روايــة "على فراش فــرويــد" للكاتبـة نـهــلـــة كــــرم

انتهيت من قراءة رواية "على سرير فـرويد" للكاتبة الشابة نهـلة كـرم، التي كانت قد نشرت قبل هذه الرواية مجموعة قصصية بعنوان " أن تكون معلقاً في الهواء".

قرأت الرواية ككتاب ألكتروني.. واجهني تقديم الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم بجملة واحدة كانت كافية لتمنح هذا الرواية مصداقيتها الإبداعية حيث كتب: (رواية جريئة لموهبة ناضجة لا تهاب مقارعة كافة المحظورات في سبيل الصدق). كانت هذه شهادة بليغة من كاتب أحبه وأقدره وأثق بذائقته الجمالية وصرامته النقدية.

العنوان مثير وفاضح..(على فراش فرويد)..اسم (فرويد) وحده ترتعش أمامه العقائد والأديان والمنظومات الأخلاقية غضبا وهلعاً، وتكيل له الشتائم وتقرنه بالفجور، فكيف والعنوان ليس (على سرير فرويد) فحسب، حيث يمكن تصور (سرير) المحلل النفساني وعملية البوح عبر التنويم المغانطيسي، وإنما العنوان هو (على فراش فرويد) مما يوحي بالجنس وليس بالبوح.!.. فأية جرأة في هذا العنوان..!

لكننا لا نكتشف سر هذا العنوان إلا في الفصول الأخيرة من الرواية.. حيث تعترف البطلة (نورا) بالتالي : (شعرت برغبة شديدة في الكلام، في الإعتراف بكل شيء أرغب فيه، فكرت ماذا لو تخيلت انني أتحدث إلى فرويد، أضحكني الأمر في البداية، لكني قلت لنفسي إنني لن أخسر شيئا، إذا جربت الأمر على أنه لعبة.

عدّلت المخدة فوق الفراش، في وضع يسمح لي بأن أكون نصف نائمة، كنت أعمل حينها بتعليماتك التي قرأتها في كتابك (تفسير الأحلام).. استرخيت تماما بعد أن أغلقت باب حجرتي وأطفأت النور، واستبدلت بضوئه ضوء الباجورة الخفيف، بدأت حينها اللعبة.. بدون أن أعرف أي شيء سأحكيه، لكني لم أرتب لشيء، كنتُ أحكي ما يأتي على ذهني وقتها، أحيانا كنتُ أشعر من داخلي، أن هناك شيئا ما لا أريد تذكره، كنت أستدعي حضورك حينها، واتخيل أنك تجلس أمامي، تحذرني من الإخفاء، وتصدمني بمعرفتك عن نفسي أموراً لم أكن أعرفها عنها..سميتُ هذا الطقس "على فراش فرويد"..كان الأمر جنونا لا يصدقه أحد..لكني صدقته)..الرواية ص 254-255.

إذن نحن أمام عملية تنويم مغناطيسي ذاتي..تقوم بها الكاتبة لبطلتها، علماً هي لم تنم..وإنما كانت تبوح في طريقها إلى مغارة اللاوعي.زومجمل النص السردي الروائي هو عن لسان الشخصية الروائية الرئيسة (نورا)..!

هذه اللعبة الروائية التي تقوم بها البطلة (نورا) هي في الحقيقة اللعبة الروائية الي تقوم بها الكاتبة (نهلة كرم) لبناء معمارها الروائي. فقد أدخلت علم التحليل النفسي ونصوص العبقري (سيغموند فرويد) في طيات سردها الروائي وبتناغم مع النمو السردي للأحداث، وبهذا كشفت الكاتبة عن موهبة روائية متميزة، من حيث أن الأحلام التي راودت البطلة، والتي كان(فرويد) في الرواية يقوم بتحليلها بشكل مذهل، هو في الحقيقة تحليل الكاتبة، فليس في الرواية من وجود ل( فرويد ) سوى بعض الإرشادات العميقة التي يمكنها أن تضيء الدرب لا أكثر والتي استمدتها الكاتبة من كتبه، وقد أشارت في نهاية الرواية لذلك.

الحكاية وما فيها أن (نورا) فتاة طبيعية جداً، مليئة بالعقد الإجتماعية مثلنا جميعا، وليست مريضة نفسيا كما ذهب البعض من الكتاب الذين تناولوا الرواية بالعرض والتقييم، وحالها حال ملايين الفتيات العربيات اللاتي يقبض الخوف الديني والأخلاقي والجنسي على مجمل تفاصيل حياتهن.. (نورا) هذه شاعرة وكاتبة..كتبت أشعارا فيها بوح جنسي، لكنها أرادت نشرها باسم مستعار، لكنها نفسها بلا أية تجارب عاطفية أو حميمية..، سوى ما تسمعه من صديقتها (مريم) واعترافاتها الجنسية الجريئة..(وطبعا هذه الجرأة تحسب للكاتبة (نهلة كرم) بالتأكيد)..وتعيش (نورا) أزمتها النفسية المتشابكة مع تعقيدات طبقية..وهنا أيضا لا أتفق مع البعض الذي ذهب بأن الكاتبة تتجاوز الهموم الطبقية والجنسية وتقفز فوقها..وهذا غيردقيق..!

