الحشد هو من حرر الرمادي حتى لو لم يطلق رصاصة واحدة!

إذا كان الجيش العراقي هو من سلم داعش مدينتي الموصل والرمادي، فكيف نفسر تحرير الجيش للرمادي؟ وإذا كان الأمريكان هم من صنع داعش ودعمها بالباراشوتات وحتى بقصف الجيش والحشد المشتبك معها، فكيف نفسر دعم الأمريكان في عملية تحرير الرمادي؟ هل ان جيشنا "وطني" إذن، والأمريكان أصدقاء، وكل ما اشيع عنهما افتراءات ظالمة؟

مثل هذا السؤال واجه اليساريين بالذات إثر التناقض المحير واجه العالم قبل أكثر من نصف قرن حين قامت الدولة الرأسمالية الأولى، وعلى العكس من تاريخها السابق، بل وعلى العكس من مميزات ومتطلبات نظامها الرأسمالي، بدعم دول أوروبا الغربية واليابان وإعادة بناء صناعتها وازدهارها، فيما سمي بمشروع "مارشال". كذلك قادت هذه الدولة تخطيط الاقتصاد العالمي في اتجاه بعيد عن الاستغلال المتوقع لوضعها المتميز والمسيطر الذي انتجته الحرب، وهو ما سمي بـ "الكينزية" والتي وضعت الأسس لاقتصاد "دولة الرفاه الاجتماعي" التي ميزت النصف قرن التالي للحرب العالمية الثانية وتميزت برعاية اجتماعية عالية، خاصة في بعض بلدان أوروبا الغربية بما يفوق اميركا ذاتها مثل الدول الإسكندنافية وألمانيا وهولندا وبلجيكا وغيرها.

لقد كانت الأنظمة الاقتصادية في هذه البلدان اشبه ما تكون بالشيوعية في أهدافها، بل ان البعض منها كان تمكن من إعطاء رعاية للمجتمع لم تتمكن الدول الشيوعية من تقديمها! بل تم وضع الحدود للاستغلال الاقتصادي مثل تثبيت سعر الذهب بالدولار، وتحديد هروب العملة وتثبيت احتياطي الذهب للبنك الاتحادي الأمريكي بل وحتى منع الاستثمار الأمريكي من شراء الأصول الأوروبية حرصا على تأمين نموها الوطني، وترك للبلدان أن تضع حواجز كمركية كبيرة على استيراداتها من الخارج، وتم تسهيل إقامة السوق الأوروبية المشتركة، فكان الأمر كأن الرأسمالية الأمريكية تضع الحدود على نفسها وتطلقها لمنافسيها. وهكذا نمت أوروبا وتصنعت من جديد، وكذلك اليابان.

ما هو السر في ذلك؟ لقد فسر كل جانب الأمر بطريقته الخاصة، لكن دول أوروبا الشرقية التي كانت تعاني من شحة اقتصادية نسبية تحت النظام الشيوعي، كانت تنظر بعين الحسد إلى زميلاتها الرأسمالية التي تطورت وبلغ دخل الفرد فيها اضعاف ما في الدول الاشتراكية. الناس في هذه البلدان تمنوا لو انهم كانوا من المحظوظين، وأن تأتيهم الفرصة لينعموا بإنسانية الرأسمالية وحبها للديمقراطية ومستوى العيش الذي تؤمنه للناس.

وجاءت الفرصة بعد نصف قرن! تهاوى الاتحاد السوفيتي وانهار الجدار الذي يمنع الناس في النصف الإشتراكي من أوروبا من التمتع بنعم الرأسمالية الأمريكية. وكان من أولى الاشتراكيات التي سقطت، بولونيا، حيث أسقط النقابي ليخ فاليسا حكومته وهرع إلى الغرب يسأل عن "مشروع مارشال" لبلده، لكنه لخيبة أمله لم يحصل إلا على القليل! وأنهار الاتحاد السوفيتي وسقطت روسيا بيد صديق اميركا المفضل، السكير يلتسين فكان عرساً كبيراً شارك فيه حتى صدام حسين في العراق!

أسرع يلتسين يدعو الاقتصاديين الرأسماليين ليعيدوا هيكلة بلاده على أسس الرأسمالية الرائعة وليحصل منهم على "مارشاله"، فلم يحصل على أي شيء إطلاقاً! لقد تركوا البنية التحتية الصناعية تنهار وتباع بسعر التراب وتنتهي بلا أي اهتمام، رغم كل الوعود المفرطة السابقة على السقوط. ولا شك ان شعور الروس في تلك اللحظة كان كشعور العراقيين في انتفاضة 91، عندما صدقوا وعود بوش الأب ودعوته لهم للثورة على صدام حسين ثم تركهم لمصيرهم!

