أدويسـا الفـضـاء 2001..حيـنما الآلـة تـشعر وتحـس

1. فـجـر البـشرية:

يبدأ المشهد الأول من على سطح القمر. في الأفق البعيد تسبح الأرض في الفضاء حيث تصعد الشمس مشرقة مرسلة أشعتها الأولى. إنه الفجر، فجر البشرية، ثم بانتقالة واحدة نجد أنفسنا على سطح الأرض. براري جرداء. إنها الطبيعة المتوحشة. صحاري.. مجموعة من القرود تقضم الأعشاب المتواجدة. الكواسر جاثمة، ثمة قط بري يقفز على قرد ما. مجموعة من القرود تحاول طرد مجموعة أخرى عن عين الماء. جميع الحيوانات تقرفص في المغارة ليلاً..ثمة فهد أسود متقد العينين يقف في العتمة الدامسة عند جثة حمار وحشي.

في الصباح الباكر يستيقظ أحد القرود، ثم يبدأ بإيقاظ البقية حينما يسمع طنينا قويا..وأزيزاً غامضاَ.. وإذا هم أمام عمود من الغرانيت طوله ثلاثة أمتار وعرضه متران. عمود أملس وصقيل. أحد القرود يقترب من العمود ويلمسه فتقوم بقية القرود بلمسه أيضاً. أحد القرود يلعب بعظم لحيوان ميت. يكتشف أنه يمكنه أن يستخدمه كسلاح، كأداة للضرب، حينما يهجم على قائد فريق آخر من القرود الذين يحتلون عين الماء فيقتله، ثم يسحل جثته مع رفاقه من القرود، ثم يرقص فرحاً ويقذف من شدة البهجة بالعظم – السلاح إلى الفضاء...العظم يصعد..سابحاً في الفضاء..فجأة..يختفي العظم ..وعلى أنغام موسيقى (الدانوب الأزرق) لشتراوس برى مركبة فضائية في العام 2001.

2. عصر المركبات الفضائية:

المركبة الفضائية (أوريون) تحلق في الفضاء وعلى متنها (الدكتور فلويد) متجهة نحو المحطة الفضائية رقم (5). وتبدو في الفضاء ثمة عجلة هائلة الحجم في حركة محورية..إنها محطة الانتقال من أجل الاتجاه نحو القمر.. وهناك يقوم الدكتور فلويد بالاتصال التلفزيوني مع ابنته حيث يهنئها بعيد ميلادها، ثم يلتقي بفريق من العلماء السوفيت. أحد هؤلاء العلماء يود معرفة إذا ما كان صحيحا بأن وباء انتشر في محطة الفضاء القمرية (كلافيوس). الدكتور فلويد يوضح له بأنه لا يعرف شيئا عن الموضوع، لذا يحلق على مركبة الفضاء (آريس) ليصل إلى محطة الفضاء القمرية (كلافيوس) حيث يجري هناك اجتماعا للعاملين فيها. ومن هناك يحلق الدكتور فلويد مع مجموعة من العلماء لمحطة أخرى هي (براتاتيخو) حيث يتم هناك اكتشاف عمود الغرانيت الذي دفن منذ اربعة ملايين سنة. الدكتور فلويد يقترب من العمود الغرانيتي ويلمسه بحذر كما لمسته القرود. ثم يقرر العلماء أخذ صورة تذكارية لهم بالقرب من العمود، وما أن يضغط على زر الكاميرا حتى يحصل ما يشبه الانفجار ويسقط جميع العلماء أرضا ويختفي الدكتور فلويد.

