على العرب العراقيين ان يستعدوا لحرب تحرير طويلة الأمد مع كردستان

الفرق الوحيد بين جدار الفصل العنصري الإسرائيلي والخندق الكردستاني الذي يحدد حدودهما هو أن الأول يتجه في بنائه نحو الأعلى والثاني نحو الأسفل. وعدا ذلك فالهدف واحد: تثبيت غنائم الأرض من الجانب المقابل وفرض حدود جديدة بالقوة من الجانب القوي على الجانب المستلب الضعيف بدعم من القوة العظمى.

تناقلت المواقع خبر حفر كردستان لخندق حدودي يحتفظ لها بأراض احتلها من المحافظات المجاورة لها. وفي بلد يحكمه العبادي وامثاله ليس هناك أية طريقة لمعرفة مدى حقيقة الأمر من كذبه. نشر مع الخبر تفاصيل كثيرة وصور كثيرة، لكن المصادر كانت "مجهولة" وهذا يثير الريبة في الخبر. فيمكن أن تكون كل القصة كاذبة وإلا لماذا المصدر المجهول؟ ويمكن أن تكون الصور كلها لمد أنبوب نفط مثلاً. فهو أمر غريب على أية حال أن يتم ترسيم الحدود بخندق عرضه متران ونصف يمكن عبوره بكل سهولة بغض النظر عن عمقه..

كذلك فأن العنوان الذي اختارته "الغد برس" وهي مشبوهة كغيرها، يثير الريبة أيضا، حيث يؤكد: " بالصور: اقليم كردستان على وشك إنجاز نفق بطول 400 كيلومتراً يمثل حدود دولته الجديدة". فكيف يمكن لخبر "بالصور" أن يكون لمصدر مجهول؟ لماذا يسمح هؤلاء بنشر الصور ولا يسمحون بنشر الخبر بشكل علني، ليكون ضروريا أن ينسب لمجهول؟ ومن أي شيء يخاف هذا "المجهول" من كشف نفسه؟ (1)

ورغم ذلك فالخبر، إن كان كاذبا فهو في تقديرنا ليس سوى عملية جس نبض لتقدير رد فعل قبل القيام بعملية حقيقية من ذات النوع! عملية اكتشاف رد الفعل العربي على تثبيت احتلال أرضه، فإن كان شديداً كشفوا أنه خبر كاذب و "بوشو" الغضب.. وأجلوا مشروعهم الحقيقي لبضع الوقت. وإن كان رد الفعل ضعيفاً، أعطوا الضوء الأخضر للمباشرة بالمشروع الحقيقي.

وعلى أية حال فإن احتلال أراضي والاستيلاء عليها وتثبيتها كغنائم حرب، سواء بحفر خندق أو بدونه، ليس خطوة غريبة نشاز عن العلاقة الكردية العربية في العراق، فقد كانت منذ البداية علاقة ابتزاز من جانب واستسلام مثير للاشمئزاز من الجانب الآخر. لكن تلك العلاقة المريضة لم تكن تدار بالدرجة الرئيسية من أجل الكسب، أو على الأقل ليس من اجل الكسب وحده من الجانب الكردي. لقد كان ايضاً تثبيتا لإسفين الحرب بين البلدين المستقبليين، تماما كما ثبت الإنكليز، ليس الانقسام الهندي إلى هند وباكستان فقط وإنما أيضاً الحرب بين الهند وباكستان، قبل ان يتركوا البلد الذي كان تحت احتلالهم.

لقد كان أوضح العلامات الفاصلة في تلك المسيرة هي نسبة الـ 17% التي كانت الإسفين الأول، والتي دفعني اكتشافها وتصويت البرلمان العراقي لصالحها إلى اعتبارها جريمة، وإلى ان اكتب: "لا تدعوا جريمة البرلمان العراقي العنصرية تغور في ذاكرة العرب عن الكرد"(2)

لكن الكرد كانوا سعداء بتلك "الجريمة" المربحة وكان العرب أضعف من ان يقفوا بوجهها، وهكذا غار السكين الكردي الأول في قلب العرب، وغار الإسفين الأمريكي الأول في قلب العلاقة العربية الكردية الجديدة، مؤشرا: أن صفحة نظيفة وعلاقة إنسانية سليمة لن تبدأ!

