الوهابيون "يؤمّمون" وزارة الأوقاف المصرية!

وضعت وزارة الأوقاف المصرية مؤخراً اللمسات الأخيرة على انصياعها الكامل لإرادة المؤسسة الوهابية السعودية، وذلك بإصدارها قراراً تعسفياً، طائفياً ناصبياً ومشبوهاً، نصّ على إغلاق مقام الإمام الحسين (عليه السلام) في القاهرة لمدة ثلاثة أيام (الثامن والتاسع والعاشر من محرم الحرام 1437هـ - أكتوبر 2015) بذريعة "عدم السماح لأية طائفة مذهبية بممارسة طقوسها داخل مساجدها"! ومما ورد في نصّ قرار الوزارة المشؤوم بأنه جاء: "منعًا (للأباطيل الشيعية) التي تحدث يوم عاشوراء، وما يمكن أن يحدث من طقوس شيعية لا أصل لها في الإسلام، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من مشكلات"!

ان الأوقاف المصرية تفتح النار بذلك بضراوة على معتقدات أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وتوصم هذه العقائد بأبشع وصف، خصوصاً فيما يخص إحياء الشعائر الحسينية التي تندك بهذه العقائد، والأنكى هو مساندة مؤسسة الأزهر للقرار، والتي لها نفوذها الكبير على وزارة الأوقاف، حيث لها اليد الطولى في ترشيح الوزير وطاقمه كما هو معروف، بالإضافة الى هيمنتها على قرارات هذه الوزارة، وما صمت المؤسسة المطبق والمهين إزاء هذا القرار العدواني سوى إقرار صامت والمشاركة بهذا الانتهاك الصارخ، الذي يهيل التراب على "منهج الوسطية والاعتدال" الذي لطالما تبجحت به مؤسسة الأزهر طويلاً، وها هي اليوم ترمي قناعها هذا جانباً، وتسفر عن وجهها الحقيقي!  

ان مسؤولي وزارة الأوقاف أصغر من أن يتجرأوا على معتقدات المذهب الشيعي لولا وجود ضوء أخضر من الأزهر ومشيخته. ولا يمكن لسطور حاقدة تستسهل وصم المعتقدات الشيعية بـ"الأباطيل" أن تحجب حقيقة تهافت هذه المزاعم وانعدام قيمتها، وبأنها جزء من حملات الاستهداف السياسي، لأنها -كمزاعم- لا تصمد في أن تتحول الى استهداف فكري أو عقائدي، لعقم منطلقاتها، وضحالة حججها.

كما تنسجم مواقف الأزهر العدوانية ضد الشيعة مؤخراً (وتبعاً لها الأوقاف المصرية) مع المواقف والمخططات العدوانية للحزب الوهابي، الذي ما فتئ يستهدف أتباع أهل البيت (ع) ومعتقداتهم التي تنهل من الاسلام المحمدي الأصيل. وليس خافياً على أحد شراسة الحروب التي يشنها الوهابيون التكفيريون مستهدفين (فيمن يستهدفوا) جهاراً بفتاواهم إبادة الشيعة، والفتك بهم، عبر تقديم الدعم اللامحدود، المادي والمعنوي للإرهاب التكفيري الذي يطبّق هذه الفتاوى بحذافيرها منذ عدة عقود.

قبالة ذلك، مارس عقلاء الشيعة وزعماؤهم الدينيون ضبط النفس طويلاً، وسياسة ترجيح الوفاق على الشقاق، لتعزيز معالم الوحدة الاسلامية، إزاء انتهاك الأزهر ومشايخه في السنوات الأخيرة أبسط قواعد حفظ مظاهر هذه الوحدة وتقديم  

اللُحمة على الخلاف. كما أمعن الأزهر في تطرّفه، وتحوّل تدريجياً الى تابع للحزب الوهابي وأموال البترودولار السعودي، ليعمل بأجندته، التي جرّت الويلات على هذه الأمة، وأحرقت أوطاناً وتهدد أخرى بذات المصير، تقودها عقيدة التطرف والاستئصال والإبادة بحق الآخر. وليس أتباع المذاهب السنّية بمنأى عن هذه المخططات، مثلما يتوهم البعض، ظانّاً ان تحالف الأزهر مع الحزب الوهابي يبطل مفاعيل هذه الأخطار؛ انما الدلائل تُفصح بأن الأخير يمارس تكتيكاً في التحشيد للاستفراد بالشيعة أولاً، ثم التفرغ للآخرين على حدة (بعد الانقلاب على التحالف التكتيكي والمرحلي مع الأزهر)!

