الإنســان ... الحــــرية ... المســـؤولية

شرح (سارتر) فلسفته في كتاب شهير له هو (الوجودية نزعة إنسانية)، وهو بالأساس كان محاضرة ألقاها في نيويورك في العام 1945. وفيه يكتب: (إن الوجود يسبق الماهية، أي في ما يتصل بالإنسان مثلاً: الإنسان يوجد أولاً، ويصادف، وينبثق في العالم، ثم يتحدد من بعد. فالإنسان في أول وجوده ليس شيئاً ولا يمكن أن نحده بحد، وعلى ذلك فليس ثم طبيعة إنسانية. بل إن الإنسان كما يتصور نفسه وكما يريد نفسه وكما يدرك نفسه بعد أن يوجد، وكما يشاء هو بعد هذه الوثبة نحو الوجود. فالإنسان صانع نفسه).

الإنسان أولاً هو مشروع ، وهو مشروع يعيش بذاته ولذاته، ولا شيء يوجد قبل هذا المشروع، بل الإنسان هو الذي يصمم مستقبله ثم يحقق من هذا التصميم ما يستطيع. فالإنسان هو ما شرع في أن يكون، لا ما أراد أن يكون. وما دام الإنسان مشروعا يعيش بذاته ولذاته فإنه بالضرورة مسؤول عما يكون عليه وعن حياته.

ولأن الإنسان حر، فهو يمتلك بالتالي زمام وجوده ومصيره. فهو مسؤول إذاً، ومسؤوليته مطلقة عن ذاته وعن الإنسانية جمعاء. يكتب (سارتر) : ( عندما نقول إن الإنسان مسؤول عن نفسه فنحن لا نعني أنه مسؤول عن وجوده الفردي فحسب بل هو بالحقيقة مسؤول عن جميع الناس وكل البشر... وهكذا تصبح مسؤوليتنا أكبر بكثير مما تستطيع أن تفترضه لأنها في الواقع تجر الإنسان لأن يتحمل الإنسانية بأجمعها).

ولأن هذه المسؤولية البالغة الهائلة هي ليست مسؤولية وجودية ذاتية فقط وإنما مسؤولية إنسانية فأنها تثير في الإنسان القلق الهائل. وهذا القلق ناتج أيضا من (الوجود الإنساني) نفسه، ولأنه يمتلك زمام وجوده، فهو حر، وفي حريته يكمن وجوده أيضا. فالحرية هي قدر الإنسان ولا فرار من الحرية، فهي مطلقة ولا حد لها.

فالإنسان هو ما يختار، وهو ملزم بـأن يختار. ولأن وجود الإنسان يسبق ماهيته، حسب سارتر، فهو ملزم بأن يكون حراً، ولأنه موجود دونما ماهية تقرر هذا الوجود، فهو حر في أن يكون ما يشاء، أي يصنع ماهيته، وهذا جوهر المسؤولية لديه.

لكن (سارتر) يؤكد من جهة أخرى بأن مثل هذه (الحرية) ليست نعمة وإنما مأساة، من حيث أن يعي بأنه حر حرية مطلقة، , أن عليه أن يختار، وأن مسؤوليته أن يشكل ويصنع ماهيته، لكن ليس هناك ماهية أو صورة مسبقة تقدم معيارا هادياً، وهنا تكمن بؤرة القلق. إنه (قلق وجودي)، فهو ليس خوفاً، أو انفعالاً وإنما حقيقة يحتمها الوجود نفسه.

وكما يوضح (سارتر) : ( ينشأ القلق عندما يرى الوعي نفسه مقطوعاً عن ماهيته بواسطة العدم، ومفصولاً عن المستقبل بواسطة حريته نفسها). وقد يحاول الإنسان الفرار من هذا القلق، بإسدال الستار عليه، ولكن دونما جدوى، فلن يمكنه إخفاء هذه الحقيقة الرهيبة الكبرى وهي إن الإنسان مسؤول مسؤولية آلية ليس عن وجوده فقط وإنما عن الإنسانية جمعاء. ومن هنا جاء تمجيد (سارتر) للفعل الإنساني، فالإنسان موقف، الإنسان فعل، والإنسان لا يوجد إلا بقدر ما يحقق نفسه، إنه ليس شيئا آخر غير مجموعة أفعاله.