أين الخطأ الذي ارتكبه العراقيين بتصديق بوش والروس والبولونيون بأخذ مثال "مارشال" لتوقع ما سوف يأتيهم من أميركا؟ الخطأ أنهم أهملوا في حساباتهم العامل الرئيسي الذي دفع ببوش لدعوة العراقيين للثورة، والذي دفع أميركا لمشروع مارشال ولم ينتبهوا إلى أن هذا العامل قد انتهى في حالاتهم، وانتهت معه فرص الدعم. فبوش حينما دعا العراقيين للثورة كان هناك صدام، ومارشال حين قدم مساعداته كان هناك اتحاد سوفيتي، وشيوعية منتشرة في أوروبا بعد الحرب، بشكل أرعب اميركا وجعلها "تخرج عن طورها" وطبيعتها الرأسمالية العدوانية وتقدم المساعدة وتتبنى الحدود الكينزية للرأسمالية. لقد كان ضغط تهديد الشيوعية هو ما أنتج مارشال، ولكن عندما أسقط يلتسين السوفييت وأعلن منع الحزب الشيوعي، لم يعد هناك ما يدفع الرأسمالية لتضغط على نفسها وتتصرف على عكس طبيعتها، فلم يجد يلتسين ولا فاليسا، مارشالاً يساعدهم في تنفيذ وعودهم لشعبهم.

هكذا انتهت حيرة الشعوب الأوروبية بشكل دفعوا ثمنه، ولنعد الآن إلى حيرتنا في تحرير الجيش للأنبار التي كان قد تركها لداعش مثلما ترك الموصل. ولتفسير دعم الأمريكان للجيش في تحرير الرمادي على العكس من طبيعة موقفهم الذي عبروا عنه بعدم ضربهم داعش قبل ذلك وتركها تتمدد وتحتل الموصل والرمادي وتنتقل بكل امان بين المدن والدول في ارتال مكشوفة؟

لو تأملنا الفرق بين الحالتين لوجدنا أن الجيش وأميركا التي اسسته ووضعت قياداته كما تشاء، بضمنها القائد العام للقوات المسلحة، تصرفا في تحرير الرمادي بضغط على طبيعتهما واهدافهما بسبب عامل وجود الحشد، مثلما تصرفت الرأسمالية بعكس طبيعتها حين قدمت مارشال، بسبب عامل وجود الخطر الشيوعي!

لقد أدرك الأمريكان أن أوروبا ذاهبة إلى نظام اجتماعي لا محالة، بسبب انتشار الشيوعية. لقد حاولت في البداية التملص من ذلك فأسست السي آي أي،

- History of the CIA — Central Intelligence Agency - https://www.cia.gov/kids-page/6-12th-grade/operation-history/history-of-the-cia.html

With the threat of the powerful communist Soviet Union and the Cold War looming, President Truman soon recognized the need for a centralized intelligence system, even in peacetime. By disbanding the OSS, Truman had eliminated any central source of intelligence, and the president and other national leaders wanted an agency that would be independent of any of the policymaking branches of government.

Truman listened to advice from Donovan and Admiral William D. Leahy, who helped hammer out details of the new agency. Accommodating the views of the military services, the State Department, and the FBI, Truman established the Central Intelligence Group (CIG) in January 1946.

The CIG was formed to fulfill two missions: to provide strategic warning and to conduct important clandestine activities. Unlike the OSS, the CIG had access to all-source intelligence. The CIG also functioned under the direction of a National Intelligence Authority, composed of a presidential representative and the secretaries of State, War, and the Navy.

Rear Admiral Sidney W. Souers, USNR (United States Navy Reserve), who was the first Deputy Chief of Naval Intelligence, was appointed the first Director of Central Intelligence.

Twenty months later, the National Intelligence Authority and the CIG were disbanded. Under the provisions of the National Security Act of 1947, the National Security Council (NSC) and the Central Intelligence Agency (CIA) were created. The Act charged the CIA with coordinating the nation’s intelligence activities and correlating, evaluating, and disseminating intelligence that affects national security. The Agency also was tasked to perform other duties and functions related to intelligence that the NSC might direct.

