ثمن الـحــرية.... آدم طريـد الـفردوس

الشواهد والبحوث في (تاريخ النزول) تؤكد بأن أول إشارة لقصة (آدم) وردت في صورة (ص) دون الإشارة إلى اسمه، لكن سرد نص القصة يتكرر في سور لاحقة بذكر الاسم (آدم)، بدءً من سورة (الأعراف) حيث يرد ذكر اسم (آدم) لأول مرة في القرآن الكريم، ثم في سورة (طه)، و(الإسراء) و(الحجر) و(الكهف) و(البقرة).

عند تفكيك النص القرآني نجد ثمة (جبرية) تحكم موقف الملائكة، بالرغم من أن الرب الخالق يمنحهم (حرية التعبير والفكر) كما جاء في القرآن الكريم:(وإذ قالَ ربُك للملائكـة ِ إنـي جـاعـلٌ في الأرض خليفــة ً قالـوا أتجعـل فيهـا مَن يُفسدُ فيهـا ويَسفكُ الدمــاءَ ونحــنُ نُسبحُ بحمـدكَ ونُقـدسُ لكَ قالَ إنـي أعـلمُ ما لا تعــلمـون (30) وعـلمَ آدمَ الأسـماءَ كُلهـا ثمَ عـرَضَـُهم عـلى المـلائكــة ِ فقـالَ أنبئوني بأسـماء هـؤلاء إن كنتـم صـادقين (31) قـالـوا سُبحـانكَ لا عـِلمَ لنا إلا ما عَلمتنــا إنـك أنتَ العليـمُ الحكيـم (32) قالَ يا آدم أنبِهُم بأسمائهـِم فلمـا أنبـأهُم بأسمائهـِم قالَ ألمْ اقــُل لـكم إنـي أعلمُ غيب َ السمواتِ والأرض وأعلـمُ ما تبـدونَ وما كنتم تكتمُـون (33) وإذ قُلنـا للمـلائكـــةِ اسـجدوا لآدمَ فسـجدوا إلا إبليسَ أبـى وأستكبرَ وكان من الكـافــرين (34).(سـورة البقـرة).

فالملائكة تناقش هنا خالقها وباريها وربها في خلقه، لكنهم رغم ذلك أطاعوه وسجدوا لآدم. بيد أن (العصيان) و(التمرد) أو بتعبير آخر (حرية الإرادة والاختيار) مارسهما (آدم) و(إبليس)، فقد قرر (آدم وزوجه) إلى الاقتراب من الشجرة المحرمة رغم تحذيرات ربهما وخالقهما بعدم الاقتراب منها. وبغض النظر عن مسألة (غواية إبليس) لهما فأنهما كانا (أحرارا) في (الاختيار)، إذ قررا ب( إرادتهما) أن يقتربا من الشجرة، وان الله الخالق لم يتدخل في قرارهما الذاتي بالاقتراب من الشجرة المحرمة، وإلا لو كان هذا مقدرا لهما لما كانت ثمة (خطيئة) أصلا.

وهذا ينسحب على (إبليس) أيضا، فقد كان (حرا) في معصيته بعدم السجود لآدم، بل إن الخالق يترك له حرية الدفاع عن نفسه، حيث جاء في النص القرآني – (سورة ص): ( قالَ يا إبليسُ ما منَعكَ أن تَسجُدَ لِما خَلَقتُ بيديَّ استكبرتَ أم كُنتَ من العالين (75) قال أنا خيرٌ منهُ خلقتني من نارٍ وخلقتهُ من طين (76) قال فاخرُجْ منها فإنكَ رجيم (77) وإن عليكَ لعنَتي إلى يومِ الدين(78) قال ربِ فأنظرِني إلى يومِ يُبعثون (79) قالَ فإنكَ مِنَ المنُظرين (80) إلى يوم الوقتِ المعلوم (81)).

وقد تكرر النص في سور قرآنية أخرى، ولو باختلاف طفيف في التعبير، ففي (سورة الحجر) نقرأ: (وإذ قالَ رَبُّكَ للملائكـةِ إني خالقٌ بشراً من صلصالٍ من حمـأٍ مسنون (28) فإذا سَويّتُهُ ونَفخَتُ فيهِ من رُوحي فقعُوا لهُ ساجدين (29) فسَجدَ الملائكــةُ كُلُهُم أجمعون (30) إلا إبليسَ أبى أن يكونَ مع الساجدين (31) قالَ يا إبليسُ مالكَ ألا تكونَ مع الساجدين (32) قالَ لمْ أكُن لأسجُدَ لبشر خلقتَهُ من صلصالٍ من حمأٍ مسنون (33) قالَ فاخرُج منها فإنكَ رجيم (34) وإنَّ عليكَ اللعنةَ إلى يومِ الدين (35) قالَ ريِ فأنِظرني إلى يوم يُبعثون (36) قال فإنكَ من المُنظَرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38).

السؤال الذي تثيره هذه القصة القرآنية العميقة الدلالة هو : هل أن (حرية) آدم و(حرية) إبليس في الجنة خاضعة لقوانين الضرورة والسببية؟ هل يدخلان ضمن سؤال (القضاء والقدر)؟

هل كان مقدرا لآدم وزوجه أن يتخذا هذا الموقف، وكذا إبليس وبهذا يكونا خارج (المعصية)؟

وإذا ما كان الأمر هكذا فهل كان مقدرا أن يهبطا إلى الأرض ليعيشا الشقاء البشري ويدفعا ثمن هذه المعصية؟.

إن الأسئلة التي تثيرها هذه القصة تعود بنا إلى الأسئلة التي أثارها الإنسان المفكر (طريد الفردوس) في ما بعد، أي بعد أن تناسل (آدم وحواء) وتكاثر البشر ليشكلوا شعوبا وقبائل. أي سؤال (الحرية) في المنفى الأرضي، وهذا ما سنتوقف عنده لاحقاً .

مقطع من كتابي (وهم الحرية)

  كتب بتأريخ :  الأحد 10-01-2016     عدد القراء :  1762       عدد التعليقات : 0