مخطط تركي - خليجي لاستنساخ الحريق السوري في العراق

منذ التغيير في 2003، لم يكن العراق (كضحية) غائباً يوماً عن المؤامرات المعدّة للمنطقة، والتي باشرها محور الارهاب (السعودية، قطر، تركيا والأردن) بإشراف صهيوأميركي، والدلائل أكثر من أن تحصى، وكانت "نكبة الموصل" في 2014 بمثابة رفع للغطاء عمّا يحاك للعراق في الأروقة المشؤومة، ليغدو مسرح التآمر أشدّ عبثية وأكثر علنية، كما لم تغب أيضاً أدوات هذه المؤامرات في الداخل العراقي منذ اليوم الأول، تتقدمها ضباع المحاصصة، وقيادة الإقليم التي رأت في المرحلة فرصة ذهبية لتكريس المكاسب والتعجيل بتحقيق حلم الانفصال بأي ثمن، حتى لو كان رأس العراق!

ولم يكن البُعد الطائفي مستتراً في شدّه لمحور الارهاب كأبرز عامل مشترك، جمع الأهداف والمصالح ونوازع الشر، وفتح شهية هذه الأنظمة للإجهاز على العراق الجديد الذي لم يبادر؛ بل ولم تمهله الأزمات المتلاحقة، لإلحاق الأذى بالدول المتآمرة المذكورة!

لقد التقت في أغرب توقيت زمني، أي بعد التحول العراقي في 2003، إرادة الهيمنة الأميركية القائمة في تركيع المنطقة أكثر من ذي قبل، لتعزيز حصاد عولمتها الإمبريالية الممتطية صهوة "النظام العالمي الجديد" وعجرفة القطب الأوحد، والمتأبطة لبرنامج "الفوضى الخلاّقة" المهيّأ منذ 2005، والمعززة بأجندة "الشرق الأوسط الجديد"، بتعاون وتنسيق تُجذّره المصالح الاستراتيجية مع تل أبيب، التقت مع مخططات المؤسسة الوهابية السعودية في وأد التغيير في العراق بما يحمل من رياح الديموقراطية التي تخنق أنفاس هذه المؤسسة، وتثير لديها هواجس طائفية مقيتة، تحركها بشدة أساساً في نظرتها لصعود إيران في المنطقة. وهذه الهواجس هي أكثر ما حرّكت وشدّت باقي أطراف مؤامرة محور الارهاب، أي قطر وتركيا والأردن، مع استثناء تركي في المعادلة، هو ان نزعة أردوغان في تتويجه سلطاناً يرث الخلافة العثمانية المندثرة قد تفوقت على أية نزعة أخرى لدى شركاء المحور المذكور، فكانت محركاً خطيراً لحماقات ورّطت جميع أطراف اللعبة، وجعلت الحرائق والكوارث والخراب السمة الأبرز لمشهد الأحداث في المنطقة، نشهد ذلك في العراق وسوريا ولبنان، مروراً بليبيا، وليس انتهاءاً في اليمن! أما ذروة المخاطر في التقاء كل هذه الإطراف هو التواطؤ المريع في دعم الارهاب التكفيري (بمستويات وأدوار منسجمة بين الشركاء)، وما أفرزه من استفحال داعش ونظائره، لرسم خريطة صهيوأميركية جديدة للمنطقة بسكين هذا الارهاب الجامح، وتبقى باقي الأحداث المرافقة عبارة عن تفاصيل مطلوبة تكمل ما تم إعداده بعناية، وتجري فصوله بالحديد والنار!

