عن رسالة الأديان ..ورسالة الفن..والعزلة..

- إنك تتحدث وكأنك متصوف أو صاحب رسالة دينية غامضة..

نظر آدم سانتشو ماريا زاباتو ناحية إيفا سميث التي كانت تحس بأن رأسها تلفّ..ظلت واقفة قربهم وبيدها قنينة النبيذ المفتوحة وهي تستمع للحديث دون أن تجلس، فقال بحماس وتحد:

- يقال إن للفن رسالة..وللأديان رسالة..وللأحزاب رسالة..لكل نبي رسالة..الكل يتحدث عن الرسالة..لكن لا أحد انتبه بأن هناك رسالات مرعبة..هناك رسالات مليئة بالأشباح وعذاب القبر والأبالسة ولهيب الجحيم..رسالات يحاولون إقناعنا وكأنها رسالات من الله..رسالات تجسد الله مرعبا..منتقماً..حقوداً..يكره مخلوقاته..يعد لهم الجحيم..ليعذبهم..ويتلذذ بعذابهم..بينما يكافئ المتزلفين والوصوليين والتجار والمتملقين بالفردوس..

نظر آدم سميث إليه بعين غير راضية وقال بنبرة منتقدة:

- هذا كلام خطير..إنك تجدّف..!

لم تترك إيفا سميث للنقاش أن يتطور ويتوتر..فجلست وقالت بمرح وبنبرة فيها ثمالة لم ينتبه لها سوى الفتى الغندور :

- دعونا من هذا النقاش..ولنشرب نخب لقائنا هذا..

صبت النبيذ في الأقداح التي كانت قد فرغت من النبيذ..نظر إليها زوجها نظرة لامبالية، بينما لم يشأ الفتى اللاتيني أن لا يجيب على الزوج الذي انتصر عليه قبل قليل بأن أخذ كف زوجته ومسها، فقال بتحد:

- ربما أبدو لك أنني مندفع مثل شلال لا يستطيع السيطرة على اتجاهه..لكنني لا ألغي الرسالات اعتباطاً..أنا شخصيا نشأت نشأة مسيحية كاثوليكية..لكن حلمي لم يكن حلما مسيحياً بالخلاص من خطيئة لم أقترفها..

أنا ابن الأرض وهذا الوجود..ولا أعرف غيره..لا أعرف قبل ولادتي أين كنت..؟ ولا من أين جئت..؟ ولا أعرف إلى أين أذهب..؟ بل ولا أدري لماذا علي أن أناضل سنوات طويلة مستكيناً إلى فكرة أو رسالة أو حتى حلم متحملا كل ثقل الوجود..؟

أنا أعتقد أننا كبشر نخاف العزلة..نخاف العطش..نخاف الجوع..نركن دائما للزاوية التي فيها ماء وخبز وأمان وجنس..لا نغامر..لا نغامر حتى بأرواحنا وأفكارنا..

شخصيا تعبت من الأحلام..أحلامي تحولت إلى خيبات..وما الخيبات إلا أحلامٌ ميتة..

نحن نعاني من وجودنا..الإنسان الحقيقي يعاني..أما الإنسان المزيف فهو لا يعاني..مثل الأزهار..

الأزهار الحقيقية تعاني..تتألم حينما تُقطف..لذلك فهي تذبل..بينما الأزهار الإصطناعية..

الأزهار المزيفة فهي متوهجة ودائمة التفتح..

كان الجميع صامتين..خيم حزن مفاجئ عليهم..كان آدم سانتشو ماريا زاباتو يتحدث وكأنه يناجي نفسه..كانت عشيقته حواء دمشقية محرجة..كانت تنظر إليه مندهشة ما بين الحيرة والإعجاب..فكأنها تراه لأول مرة..فهذا الإنسان المتعب والضجر من العالم..والذي يتحدث بحكمة نبي ملحد..أليس هو الذي كان يمارس معها كل أشكال الابتذال والدعارة ويشتمها بأوسخ الكلمات..؟.

وفي ذلك الجو المتوتر علق آدم سميث مبتسماً ابتسامة ساخرة لكنها ليست عدوانية:

- إذن نحن مزيفون..لا نعاني..نحن أزهار اصطناعية..!

توتر الجو..أحس آدم سانتشو ماريا زاباتو بالإهانة والخجل في اللحظة نفسها. فقام عن كرسيه..وقال وهو ينظر إلى آدم سميث:

من حوارات متاهتي السادسة ( متاهة الأرواح المنسية)

  كتب بتأريخ :  السبت 26-12-2015     عدد القراء :  1138       عدد التعليقات : 0