3. محطـة زحـــل:

بعد ثمانية عشر شهراً، وفي محطة الفضاء (ديسكوفري) نرى الدكتور (بومان) والدكتور (بوله) وثلاثة علماء تم تنويمهم قبل الإقلاع باتجاه زحل. كل العمليات التقنية داخل المركبة الفضائية تقاد من قبل (هال) وهو كمبيوتر ناطق من سلسلة (9000). وهو كمبيوتر ناطق يتحدث العلماء معه ويلعبون الشطرنج فيغلبهم جميعاً. ثم يشاهد العالمان مقابلة تلفزيونية أجرتها معهم محطة (B.B.C). كما يتلقى الدكتور (بوله) تهنئة من والديه بمناسبة عيد ميلاده من خلال رسالة تلفزيونية تلتقطها المحطة. وحينما يشير عليهم الكمبيوتر (هال) بوجود خلل في جهاز الاستقبال الخارجي، يخرج الكتور (بومان) إلى الفضاء الخارجي على ظهر زورق فضائي ليصلح الخلل الذي أشار إليه الكمبيوتر (هال). وبعدها يتفحص الملاحان (بوله) و(بومان) المحطة فيخبرهما الكمبيوتر التوأم للكمبيوتر (هال) والموجود على ظهر المحطة أيضاً بأنه لم يكن هناك من عطل في جهاز الاستقبال الخارجي، وانهم عبثاً غيروه..!!. يفاجا الملاحان..فيقومان بإغلاق مفاتيح السمع للكمبيوتر (هال) كي لا يسمع نقاشاتهمات، ويقرران إعادة جهاز الارسال إلى وضعه السابق، لكن الكمبيوتر (هال) يقرأ حركة شفتيهما..! وحينما يذهب (بوله) بزورقه الفضائي إلى خارج المركبة لإنجاز المهمة يقذف به الكمبيوتر (هال) إلى الفضاء. يقرر الدكتور (بومان) إنقاذ صديقه فيخرج إليه ليمسك به وليرجعه إلى المحطة، لكن الكمبيوتر (هال) يتمرد عليه ويغلق جميع أبواب المحطة، فيضطر (بومان) لترك جثة صديقه تسبح في الفضاء الكوني، والسعي للدخول إلى المحطة، وفعلا يبذل جهده من أجل الدخول من باب الطوارئ.

وهكذا يقرر (بومان) القضاء على الكمبيوتر (هال)، فيقوم بتفكيك جميع مفاتيحه، برغم توسلات الكمبيوتر (هال) واعتذاراته وخوفه من الموت..!. لكن فجأة وعلى شاشة تلفزيون المحطة الفضائية تظهر صورة الدكتور (فلويد) الذي اختفى عند لحظة الضغط على زر الكاميرا أمام العمود الغرانيتي في القسم الثاني من الفيلم. وهنا يؤكد (فلويد) بأن العمود الغرانيتي هو دليل على وجود حياة عاقلة في الكون الرحيب..من حيث أن إشعاعات العمود الغرانيتي وموجاته تتجه نحو كوكب زحل، وكل ما عدى ذلك ليس إلا لغزاً يستعصي على الحل..! لذا يقرر (بومان) متابعة العمود الغرانيتي في الفضاء.

4. زحــل وما بعــده هـي اللانهايــة:

ملاح الفضاء (بومان) يتتبع العمود الغرانيتي السابح في الفضاء الكوني. رحلته تمر بممرات شعاعية وبحار من الألوان..منظر مدهش وغريب على عالم السينما..الألوان تشتعل في حدقتيه..سهول وشعاب ومحيطات لونية..فجأة يتوقف زورقه الفضائي في منطقة سكون مطلق..وإذا به يجد نفسه في غرفة تسطع بلون أبيض مائل للخضرة. غرفة مؤثثة على طراز عصر لويس الرابع عشر بفرنسا. كما يجد نفسه وسط الغرفة بملابس ملاحي الفضاء.

ينظر في المرآة فيجد نفسه قد هرم..ثم يكتشف نفسه كرجل في حدود الستين يجلس على كرسي متنقل أمام طاولة متحركة..يأكل ويشرب ويرمي بكأس ما..نظرة الرجل الهرم تتجه نحو سرير فارغ..لكنه فجأة يجد نفسه وقد تجاوز التسعين، ويرقد على السرير وينظر إلى العمود الغرانيتي الذي ينتصب في وسط الغرفة فيمد إليه يده. وفجأة..يبدو في الغرفة ثمة كيس كبير أشبه بكيس الرحم وفي داخله جنين له ملامح (بومان)..يكبر هذا الكيس حتى يصير مثل كوكب يسبح في الفضاء بمواجهة كوكب الأرض.