* * *

نزع أردوغان كل أقنعته منذ بواكير "افتعال" الأزمة السورية مطلع 2011، فأنشب مخالبه في المشهد هناك وكأنه يؤدّب (أو يعيد تأثيث) ولاية عثمانية خرجت عن طاعته، وليست دولة تتمتع باستقلالها الكامل باعتراف أممي كامل الدسم منذ 1945! وتوسل (مفضوحاً في بدايات الأزمة المفتعلة) بالدوافع الإنسانية والأخلاقية و"روح الأخوة وحسن الجوار"! ثم تدرّج في تسخين حدّة التدخلات السافرة، حتى توّجها بالرسالة التي بعثها للرئيس بشار الأسد في حزيران 2011، وكأنه يملي عليه ما يجب فعله وما لا يجب، وحينما وُوجه بالصدود، رفع من عقيرته أكثر، وصرّح بأن الحكومة السورية "ترتكب فضائع"! ولم يكتف بهذا السقف من التصعيد؛ بل وفي تأجيج لافت للموقف بعد أيام اعتبر "أن ما يحدث في سوريا هو مسألة داخلية بالنسبة لتركيا"..! وكان هذا إيذاناً تركياً علنياً برفع مستوى التدخل الكارثي الى أقصاه (في ظل صمت وتواطؤ أميركي ودولي لا يحتمل التأويل)، ثم كان ما كان من الإيغال الأردوغاني في تعميق هوّة الكارثة السورية التي جعلها بفعل "أمراً داخلياً تركياً"، يخطط لها ويحشّد من قصره في أنقرة لأجلها الشارع التركي، والرأي العام الإقليمي والدولي بحماس منقطع النظير، غير مكترث بمشاهد الحرائق والمجازر واستفحال الارهاب في سوريا، وتهجير وتشريد ونزوج حوالي 20 مليون سوري، بزعم "إرساء الديموقراطية" ودعم "المعارضة المعتدلة"، تساوقاً مع الذرائع الأميركية وباقي دول محور الارهاب!

تزامن انتخاب أردوغان كرئيس وزراء لتركيا أول الأمر في مارس 2003، أي قبل شهر من حصول التغيير في العراق، ورغم ان هذا التغيير قد فتح لتركيا آفاقاً رحبة في الاستثمار بمليارات الدورات في العراق، وإغراقها السوق العراقية بالبضائع والسلع التركية، وإبرام العقود والصفقات الضخمة، بما حرّك الركود في الاقتصاد التركي، وساهم في انتعاشه، ووّفر فرص عمل للعاطلين الأتراك، كل ذلك لم يشفع عند القيادة التركية لترجيح فرص التعايش بين البلدين الجارين، فمنذ ذلك التاريخ لم يهدأ أردوغان في العبث بأوراق المشهد العراقي خلف الستار، وان اظهر خلاف ذلك في الظاهر، مدفوعاً بأجندة طائفية، التقت مع المؤسسة الوهابية السعودية في وأد التجربة الشيعية في تسلمها  لزمام الحكم في العراق (الشيعة كأكثرية سكانية)، يُضاف لذلك التوافق في تحجيم الدور الإيراني الصاعد في المنطقة، حيث قُرأ التغيير في العراق (من زاوية طائفية) بأنه تعزيز لذلك الدور، اذا ما أُضيف له حلفاء بارزين كحزب الله اللبناني والحكومة السورية، بما يشكلونه من "جبهة الممانعة"، التي ستقف عائقاً فيما أمام أوهام وأجندات "السلطان" أردوغان، وقد زاد من التعنت التركي في تمسك الأخير أكثر بهواجسه الطائفية، تصلب رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي أثناء ولايته، بالمواقف التي لا تجاري هوى الأتراك في فرض إملاءاتهم على العراق، ولهذا ناصبوا العداء الشديد لحكومة المالكي وولايته، وزادت في هذه الأثناء وتيرة التصعيد العلني ضد العملية السياسية العراقية، مثلما شهد الجميع تدخلات سافرة في الشأن العراقي (وانتهاكات كثيرة للقوانين والأعراف الدولية)، وصلت الى حدّ الدعم العلني لكتل سياسية بعينها (يغلب عليها التبنّي الطائفي السنّي)، وإيواء مدانين بتهم الارهاب من القضاء العراقي، كالهارب طارق الهاشمي، إضافة الى إيواء رموز إجرامية وإرهابية، وتقديم كافة التسهيلات اليها بصورة علنية، ووصفها بأنها "معارضة ورموز وطنية"، أسوة بالوصف الذي أُطلق على الارهابيين من داعش والنصرة ونظائرهما في سوريا من قبل أردوغان ونظامه! وحفلت المرحلة الماضية بازدراء (عملي) تركي للسيادة العراقية، وصل الى حدّ تواجد مسؤولين رفيعي المستوى على الأراضي العراقية في فترات متفاوتة دون إذن (أو تأشيرة) من حكومة بغداد، أو إخطارها على اقل تقدير، ناهيك عن التحركات العسكرية التركية والعمليات القتالية على الأراضي العراقية بذريعة مطاردة حزب العمال التركي! كل ذلك يجري بتنسيق حثيث مع حكومة الإقليم ودون موافقة بغداد..!

