غريزة القطيع

هي سلوك القطيع (herd behavior) مصطلح يطلق على سلوك الأشخاص في الجماعة عندما يقومون بالتصرف بسلوك الجماعة التي ينتمون لها دون كثير من التفكير أو التخطيط. هذا المصطلح في الأساس تم استنباطه من دراسة سلوك الحيوانات والطيور في القطيع أو السرب. ويتجلى هذا السلوك بشكل واضح في فرار الحيوانات من الحيوانات المفترسة، أو في تفسير سيرها معا لاسيما عند موارد المياه أو عند الطيور في الهجرة.

عالم الأحياء هاملتون ذكر في مقالة له: "هندسة القطيع الأناني " إن كل عضو في مجموعة ما(كما في قطيع من الحيوانات) يخدم نفسه بالدرجة الأولى حيث يقلل الخطر عن نفسه بالدخول مع الجماعة والسلوك بسلوكهم. هكذا يظهر القطيع إذن بمظهر الوحدة الواحدة وهو في حقيقة الأمر يخدم مصالح الأفراد أنفسهم ".

سلوك القطيع عند البشر يتجلى في الحياة اليومية وفي اللاوعي الجمعي والفردي للإنسان. وأبسط أشكاله يتجلى في هيمنة النزعة الاستهلاكية على الإنسان أو في التظاهرات السياسية والإجتماعية والفنية.

وقد أجرى علماء النفس الاقتصادي دراسات واسعة حول الكيفية التي يجروّن الناس فيها من إنوفهم دون اعتراض بل وبرضاهم لشراء سلعهم.. وقد نجد ذلك في مناحي الحياة المعاصرة كثيرا ، وأبسط أمثلتها في الميديا هي برامج التسلية التي يشارك الجمهور فيها او يجلسون محيطين بنجوم البرنامج..

هذه البرامج تعتمد على ايقاظ غريزة القطيع حيث يتم تأجير بعض الأفراد الذين يندسون بين الجمهور في أرجاء القاعة لينفجروا ضاحكين عند تعليقات نجوم البرنامج حتى لو قالوا شيئا سخيفا او يبادرون بالتصفيق كي يجروا بقية الجمهور غريزيا معهم.

وفي الحياة اليومية الاستهلاكية تعتمد الاعلانات التجارية على ذلك سواء كان الإعلان عن السيارات الأكثر مبيعا وانتشاراً أو المنتوجات الأكثر استخداما ورواجا أو الكتب الأكثر مبيعا أو الترويج لعطر ما أو ما شابه. وهذه الاعلانات تنجح في تحريك غريزة القطيع عند الأفراد حتى لو كانت البضاعة أو المنتوج أو الكتاب ليس بالجودة المعلن عنها.

في حياة الأفكار وفي السياسة تكون هذه الغريزة خطيرة بل ومرعبة ، لاسيما حينما توجه نحو العنف الفردي أو الجمعي ضد فئة ما أو طائفة ما أو قومية أو مجموعة اجتماعية أو فكر مخالف..وكم نبذ من مفكرين وشعراء وباحثين لأنهم خرجوا عن سلوك القطيع الجماعي الاجتماعي ، وقد قتل البعض منهم. وفي الشعر العربي القديم هناك بيت شعر قديم لطرفة بن العبد فيمعلقته الشهيرة حين يقول:

إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأُفردت إفراد البعير المعبد

غريزة القطيع وسلوكه ظاهرة إنسانية أساسا الخوف من البقاء وحيدا والتعرض للخطر لذا يفضل المرء الاحتماء بالقطيع...حتى وصل الى اللاوعي الشعبي وفي الامثال: حشر مع الناس عيد.

وقد درس علماء الاجتماع والفلاسفة وعلماء النفس سلوك الفرد وسلوك الجماعة..وحلوه جيدا ودرسوا أهم تجلياته.

في حياتنا الاجتماعية العراقية هناك أمثلة كثيرة عن غريزة القطيع.. وفي تاريخ العراق الحديث تجلى ذلك في فترة (الفرهود) التي مورست ضد اليهود.أو في سحل أعضاء من الحكومة الملكية في شوارع بغداد..أو في هتاف الجماهير وهم يرون الجثث المشنوقة لعدد من المدانين ظلما من قبل السلطات. ونجد ذلك على مدى عقود متجليا بأبهى مظاهره في هتافات الشعب العراقي الدائمة (بالروح بالدم نفيدك يا...).

وأعتقد أن المجتمع العراقي يحتاج لدراسات نفسية واجتماعية للتوغل في أعماقه. وقد وضع عالم الاجتماع الكبير د. علي الوردي اللبنات الأولى فاتحا الطريق أمام الآخرين..لكن مع الأسف لا توجد الى لمحات قليلة في هذا المجال..

  كتب بتأريخ :  الأحد 13-12-2015     عدد القراء :  5478       عدد التعليقات : 0