البطلة (نورا) تعمل في مؤسسة للترويج السلعي وتجري مقابلات مع المستهلكين، لذلك تقسم الناس إلى طبقات (أ)، (ب)، (س)،(دي)،و(ي)، وهكذا..وتعلن البطلة مخاوفها الطبقية لصديقتها (مريم) من أن (زياد) الرومانسي الذي تحبه هو من طبقة أعلى، قائلة: (إننا من طبقات اجتماعية مختلفة، فهو من طبقة (أ)وانا لست بأي طبقة، وهو يسكن منطقة راقية وهادئة، حتى انني أخجل من مجرد تفكيري في مجيئه ورؤيته لمنطقتي بكل عشوائيتها وضوضائها، كما أنه حتما يسكن في منزل فيه مصعد، ولا يضطر إلى صعود خمسة أدوار لمنزلنا الذي لا يوجد فيه مصعد، وحتما منزله فخم مقارنة بمنزلنا البسيط جداً، بصالته الضيقة وأثاثه الذي لم يتغير منذ سنوات طويلة)..الرواية ص 201.

(نورا)، المتحررة في الأحلام والمحجبة اجتماعيا والتي تعيش صراعها بين شكلها الطفولي ورغباتها الإنثوية، نجدها من خلال بوحها لنفسها متمثلة وجود(فرويد) ليكشف عن عالمها الداخلي تقوم بتحليل نفسها، وتكشف عن عجزها وخوفها الذي شل كل قواها الروحية، وجعلها تعيش أزدواجية شخصية عنيفة..ولم تتخلص من ذلك إلا بدخول (زياد) الرومانسي المتحرر العاشق لجبران خليل جبران وكتابه (النبي) الذي قرأه مئات المرات، و(آلآم فيرتر) لغوته..(زياد) الذي يواجهها بعقدها قائلا لها: ( صراعنا الحقيقي ليس مع نلك القيود التي تريد تكبيلنا من الخارج، ولكنها مع القيود التي نكبل بها أنفسنا من الداخل، فأنت لم تخلعي الحجاب أية مرة كنت فيها بمفردك، لا لأنك تريدين الكذب على اهلك، ولكن لأنك تخشين تغييره بشدة، ربما تستمتعين في خيالك بالتغيير وتتمنين لو فعلتي ذلك، لكن لو توفرت لديك فرصة لتفعلي ذلك، فأنك سترفضين يشدة) الرواية ص 191. وحين يطلب منها حبيبها (زياد) التحرر من خلال الكتابة تقول (نورا) له: (أنا أكثر جبنا من كتابة مخاوفي).

يمكن القول إن رواية (على فراش فرويد) رواية اجتماعية ونفسية بامتياز..وبطلتها ليست من تلك البطلات الرومانسيات الحالمات، فأحلام (نورا) هي تصعيد وتسامي لكبتها الجنسي ومخاوفها التي شلت قدراتها الروحية في الإبداع..فهي كما قال عنها حبيبها (زياد) في توصيفه لها بتعميم : (نحن نفضح عن أحلامتا العظيمة أمام الاخرين، ولكننا تخجل عن الإفصاح عن الأحلام الصغيرة التي نرغبها بيننا وبين انفسنا فقط، رغم ان تلك الأحلام تشكل رغبات لا يمكن اغفالها)..الرواية ص 214.

أما البحث عن سيرة البطلة المشاركة في الرواية وهي (مريم) صديقتها التي أحبت رجلا يكبرها سنا، والتي تمارس معه الجنس عبر التليفون، وتعشقه، لكنه لا يريد الإقتراب منها جسديا في الواقع، فبعد زواجه من غيرها تعطي نفسها كتعويض خاسر لأول من يأخذها وبشكل عابر..لكنها تتماسك لتعيد عافية الروح من خلال الفن، وكذا (نورا) تتحرر من خلال (الكتابة)..كتابة روايتها.

بصدق وبدون مجاملة...فقد شدتني هذه الرواية وجذبتني لمواصلة القراءة بمتعة..فكثيرا ما أقرأ رويات من باب الإطلاع وأواصل القراءة احتراما لكاتبها لنعرف ماذا يخبئ لنا..!!وكثيرا من نخرج بالخيبة..لكني مع رواية (على سرير فرويد) قرأت نصا مختلفا.. ولم تكن شهادة الكبير صنع الله ليس اعتباطية..وبإختصار فقد أحببت الرواية.. واحببت بناء الحبكة الروائية الذكية..السرد المتدفق، والفهم العميق لعلم التحليل النفسي يمنح هذه الرواية وكاتبتها (نهلة كرم) مكانة متميزة في المشهد الروائي العربي...رواية مكتوبة بشغف..

وربما ملاحظتي الوحيدة هو أني لم أجد التبرير النفسي والروائي برغم توقفي عند طريقة اختفاء البطل الرومانسي (زياد) الذي كان رد فعله على موقف (نورا) من صراحته عندما تقدم لخطبتها قائلاً لأهلها بأنه عقيم، بينما أنكرت هي بأنها تعرف ذلك مما أدى إلى رفضه من قبل الأهل، فموقفه وغيابه الغامض والمفاجئ لا ينسجم مع بنيته النفسية والفكرية وتسامحه وحبه ل(نورا) على مدى تواجده في الرواية.

(على سرير فرويد)، رواية جريئة، تفضح التقاليد البالية والقهر الإجتماعي الذي تعانيه المرأة العربية، وفي الوقت نفسه تنتمي الرواية تلك الروايات المعرفية التي تتضمن معارف دقيقة في علم التحليل النفسي، وتكشف عن موهبة روائية حقيقة ستأخذ مكانها المتميز في المشهد الروائي بلا شك.

الرواية من منشورات دار الثقافة الجديدة

270 صفحة من القطع المتوسط

  كتب بتأريخ :  الأحد 08-11-2015     عدد القراء :  5390       عدد التعليقات : 0