يطول المقام حقاً في محاولة تسليط الضوء على مجمل التورط التركي الأردوغاني في الملف العراقي الساخن، وكيف كان سادراً في دعم المجاميع الارهابية، التي تفتك بالأبرياء وتقوّض الأمن، وتقترف المجازر، ثم تلقى الدعمين المعنوي والمادي من النظام التركي على رؤوس الأشهاد، وتقام لهم المؤتمرات في تركيا، لتجمع كل رؤوس الإجرام المدعومين من السعودية وقطر والأردن، ليخططوا وينسقوا إرهابهم ضد العراق بمباركة أردوغانية لا تراعي أدنى "روح الأخوة ومبادئ حسن الجوار" التي يتبجح بها بين حين وآخر!

ثمة تزايد في وتيرة الخطوات العدائية التركية، التي تتخذ أشكالاً متعددة، منها التدخلات السافرة وانتهاك السيادة العراقية، كلما اقتربت ساعة الحسم لهزيمة الارهاب الداعشي على ارض العراق، بسواعد القوات العسكرية والأمنية وفصائل أبطال الحشد الشعبي، وهذا التزامن في التصعيد التركي، يدلّ على تأزم في المخططات التركية المشبوهة في العراق، ودعمها لداعش من وراء حجاب، التي تتهاوى قواعدها في العراق يوماً بعد آخر.

* * *

دشّن الدخول العسكري الروسي في سوريا لمحاربة الارهاب منذ نهاية سبتمبر المنصرم، مرحلة جديدة من قواعد اللعبة القائمة في الشرق الأوسط، مثلما دشّن فصلاً جديداً في وضع نهاية داعش في سوريا والعراق. وهذا كان واضحاً لدول محور الارهاب بما فيهم تركيا، التي شكلت رأس الحربة في الهستيريا التي أصابتها بعد تدخل الروس على خط القتال في سوريا، بفعل عملياتهم المؤثرة في فترة زمنية قياسية (لم تتعدّ الشهرين ونصف الشهر)، قياساً الى عمليات تحالف دولي متشكل من أكثر من 130 دولة (لم تُجرد رسميا حتى الساعة) منذ آب 2014 لم يحسم حتى فصلاً واحداً في الحرب ضد الارهاب! وكان بائناً التأزم الذي لحق بالدور التركي في إدارة الأزمة السورية، اذ لم يعد قطب الرحى كما كان يتمسك أردوغان بذلك. ويتفاقم هذا التأزم مع اشتداد الضربات الروسية ضد داعش والفصائل الارهابية كالنصرة وغيرها، بما يعزز أكثر من قوة الجيش السوري، ويزيد من تآكل فرص إسقاط الرئيس بشار الأسد، وهذا مما لا يروق بتاتاً لأردوغان ونظامه. يتزامن ذلك مع اقتراب ساعة الحسم ضد داعش ونظائره في العراق، وفقدان أردوغان لأوراق اللعبة في مصر بعد سقوط نظام مرسي و"الإخوان"، وكذلك تراجع الارهاب الداعشي وتوائمه المدعوم تركياً في ليبيا، إضافة الى العودة الى المربع الأول في العلاقة الدموية بين نظام أردوغان وحزب العمال الكردستاني "PKK"، ناهيك عن تداعيات الحماقة التركية بإسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي السورية في 24 من نوفمبر الفائت، وما تبع ذلك من فضحية مدوية (بصور الفيديو) فجرتها روسيا بوجه الحكومة التركية تفضح تورطها في تجارة النفط الذي يسرقه داعش من سوريا والعراق، وما أعقبه من توتر خطير مع روسيا، التي عاقبت تركياً اقتصادياً في خطوات أكثر من موجعة!