وعصابات كلاديو، وحلف الناتو لكنها أدركت، وبعد سنتين من انتهاء الحرب، ان لا مفر من التخلي عن طبيعتها مؤقتاً والرضوخ لرغبة الشعوب الأوروبية بنظام اجتماعي، ففضت أن تعطيها ذلك النظام على أن يكون تحت إشرافها تستطيع تغييره مستقبلا، بدلا من ان يكون نظاما اجتماعيا ثابتا وحقيقياً لا سلطة لها عليه. فقدمت النظام الرأسمالي الاجتماعي و "دولة الرفاه" بشكل النظام الكينزي الذي حقق ما حقق لاحقا.

وهاهي اميركا ترى أن الحشد مزيح لعصابات دواعشها لا محالة، ففضلت أن تزيلها بنفسها لتستطيع السيطرة على وضع ما بعد الحرب، بدلا من ان تزاح داعش ويترك للأنبار حرية اختياراتها. فإضافة إلى احتفاظها بسلطتها على من سيأتي بعد داعش في الأنبار، فقد استطاعت تهريب عصاباتها وربما تم اخفاؤهم بين الناس لتعطيهم السلطة في الرمادي لاحقاً، لتنفذ بهم ما تريد من مشاريع. وقد حدث نفس الأمر في تكريت ببعض الفروق، حيث تركت للحشد ان يدخل بنفسه، ولكن بعد سحب عصاباتها من المدينة. وهنا تمكنت بفضل عميلها الذي نصبته على رأس السلطة، من منع الحشد من المبادرة لتحرير الأنبار، وأكد وزير الدفاع أيضاً أن الأمريكان قد اتفقوا مع عميلهم على منع الحشد من المشاركة في تحرير الموصل، لتتكرر نفس التمثيلية، ولتسلم المدينة لعملائها. ولو لم تكن هذه تمثيليات أمريكية لما كان القائد العام للقوات المسلحة يأخذ وزير دفاعه المغرق بعقود الفساد، ويذهبا إلى الصين عشية انطلاق عملية التحرير!

لم يتجرأ العبادي هذه المرة أن يظهر كثيرا في الإعلام كبطل لتحرير الرمادي لكيلا يصبح مسخرة أكثر مما كان في تكريت، ولا تحدث كثيرا عن الامتنان للقوات الأمريكية خشية تأكيد صورة العميل المفضوح لها، لكن الأمريكان حاولوا اقناع شعبهم بأن دورهم كان اساسياً وأنه "يرفع التهمة" عن ضعف استراتيجيتهم في "محاربة" داعش!(1)

وقد بدأت بالفعل تصريحاتهم الضاغطة السابقة عن ضرورة عمل الحكومة على "استقرار المدينة" ومشاركة الجميع، والمقصود بذلك دائما هو وضع عملاء اميركا على رأس القيادات السياسية والأمنية والعسكرية في المنطقة!(2)

رغم كل شيء فأن تحرير الرمادي من عصابات داعش الأمريكية وعودة سكانها إليها وكذلك تكريت وربما الموصل قريبا، هي انتصارات كبيرة حتى إن لم تكن كاملة. ولا يجب أن نضيع بين التصرفات التي تبدو متناقضة شكلياً فتضيع البوصلة علينا بين العدو والصديق، فما زالت الحقائق كما هي، وهذه الانتصارات قد تحققت بإجبار أميركا على موقف ضد أجندتها الإسرائيلية في العراق، ولو مؤقتاً، وليس برغبتها، تماما كما فعلت بعد الحرب العالمية الثانية. والفضل في هذا الإجبار في الحالتين لم يكن لأميركا وعملائها بل على العكس كان لعدوهم! ومثلما كان الفضل في مشروع مارشال الأمريكي للشيوعيين ففي العراق كان الفضل في التحرير للحشد!

وهكذا يمكننا أن نقول بكل أمانة وثقة أن من حرر الأنبار، من الناحية العملية، هم ابطال الحشد حتى لو لم يطلقوا رصاصة واحدة، وأن من سلمها لداعش هم الأمريكان وعملائهم من كبار ضباط الجيش، وأن من سلم الموصل هم الأمريكان وعملائهم من ضباط الجيش، ومن سيحرر الموصل هو الحشد، حتى لو منع مرة ثانية من المشاركة الفعلية في المعركة!

(1) - Gains in Iraqi city vindicate US-led strategy, at high cost

http://www.hastingstribune.com/gains-in-iraqi-city-vindicate-us-led-strategy-at-high/article_1435e070-8c43-5e7c-82ae-060cef67b55e.html

(2) - US hails ouster of ISIS from Ramadi by Iraqi forces

http://indianexpress.com/article/world/world-news/us-hails-ouster-of-isis-from-ramadi-by-iraqi-forces/

  كتب بتأريخ :  الأحد 03-01-2016     عدد القراء :  984       عدد التعليقات : 0