لأتباعهم؟! تلك المتخمة بالذبح والإسراف في سفك الدماء، و"التقرب الى الله" بتفجير "المجاهد" لنفسه في المدنيين الأبرياء والمصلين، لا تفريق بين شيخ طاعن في السن أو طفل وامرأة.. وصايا تحركها تعاليم "إدارة التوحش" التي باتت دستور "الخلافة" الداعشية، التي ما قويت شوكتها لولا الدعم المفتوح من خزائن البترودولار الخليجية وحواضن التكفير، التي تقدّس دموية وعصبية فقه "ابن تيمية"، فطوّرتها وأنتجت نظرية "الذبح الشرعي الحلال" كعقوبة للضحايا!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الإثنين 19-10-2015     عدد القراء :  2965       عدد التعليقات : 0