إضافة الى صعود أسهم إيران في التأثير بالأوراق السياسية في المنطقة بعد الاتفاق النووي مع الغرب مؤخراً، وما رافقه من تراجع مريع في أسهم ما يُطلق عليهم بـ"المعارضة السورية" المرتبطين بمخابرات أردوغان والسعودية وقطر، وذلك في المعادلة السورية المتخمة بالتطورات المتسارعة، إضافة الى الضغوط الأوروبية باتجاه التزام الأتراك بإيواء اللاجئين السوريين وضبط عملية هجرتهم باتجاه أوربا، مما يضيف أعباءً كبيرة على تركيا كلما اتجه الحل السوري بعيداً عن حسابات النظام التركي!

كل ذلك أشعر أردوغان بأنه بحاجة الى تسخين ملف خارجي، يلعب به دور "السلطان العثماني" الذي يحاول تمثيله بإخفاق حتى الساعة، وأيضاً شدّ الداخل التركي بأزمات خارجية مفتعلة، هذا إضافة الى مهمة مقاتلة حزب العمال الكردستاني في العراق، ومنع (أو عرقلة) إقامة جيب كردي وحكم ذاتي شمال سوريا بزعامة حزب الاتحاد الديمقراطي الحليف للـ"PKK" يشكل قلقاً على تركيا! والشروع في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المصالح التركية الاستخبارية في العراق، المتمثلة في إدارة الكثير من أوراق الارهاب الداعشي والفصائل الارهابية الأخرى، التي تقترب ساعة الحسم لدحرها من قِبل القوات العراقية، خصوصاً في الموصل! ولا يبتعد عن ذلك محاولات تركيا وضع العراقيل الحقيقية في طريق التدخل الروسي العسكري في العراق (على غرار قتالها في سوريا) والمساهمة في الأنشطة القتالية ضد الارهاب الداعشي ونظائره، وهو ما يقترب تكريسه كخطوة مرتقبة عراقياً، اذ لم يبق سوى التقدم بطلب رسمي عراقي يحقق ذلك! كما لا يمكن تجاهل الالتقاء التركي في هذه الظروف بالنوايا السعودية - القطرية المتنامية حديثاً بتفخيخ ملف الموصل درءاً لحسمه قريباً من قبل الحكومة العراقية بقواتها المسلحة والحشد الشعبي، وقد تُوّج ذلك بتعاون مع مسعود البارزاني الذي زار السعودية مؤخراً، واجتمع مع الملك السعودي لأكثر من ساعتين بحضور الوزراء العسكريين والأمنيين وولي العهد ورئيس الاستخبارات هناك (وكان الحضور ملفتاً في تركيبته غير المسبوقة بهذا الحشد، لخطورة المواضيع)!

لهذا يمكن قراءة دخول قوة عسكرية تركية في الثالث من كانون الأول الجاري واستقرارها في معسكر" بعشيقة" على بعد 30 كلم شمال شرق الموصل في أحدث انتهاك صارخ للسيادة العراقية، بأنه خطوة استندت الى كل العوامل (المحرّكة) التي تم إيرادها قبل قليل، وقد كشفت يومية "حرّيّت" التركية عقب التداعيات الأخيرة بأن "تركيا أنشأت قواعد في منطقة (بعشيقة) في الموصل تضم 600 جندي، وان اتفاقاً أبرم مطلع الشهر الماضي بين رئيس الإقليم مسعود البارزاني ووزير خارجية تركيا الذي زار أربيل لهذا الغرض"!