هذه هي الخطوط العامة لفيلم (أوديسا الفضاء) الذي يقف شامخاً إلى جانب أعظم الأفلام في تاريخ السينما..بل إن أهمية هذا الفيلم تكمن في أنه يضع حداً لمرحلة معينة في تطور السينما ويفتح الآفاق لمراحل لاحقة، سواء من الناحية التقنية أو الجمالية أو من ناحية الموضوع.

لقد كانت القصة الأصلية التي كتبها (آرثر كلارك) العام 1948 في حدود العشر صفحات، لكنها وبعد تناول كوبريك لها وتحويلها وتطويرها مع المؤلف صارت رواية كبيرة بيع منها ملايين النسخ عن طبعها، أما فيلم (أوديسا الفضاء) فقد كُتبت عنه مئات الدراسات.

كوبريك وفيلم (أوديسا الفضاء):

في هذا الفيلم تخلى ستانلي كوبريك لأول مرة عن دور (الراوي) الذي نجده في أفلامه السابقة. لقد أراد أن يكون فيلمه هذا تجربة سمعية وبصرية يتفاعل معها المشاهد لتتغلغل في أعماق وعيه كالموسيقى.

في إحدى مقابلاته قال كوبريك : " بعد خمسين ألف عام سيكون للعقول الألكترونية الدور الأول على كوكبنا، حيث ستقوم بكل الوظائف والعمليات التي يقوم بها الإنسان، بل يمكن القول إن العقول الألكترونية ستعيش أفضل من البشر لأنها تعتمد على التجربة الجماعية وليست على التجربة الشخصية..".

المتأمل في أفلام ستانلي كوبريك ينتبه إلى اهتمامه بالآلات وتقنيتها إلى حد كبير. وفي فيلم (أوديسا الفضاء..2001) يذهب بعيداً جداً في معالجة موضوع (الإنسان والآلة).، حيث أن الآلة لا تفكر فحسب، وإنما تشعر أيضاً، بل إنها أكثر معاناة من الإنسان..!. فالكمبيوتر الناطق (هال) يشعر ويعاني أكثر من أي بطل في الفيلم. فنحن نرى الدكتور (فلويد) يهنئ ابنته بعيد ميلادها بنبرة خالية من أي دفء أو حنان أبوي..كما أنه يحاول أن يتصل بزوجته ليحدثها، لكنها لم تكن موجودة، فلم يبد عليه أي شعور خاص لعدم وجودها.. وكذا حينما يستلم (بوله) في المحطة (ديسكوفري) رسالة تهنئة مسجلة بالفيديو من والديه، فإنه لا يبدي أية مشاعر خاصة، وحتى علاقته بزميله (بومان) هي علاقة آلية وباردة..والموقف الوحيد الذي نرى الإنسان يبدي فيه مشاعر إنسانسة هو حينما يغلق الكمبيوتر الناطق (هال) أبواب المركبة الفضائية بوجه (بومان) بعد محاولته إنقاذ زميله الذي أسقطه (هال) في الفضاء الكوني.. وحتى هذه المشاعر كانت هي مشاعر خوف من خطر خارجي، وليست مشاعر ناتجة عن معاناة داخلية.

إن الوحيد الذي كان يعاني هو الكمبيوتر الناطق (هال)..إنه لا يثق بالإنسان.. ومن هنا فإن ستانلي كوبريك دخل بالسينما إلى آفاق جديدة..آفاق فلسفية ذات أبعاد ميتافيزيقية..آفاق تقع على مشارف الشعر والصوفية.