من الواضح ان التماهي مع ابتزازات كردستان المتتالية والمتزايدة كان أهم شروط الحصول على كرسي الحكم والبقاء فيه، لذلك فقد كانت الإستعداد الشخصي للانحناء للضغط وتحمل الإذلال أهم المواصفات المطلوبة لرئيس حكومة بغداد. فرض هذا الشرط بعيد تماما عن قدرة الكرد بطريقة "بيضة القبان" كما يريد البعض ان يقنعنا. فالتنازلات الهائلة التي قدمها المالكي نزولا عند ضغوط كرسي الحكم لا يفسرها الصراع الانتخابي، بل الضغط الأمريكي المباشر (اعتبرت المالكي أول المنحنين للضغط باعتبار أن أياد علاوي من مستوى آخر من العملاء، لا يحتاج إلى الضغط). وكان هذا الابتزاز في تزايد مستمر وبلا هوادة، وكلما أمعن رئيس الحكومة العربي في القبول بالتراجع كان ذلك حافزا على بدء مرحلة ابتزاز وإذلال أكثر عمقا. وهكذا باع المالكي الكثير من ثروة العراق واراضيه مقابل أن يبقى جالساً على كرسيه.. وتصور أن ما قدمه يكفي ليبقى أبد الدهر عليه، وأنهم لن يجدوا أكثر خضوعا منه في تقديم العراق لهم، لكنه كان واهماً!

وجدوه، فكان العبادي الذي لم يكن مستعدا لشراء الكرسي بتقديم كل شروط كردستان بلا مناقشة (ومنها وضع شخص مثل عادل عبد المهدي على وزارة النفط وأحد أكبر الحاقدين على العراق في تاريخه على وزارة المالية)، وانما أيضا القبول بكل شروط الأجندة الإسرائيلية التي تنفذها اميركا بمشروع الحرس الوطني المقسم للعراق.

لقد احتلت كردستان أراض من كل المحافظات المجاورة لها، مع صمت تام للمالكي وللعبادي، وصمت أكثر قبحا من ممثلي المحافظات "السنية" التي تم قضمها بلا رحمة وتهجير أهلها، بينما كان السفلة مثل سفلة العلمانيتين الذين تجمعوا في التيار المدني الديمقراطي يفاخرون بحسن علاقتهم مع هذا الاحتلال الصريح، والذي كان يكفيه أن يدفع لهم الرواتب ليسكتوا.. كان هذا هو ثمنهم.

الجريمة التي ارتكبتها هؤلاء كلهم، هي انهم تجاهلوا واجبهم في وقف هذا الابتزاز عند حد معين ليكون هناك فرصة لتجاوزه مستقبلا فلا يغور اسفينا بين الشعبين. لكنهم صمتوا وتركوا السكين تغور، وهم يستلمون الرواتب والله يعلم ماذا أيضاً. وفي هذه الأثناء كانت أميركا وإسرائيل من خلال كردستان تتقدم وتزحف وتهجر.. ومن خلال داعش، تحتل وتذبح وتمزق البلاد ومن خلال حكومات المأبونين تحطم البلد وتفرض سرقة البنك المركزي بحرية وتهبط بأسعار النفط إلى الهاوية وتوقع قيود البنك الدولي وتضيقها لتأمن اسر مستقبل البلاد وأجيالها القادمة وليس الحاضرة فقط.

إن مصدر ثقتي بأن الحرب قادمة، هو أن كردستان قد كلفت كما يبدو باستمرار القضم حتى تشتعل الحرب. فمادام الاستسلام مستمراً فالقضم مستمر.. إلى ان يصرخ العرب من الألم ولا يعود لهم ان يتراجعوا.