لا يُعقل بحال ان الغباء قد عصف بالقيادة التركية بحيث لم تعد تدرك حساسية تحريك أي حجر (فما بالنا بالقوات العسكرية) في محافظة الموصل، في هذه الظروف البالغة التعقيد والخطورة والحساسية، خصوصاً والعراق بقواته العسكرية والأمنية والحشد الشعبي في أقصى حالات التأهب والاستنفار لحسم ملفيّ الموصل والرمادي! لذلك ستتهافت التبريرات الساذجة المتضاربة من الأتراك حول التحرك المذكور، كتصريح رئيس الوزراء التركي بأن التحركات التي يقوم بها الجنود الأتراك في محيط الموصل هي "مهمة تدريبية"، وزعمه بأن التدخل حصل "بالتنسيق مع الحكومة العراقية"، فيما تم تكذيب ذلك من الحكومة العراقية! ويندرج ضمن التبريرات الساذجة ما ذكره وزير الدفاع التركي (أثناء مكالمة مع وزير الدفاع العراقي) بأن دخول القوة التركية إلى داخل العراق جاء لـ"تأمين المدربين الأتراك داخل معسكر (زلكان) المستخدم لتدريب قوات البيشمركة، وأن المنطقة تشهد تهديدات من قبل مجاميع داعش الإرهابية لهذا المعسكر"! سيكون بديهياً توجيه سؤال الى المسؤولين الأتراك هنا؛ لماذا لا تدربون البيشمركة وعصابات النجيفي وطارق الهاشمي على الأراضي التركية التي تبلغ مساحتها 783562 كم مربعاً (تعادل 54 مرة مساحة محافظة نينوى)، وتضمنون بذلك سلامة قواتكم من (الأعداء المفترضين)، وتخلِّصوا العراق من مسمار جحّا التركي، وأن لا تُغدوا بعد الآن ضيوفاً غير مرحّب بهم، ثقيلو الدم والعتاد؟!

يدرك أردوغان انه بخطوة التحرك العسكري الأخير بأطراف الموصل، يضرب عصافير كثيرة بحجر واحد، منها الشروع في تنفيذ المخطط التركي - السعودي - القطري بمؤازرة أميركا ومسعود البارزاني، بالتحضير لاستبدال قوات داعش في الموصل بميليشيات إجرامية؛ هي من فلول البعث والنقشبندية والمرتزقة المنتسبين للعصابات المتواطئة من قبل مع داعش، وكذلك تشمل هذه القوات الارهابيين التكفيريين العرب والأجانب ممّن انقلبوا على داعش، أو انسلخوا من باقي الفصائل السلفية، واعتبارها قوات "تحرير سنّية محلية"، لقطع الطريق أمام القوات العسكرية العراقية والحشد الشعبي العازمين على تحرير الموصل عاجلاً، لخلق واقع جديد يمكن أن يعرقل خطة التحرير المرتقبة، ويساهم في بإنقاذ فلول داعش ما أمكن ذلك..! حيث أدركت السعودية وقطر أيضاً بأن كل ساعة تمّر تقرّب هدف تحرير الرمادي والموصل من دنس داعش بسواعد القوات العسكرية العراقية والحشد الشعبي، وهذا يعني تلقّي المشروع الوهابي ضربة قاصمة في العراق، لهذا كان التنسيق متسارعاً مع الطرف التركي ورئيس الإقليم لخطوة استباقية، تمثلت بانتهاك السيادة العراقية بالقوات التركية المذكورة (حصل التدخل بعد يومين فقط من لقاء البارزاني في الرياض مع الملك السعودي)! وبالطبع يُراد لهذه القوة التركية أن تكون باكورة قوات أخرى تتبعها أكبر عدداً وعدّة، على أن يتم ترتيب حيثيات مصطنعة (يبرع الأتراك باختلاقها) لتبرير دخولها، كأن يتم الادعاء بتعرض القوات التركية المستقرة الى هجوم من داعش أو حتى من فصائل الحشد الشعبي، ليتم تغليف المزاعم بأبعاد طائفية خطيرة، أو الادعاء بأن الهجوم نفذته قوات الـ"PKK" وما دخول قوات إضافية تركية سوى للدفاع عن الجنود الأتراك!