لقد تجلّت ذروة انصياع الأزهر للمخططات الإجرامية الوهابية في مباركته العدوان الآثم على اليمن وشعبه الآمن، وسيبقى هذا الموقف من الأزهر يشكل لطخة عار تلازمه، ولن تُمحى بسهولة! كما جلب الموقف ذاته السخط والاستنكار والاستهجان من مئات ملايين المسلمين، على رأسهم علماء الدين ورجالات الفكر والنخب المثقفة، وأزال تلك الغشاوة الرقيقة التي كانت تضفي احتراماً و"قدسية" مبالغ فيها إزاء الأزهر ودوره في العقود الأخيرة!

والأهم ان جمهوراً من عقلاء المصريين، من مفكرين ورجال دين ومثقفين قد فطنوا للمنزلق الكارثي الذي سلكه الأزهر في السنوات الأخيرة، ومن ذلك تكييف مواقفه وقراراته لتنسجم مع سياسات التطرف والطائفية وبث الكراهية التي تتعبّد بها الوهابية، إضافة الى ابتعاد الأزهر عن كل متبنياته ومنهجه "الوسطي" الذي كان يتلفع به! مع تثبيت حقيقة هامة، وهي ان هذا الانقلاب سيجر الويلات على الواقع المصري أولاً، ومن ثم يتعداه الى الأمة الاسلامية..! ويدعو هؤلاء الى "تنظيف" الأزهر من مشايخه المزيفين، صوناً لتاريخ المؤسسة التي كان لها دوراً ريادياً يوماً ما في استنهاض الهمم ضد المستعمرين، ونشر رسالة الاسلام السمحاء، وجمع الأمة (بتنوعها المذهبي) على كلمة سواء، في حين ان المشايخ المزيفين قد آثروا أن يخدموا السلطة ومآربها على خدمة الاسلام والمسلمين، وانهم كانوا - وما زالوا - يشكّلون حضناً دافئاً لكل أفكار التطرف و"السلفية الجهادية" التي تخرّج مشايخها وكوادرها المتقدمون من تلك الحاضنة، فعاثوا في العالم الاسلامي فساداً، واكتوت ايضاً مصر وشعبها بنيران إرهابهم وتطرفهم!

* * *

ربما يتفهم المرء القرار العدواني الأخير لوزارة الأوقاف المصرية لو ان الأمر يتعلق بوجود تهديد بتفجير انتحاري في المقام الشريف (على غرار ما يقترفه التكفيريون في المساجد والحسينيات ودور العبادة) أو ما شابه! ولكن -كما هو قائم- لا يتعدى الأمر إحياءً سلمياً ومناقبياً للشعائر الاسلامية التي أمر بها الباري جلّ وعلا في قرآنه الكريم: "ذلكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" الحجّ- 32. وقد عُرفت هذه الشعائر للقاصي والداني في أصقاع الأرض بسلميتها، خصوصاً في المقام الشريف في القاهرة الذي استهدفه قرار الأوقاف المصرية الأخير، اذ لم تسجّل حادثة واحدة ضد أتباع أهل البيت (ع) الذين يرتادون المقام، لهذا يمكن بسهولة تلمّس التعسف والاستهداف والعدوان طافحاً في "بيان" الأوقاف بخصوص قرارها المشؤوم (نقلنا مقطعاً منه)، وهنا لنا أن نَجْبَه مشايخ الأوقاف ومن ورائهم الأزهر بالأسئلة المدببة التالية: أين يتوارى "حرصكم وحميتكم" على العقائد الاسلامية وانتم تباركون بِصمتكم كل الشعوذات والطقوس المنحرفة الدخيلة على عقائد المسلمين قاطبة، والمخلّة بأبسط تعاليم الاسلام، والتي تضجّ بها مصر طوال العام علانية، ولها مواسم ثابتة، من "حفلات الزار" في المساجد والمقامات والتكايا، الى طقوس "تسخير الجنّ والأرواح" التي تحجز لها مكاناً ايضاً في الفضائيات المرخصة من السلطات المصرية، والتي في مجموعها تشوّه الاسلام وعقائده؟!

