مشهد فرنسي العام 2013

في إحدى زياراتي لباريس العام 2013 للتحضير لأماكن وأحداث متاهتي السادسة " متاهة الأرواح المنسية" التي تجري أحداثها في باريس، صادفني موقف جرى بين شباب من شمال أفريقيا يوزعون القرآن وامرأة عربية لبنانية مسيحية..كانت متميزة في أناقتها.. وهي شبيهة بشخصية " إيفا سميث" في روايتي. وكان معي صديق عزيز ممن يعيشون في باريس منذ أكثر من ثلاثة عقود ساعدني في ترجمة ما دار من حوار بالفرنسية قبل أن يتحول بالعربية..

مادار من حديث استحضرته عند كتابة روايتي " متاهة الأرواح المنسية" كموقف اعتراضي في أحداث يوم من أيامها..ذكرتني أحداث باريس به..وهو حوار سمعته بنفسي مرارا في ألمانيا..

.....................................................................................................................

حين صارت في الساحة وقفت حائرة..لا تدري إلى أين تذهب..ولماذا توجهت إلى الساحة أصلاً..؟! نظرت إلى تجمع ليس ببعيد عنها.. كان هناك ثلاثة شبان بدا واضحا من ملابسهم ذات الطبيعة الأفغانية أنهم مسلمون لك ن سحناتهم لا تشي بأنهم افغان.. كان الشبان يقفون حول طاولة صُفت عليها مجموعة من الكتب..وما أن اقتربت قليلاً حتى انتبهت إلى أن أحدهم أقبل نحوها وبيده كتاب.. صار أمامها ومده إليها قائلاً بفرنسية جيدة جداً:

- هذا القرآن باللغة الفرنسية هدية منا إليك..، عسى أن يهديك الله إلى نور الحق..

نظرت إليه بدهشة ولم تتمالك نفسها، إذ وجدت نفسها تقول له بنبرة فيها غضب مكتوم:

- أنا مسيحية..

فقال لها الشاب وعلى وجهه إبتسامة ماكرة:

- إنما الدين عند الله الإسلام..وقد جاء الإسلام ليكمل بقية الديانات الناقصة التي تعرضت للتشوية والتلاعب..كما قال نبينا الكريم محمد..صلى الله عليه وسلم..

لم تستمع إيفا سميث إلى ما قال وإنما انتبهت إلى صلاته على النبي التي قالها بالعربية لكن بلكنة شمال أفريقية، فقالت له بالعربية مباشرة:

- أنتم تحاصرون المسيحيين في البلدان العربية وتحاربون أي نشاط لهم خارج الكنيسة..وتعتبرون ذلك تبشيراً بالمسيحية ، بينما توزعون القرآن بالمجان هنا في البلدان المسيحية مستفيدين من التسامح في سياسة هذه البلدان..

فوجئ الشاب حينما تحدثت إيفا سميث معه بالعربية، فارتسمت على وجهه علامات غضب وتحد واستفزاز وقال:

- نحن هنا لننشر الإسلام في أوربا..سنجعل من أوروبا بلاد الاسلام بعد عشر سنوات..وسترين ذلك إنْ عشنا إلى ذلك الحين..ولعلمك..نحن نتزوج الفرنسيات المسيحيات..ونأتي بنسائنا العربيات المسلمات أيضاً..ننجب الكثير من الأطفال الذين سيكونون من أبناء هذا البلد..وسترين كيف ستكون الأكثرية للمسلمين في أوروبا..إنه نصر من الله..وفتح قريب..

أحست إيفا سميث بالغضب يتصاعد في أعماقها فغادرت الساحة إلى حيث تسكن..بينما ارتسمت على وجه الفتى المسلم ابتسامة نصر ساخرة وصاح خلفها:

- سنجعل نساءكم مُلك أيماننا..

التفتت إليه من بعيد غاضبة وبصقت على الأرض..فرفع ذراعه لها بحركة معروفة وكأنه يشير إلى إدخال القضيب..بينما كان القرآن في كفه الأخرى.

غضبت إيفا سميث من نفسها ومن عدم سيطرتها على مشاعرها، وفكرت مع نفسها بأنه ما كان لها أن تتكلم معه أصلاً.. وشتمت في أعماقها الأوربيين على سياستهم التي تحتضن بيوض الأفاعي المسمومة والحاقدة تلك..

فجأة رن هاتفها عن نغمتين متتاليتين تشير إلى وصول رسالتين..توقفت..أحست بدفق من المشاعر غير الواضحة..أخيرا هناك من تذكرها..!!. فتحت الرسالة الأولى فكانت من أمها تسألها: أين أنت..؟ لماذا لم تتصلي بي..؟..

استغربت من الجملة الثانية في الرسالة، فقد اتصلت بها مرتين وكان الهاتف مغلقاً..ثم واصلت فتح الرسالة الثانية فكانت من آدم زاباتو وفيها كلمة واحدة: أنتظرك..!..

أحست بفرح غامض يتجدد في أعماقها..؛ فقررت بما لا يقبل المناقشة الذهاب إلى مرآب السيارات أسفل بنايتها..وجدت المرآب مظلماً ليس كالمعهود..دخلت ماشية عبر مدخله العريض..واختفت في الظلام.

من "متاهة الأرواح المنسية"

  كتب بتأريخ :  الإثنين 16-11-2015     عدد القراء :  1249       عدد التعليقات : 0