كما يُراد من الخطوة التركية الأخيرة استباق الأمور، خشية تدخل عسكري روسي على خط مقاتلة داعش في العراق (بعد الاتفاق مع حكومة بغداد)، وأن تكون القوات التركية حاضرة (على عكس سوريا) في دعم عملائها في الموصل أو في نينوى، لسرقة مكتسبات الانتصار، وإبراز الخونة الكبار كأثيل النجيفي على انهم "أبطال التحرير"!، ويُنتظر ضمن خطط الأتراك تصعيد المواقف مع الروس بعد الادعاء (مثلاً) بأن الروس استهدفوا قصف مواقع القوات التركية المرابطة في أطراف الموصل، تمهيداً لخلق أزمة ميدانية وسياسية للتدخل الروسي، لا تتحسب كثيراً تركيا لمخاطرها، كما تعودت في اللعب بالنار من قبل! أضف الى تلك الحسابات، إطلاق يد القوات التركية في مقاتلة قوات الـ"PKK" على الأراضي العراقية، ويكونوا قد خدموا أيضاً بذلك حليفهم البارزاني الذي تضايقه كثيراً قواعد الـ"PKK" في الإقليم، اذ تبين ذلك بوضوح إبان تحرير سنجار!

لقد كشف الانتهاك العسكري التركي الأخير لسيادة العراقية، والإصرار على عدم سحب القوات كما صرّح داوود أوغلو بعد أيام من الحادثة، على عمق الصبيانية التي يدير بها أردوغان قواعد اللعبة، بعد الخطوة الخرقاء بقصف الطائرة الروسية مؤخراً، والتي ما زالت تتفاعل تداعياتها في غير صالح الأتراك! ويبدو ان أردوغان وانكشاريوه سادرون في طغيانهم، ولا مانع لديهم من استنساخ الحريق السوري في العراق، واللعب بالنار في قلب برميل البارود العراقي، اذا ما رأوا ان ذلك يلبّي أطماعهم وأحلام هيمنتهم وتطلعاتهم العدوانية السقيمة، لإحداث تغييرات ديموغرافية، أو ترجيح الحلول الطائفية المقيتة بالتناغم مع داعش والمؤسسة الوهابية، أو كسر "الهلال الشيعي" الذي روّجوا لوجوده وأرعبوا به الجمهور السنّي، والترتيب بعد تحرير الموصل لسرقة الانتصار، ثم البدء بمشروع التقسيم الجاهز على طاولة أردوغان! أو في ظنهم إحداث توازن مع "النفوذ الإيراني" المزعوم، حيث أشار الى ذلك بوضوح موقع "ترك برس" المؤسسة الإعلامية المدعومة من الخارجية التركية بأن؛ "تركيا تهدف من خلال زيادة تواجدها العسكري في العراق، إلى إيجاد حالة من التوازن مع إيران، حيث أصبح العراق مركزاً للتنسيق بين محور إيران والأسد وروسيا، ولهذا تسعى أنقرة إلى إثبات وجودها في العراق"!

أما المواقف العراقية الشديدة اللهجة شعبياً ورسمياً وعلى أعلى المستويات إزاء الانتهاك التركي الأخير، فتكشف هي الأخرى في هذه المرحلة حساسية شرفاء العراق من أي انتهاك للسيادة، وبأنهم جاهزون لأقصى درجات التصعيد اذا ما تطلب الأمر ذلك، لوضع الأمور في نصابها الطبيعي.. ولن تنطلي بعد اليوم أية مناورات مفضوحة في تمرير المؤامرات وتكريس "الأمر الواقع" تغطية لمشاريع الهيمنة.. فالعراق بعد ولادة الحشد الشعبي هو ليس كما كان قبله، والرسالة قرأها الجميع "بالعراقي الفصيح" على لسان قادة الحشد وهم يقسمون بأن أي انتهاك لسيادة العراق لن يمّر بدون أن يدفع المنتهك أثماناً غالية!

9/12/2015

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 09-12-2015     عدد القراء :  2044       عدد التعليقات : 0