أين كان حرص الأزهر والأوقاف المصرية على حرمة المسلمين الآمنين ودمائهم من أتباع أهل البيت (ع)، ومنهم الشهيد الشيخ "حسن شحاتة" وصحبه البررة (كانوا يحتفلون بميلاد الإمام المهدي "عج" في منزل أحد المؤمنين)، حينما هاجمهم أوباش المتطرفين المشحونين من تطرف مشايخ الأزهر، وارتكبوا بحق أولئك مجزرة شنيعة في وضح النهار، تقتيلاً بالفؤوس والسكاكين والقضبان الحديدية، ومن ثم التمثيل بجثثهم الطاهرة في شوارع قرية "أبو مسلّم" في يونيو 2013، كما روّعوا نساءهم وأطفالهم.. كل ذلك جرى في ظل صمت القبور الذي التزمه الأزهر ومعه الأوقاف، حيثّ عُدَّ هذا الصمت حينها مباركة ضمنية للمجزرة المروعة، وكأنها لم تحدث في ضواحي القاهرة، التي تحتضن مشيخة الأزهر؟!  

ثم ما هذا الانقلاب على الأعقاب الذي يمارسه الأزهر حينما يشنّ حربه على المذهب الشيعي، في حين حاز (المذهب) اعترافاً أزهرياً لعقود طويلة كمذهب إسلامي أصيل؛ بل ويُدرّس فقهه أيضاً؟! ألا يؤشر ذلك في مرحلتنا المضطربة والخطيرة على تنصّل فاضح عن الثوابت، وتبعية بائنة وذليلة للقرار الوهابي السعودي، الذي يتكرس كل يوم بخطوات شاذة، لا تقل خطورة وشذوذاً عن القرار الأخير بخصوص إحياء ذكرى عاشوراء الأليمة؟!

رغم اتساع الحملة الشعواء ضد أتباع أهل البيت (ع) في مصر، والتي تأتي ضمن حملة أوسع تشمل العالم الاسلامي، والتي تقودها الوهابية ومواليهم وقطعان الإرهاب، بالإضافة الى حلفائهم، ومنهم في الأزهر والأوقاف المصرية، لم يتبرع هؤلاء حتى اللحظة في إشهار دليل واحد يُجرّم أتباع أهل البيت (ع) في مصر، بمخالفة قانونية اقترفوها، أو تجاوزهم على المعتقدات، أو التخطيط لتفجير انتحاري، أو إصدارهم فتوى تكفيرية تبيح قتل المسلم واستحلال حرماته..!

رداً على قرار الأوقاف المصرية الأخير، صرّح الدكتور "أحمد راسم النفيس" وهو من ناشطي ورموز الشيعة في مصر، صرّح لقناة الـ BBC بأن قرار إغلاق مسجد الإمام الحسين (عليه السلام) قبيل إحياء عاشوراء "قرار عشوائي وغير منطقي، وليس له أي دافع، ولا يمكن أن يكون هذا القرار ردّ فعل". وأضاف بأن "موقف الحكومة المصرية من إحياء عاشوراء يتكرر كل عام، إذ يتعرض الشيعة للهجوم والسبّ، وتعلو نبرة التحذير من إقامة أية احتفالات أو شعائر". ووصف القرار المذكور بأنه: "غير عقلاني، ولا تقدم السلطات لوائح بالمسموح والممنوع، لكنها تتخذ هذه الإجراءات عشوائيا وكأنها ظل الله في الأرض". وانتقد دور الأزهر بشدة قائلاً انه: "اختار أن يتخندق لصالح فريق واحد، وتخلى عن أي دور لتوحيد المسلمين. وهذا دليل على اختراق الفكر الوهابي للأزهر، وانتشار الخطاب الداعشي. وهو أمر ليس بجديد على أية حال"!

واضح للعيان ان قرار منع إحياء ذكرى عاشوراء يهدف ايضاً الى استمرار إرعاب الشيعة في مصر، والتضييق عليهم بكل السبُل، رغم ان حبّ وتقديس آل البيت (ع) يسري في دماء معظم المصريين، الذي يواظبون على زيارة مقامات آل البيت (ع) المنتشرة في بلادهم، ناهيك أن الفاطميين (المعتنقين للمذهب الشيعي) هُم من أسسّوا صرح الأزهر قبل أكثر من 1000 عام، وأطلقوا عليه هذا الاسم تيمنناً بسيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وتركوا بصماتهم حتى اليوم في المشهد الاسلامي في مصر، ولهذا يُعتبر قرار الأوقاف الأخير بمثابة استخفافاً بمعتقدات عشرات ملايين المصرين قبل غيرهم من مئات ملايين المسلمين، ولقد أصاب مشاعر هؤلاء جميعاً في مقتل، إرضاءً لنزعات التطرف والطائفية والكراهية التي يتقاسمها مشايخ الأوقاف المصرية مع الوهابيين التكفيريين!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  السبت 24-10-2015     عدد القراء :  1696       عدد التعليقات : 0