الصراع ما بين (الوعي البشري) وبين (وعي الآلة) :

إن المشكلة التي يطرحها كوبريك في فيلمه ليست علاقة الإنسان بالآلة أو سيطرة الإنسان على الآلة أو فقدانه القدرة على مواصلة السيطرة، وإنما هي الصراع ما بين (الوعي البشري) وبين (وعي الآلة)..! فالسؤال الذي يطرحه هو: ماذا لو قررت (الآلة الواعية) أن تقتل وتدمر بقرار منها هي وليس بتوجيه من الإنسان..؟؟. وهذا ما ركز عليه كوبريك في القسم الثالث من الفيلم..لكن هناك أيضاً أفكاراً أخرى يطرحها كوبريك ويؤكد عليها، مثل الفكرة القائلة بأن في النهاية نجد البداية..حيث نرى عودة (بومان) إلى الأرض على هيئة (كوكب طفل).

والحقيقة أن النقاد قد احتاروا في فهم هذه الخاتمة المفتوحة للفيلم إلى أن أوضح كوبريك ذلك في إحدى مقابلاته حيث قال: " إن فكرة النهاية في الفيلم هي أن الملاح الفضائي ينبعث من جديد وبشكل هائل وجليل..إنه ملاك..إنه إنسان خارق..إنه يعود إلى الأرض مثلما يعود الأبطال في المثيولوجيا..والفكرة هنا تكاد تكون أساس كل المثيولوجيات ، وهي دخول البطل إلى أماكن مسحورة ويمر بمخاطر وأهوال ، ويعاني شتى صنوف المتاعب ويخوض المغامرات..وفي النهاية يخرج منها لكنه قد أصبح إنسانا آخر..إنني أعتقد أن فيلم (أوديسا الفضاء) هو فيلم مثيولوجي أكثر مما هو فيلم مغامرات علمية".

غرائب كوبريك في فيلم (أوديسا الفضاء) :

الغريب الذي لاحظه النقاد في هذا الفيلم هو علاقة كوبريك بالرقم (4) أربعة..فالفيلم أخذ فترة تحضيرات امتدت لأربع سنوات، وتم تقسيم بنائه القصصي السينمائي إلى أربع وحدات تتحدث عن فترة زمنية تمتد لحوالي أربع ملايين سنة، كما أن أبطال الفيلم هم أربعة : القرود، العلماء، الكمبيوتر الناطق (هال)، وملاح الفضاء (بومان)..وهؤلاء لهم علاقة بأربعة عناصر للتطور هي : الإنسان، المركبة الفضائية، الجواهر الكونية الغامضة مثل العمود الغرانيتي، واخيراً الكون الفسيح، كما أن الموسيقى في الفيلم مأخوذة من مؤلفات أربعة موسيقيين.

إن فيلم (أوديسا الفضاء) هو تجربة روحية قريبة من الموسيقى والرسم..إنه تصور تجريدي معقد بعيد عن هذه الثقة التقليدية بالكلمة..إنه تجربة بصرية بعيدة عن المصطلحات الثقافية النمطية، تجربة تسعى لمخاطبة اللاوعي بوسائل ذات جوهر شاعري وفلسفي..إنه تجربة ذاتية.

إن أهمية هذا الفيلم لا تكمن في موضوعه ومضمونه فحسب، وإنما في تقنيته أيضاً حيث أن مشهد دخول (بومان) إلى مدار زحل يُعد خطوة هائلة في مسار تطور اللون جماليا وتقنياً في تاريخ السينما..إنه مشهد يفيض شعرا وجمالا.. ويدعو للتفكير في طريقة انجازه... وهو من الناحية الحرفية يؤكد على عبقرية ستانلي كوبريك السينمائية.

وأخيراً..لقد تحدث النقاد كثيراً عن خرافية ولا علمية أحداث الفيلم، بينما أراد كوبريك أن يتحدث عن شاعرية العلم، عن رعشة الانبهار عند اكتشاف الآفاق المجهولة..مثلما أراد أن يكون رائداً في طرح السؤال المستقبلي عن صراع الوعي البشري مع وعي الآلة..و عن معاناة الآلة!!.

فصل من كتابي (سحر السينما)

الطبعة الأولى 2003 الشارقة

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-01-2016     عدد القراء :  1190       عدد التعليقات : 0