وبرغم أنها تكشف عن بؤرة (القلق الوجودي) لدى الإنسان، وتكشف عن ثقل المسؤولية الهائلة الملقاة على عاتقه، إلا أنها ليست فلسفة تشاؤمية، على العكس، فهي تضع مصير الإنسان بين يديه، وتمنحه الحرية المطلقة، فليس أمام الإنسان إلا الفعل، فهو في محاضرته عن فلسفته يشير : ( الوجودية هي النظرة الوحيدة التي تعطي الإنسان الكرامة، لأنها لا تجعل منه وسيلة أو موضوعاً، بينما المادية مثلاً تعامل الإنسان على أنه موضوع، أي على أنه مجموعة من الاستجابات المعينة، لا يميزها شيء من مجموع الصفات والظواهر التي تميز المنضدة أو الكرسي أو الحجر.

وليست الذاتية التي بها الوجودية ذاتية فردية بالضرورة، لأن إدراك وجود الذات ينطوي في الوقت نفسه على إدراك وجود الغير، فالذي يكشف عن وجوده نفسه، إنما يكشف في الوقت نفسه عن وجود غيره، بل أن وجود الغير شرط لوجوده الذاتي، وإنه ليس شيئا إلا إذا اعترف له الآخرون بأنه شيء.

فالغير ضروري لوجودي، كما أنه ضروري للمعرفة التي لديّ عن نفسي. وعلى هذا فإن اكتشافي لذاتي يكشف لي في الوقت نفسه عن الغير، بوصفه حرية موضوعية في مواجهتي، ولا يفكر ولا يريد إلا من أجلي أو ضدي، وهكذا نكشف في التو عالماً نسميه ما بين الذوات، وفي هذا العالم يقرر الإنسان ماذا يكون هو وماذا يكون الآخرون).

وكذا الأمر بالنسبة إلى (الحرية)، فإن الإنسان بإرادته الحرة يكتشف أيضاً أن حريته تتوقف تماماً على (حرية) الآخرين، و(حرية) الآخرين تتوقف على (حريتي). (نعم إن الحرية بوصفها حداً وتعريفاً لماهية الإنسان، لا تتوقف على الغير، لكن بمجرد الانخراط في العمل فأنا مضطر أن أختار الحرية للغير في نفس الوقت الذي فيه أختار الحرية لنفسي، ولا أستطيع أن أتخذ من حريتي غايتي إلا إذا اتخذت من حرية الآخرين غاية أيضاً).

إذن إن الإنسان ليس إلا مشروعه الإنساني، وهو لا يوجد إلا بمقدار ما يحقق ذلك المشروع، فهو إذا عبارة عن مجموعة أعمال تكون حياته. وحينما نختار فإننا نمارس فعلاً حراً قد تترتب عليه نتائج سلبية أو إيجابية، وبالتالي فالإنسان ليس إلا مجموعة خياراته.

وهذا ما يؤكده (سارتر) بشكل أوضح حينما يكتب: ( هناك دائما اختيار. والاختيار هو التزام، شئنا أم أبينا. إن الاختيار ممكن وهو الشيء الذي لا نستطيع إلا أن نفعله. إنني أستطيع دوماً أن أختار وعندما لا أختار فإنني لا أكون في الواقع إلا قد اخترت: لقد اخترت ألّا أختار).

مقطع من كتابي (وهم الحرية)

من الوقفة الثامنة ( سارتر ..قدر الحرية.. الجحيم هم الآخرون)

  كتب بتأريخ :  الأحد 20-12-2015     عدد القراء :  7105       عدد التعليقات : 0