إضافة إلى ذلك، فانه من الصعب أن يتمكن الكرد من إقناع العرب بأن تلك الحدود هي حدودهم الحقيقية. وإحدى المشاكل في ذلك هي أن تلك الحدود قد تم تحديدها بشكل كبير من خلال الدستور والدستور المؤقت قبله أثناء "مجلس الحكم" كما بين طارق حرب في حديث له عن الموضوع. (3)

فقال انه عند كتابة قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية (الدستور الانتقالي) اتفقت الاطراف الثلاثة وهم القادة الكرد والجانب الامريكي والجانب الذي يمثل الامم المتحدة في كتابة هذا الدستور الانتقالي على تضمين هذا الدستور الحدود الجغرافية لحكومة اقليم كردستان وأشار إلى أن القادة الكرد في مجلس الحكم الذي تم تشكيله في 13 تموز 2003 وهم مسعود البرزاني وجلال طالباني وصلاح الدين بهاء الدين ومحمود عثمان ودارا نور الدين لم يعترضوا على ذلك. وأنه تم الاتفاق على الصيغة الواردة في المادة (53) من الدستور الانتقالي والتي نصت على ان (يعترف بحكومة اقليم كردستان بصفتها الحكومة الرسمية للأراضي التي كانت تدار من قبل الحكومة المذكورة في 19/3/2003 اي الاتفاق على ان تكون الحدود الجغرافية للإقليم هي حدود الاقليم قبل شن الحرب لإسقاط نظام صدام وهذه الحدود مؤشرة بدقة والى حد السنتمتر في الخرائط الموجودة لدى دول التحالف التي اقامت الحرب ولدى جهات اخرى كثيرة.

وأشار إلى ان الكرد، وعلى عكس جهات أخرى، لم يتحفظوا على أية نقطة من الدستور المؤقت بضمنها المادة (53)، التي حددت الحدود الجغرافية لحدود كردستان والتي لا تبعد واقعا سوى بضعة كيلومترات عن مدينة اربيل وأكثر من ذلك عن مدينة السليمانية اذ تبدأ حدود الاقليم غربا من ناحية (خه بات) اي قبل الوصول الى الحدود الادارية لمحافظة نينوى وتكون هذه الحدود شمال كركوك بأكثر من سبعين كيلومترا وشمال خانقين وجلولاء بما يساوي هذه المسافة.

وأكمل: "اما الخندق الحالي فقد خطط له ان تكون كركوك والاراضي جنوب كركوك وخانقين وجلولاء الاراضي جنوبهما وجزء كبير من اراضي محافظة نينوى من اراضي اقليم كردستان."

وقال ان الدستور الدائم الذي اقر عام 2005 أكد هذه الحدود ولم يلغها. أما المادة 140 فقد اوجبت ثلاث مراحل هي التطبيع والاحصاء والاستفتاء ولحد الان لم تكتمل المرحلة الاولى الخاصة بالتطبيع.

وهكذا، إن كانت الحدود الرسمية واضحة، فالاستيلاء والاحتلال والقضم واضح بنفس الدرجة. وسوف يصعب على المحتل ادعاء امتلاكه لها، كما سيصعب حتى على الجهات المرتشية أو التي تريد تجنب الحرب أن تقنع نفسها او الآخرين بذلك. وبالتالي، ومع حقيقة عدم وجود أي أثر لاعتراض داخل كردستان على استمرار هذا الاستيلاء لوقفه، فإنه سيستمر وأن الخطة الإسرائيلية الأمريكية مستمرة حتى الحرب. فطالما بقي من يحكم بغداد، يحكمها بأمر كردستان وأميركا، فلن يحرك ساكنا وبالتالي سيتأخر الاحتجاج وستتأخر تلك الحرب، وكلما تأخرت واستمر نهب الأرض، كلما كانت أقسى وأعنف واطول.

(1) بالصور: اقليم كردستان على وشك إنجاز نفق بطول 400 كيلومتراً يمثل حدود دولته الجديدة -

http://alghadpress.com/ar/news/44471/

(2) - صائب خليل - لا تدعوا جريمة البرلمان العراقي العنصرية تغور في ذاكرة العرب عن الكرد

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/18prl.htm

(3) - طارق حرب: حدود كردستان حددها القادة الكرد بالاتفاق مع امريكا والامم المتحدة ووردت في القانون الانتقالي

- http://www.non14.net/67927/

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 13-01-2016     عدد القراء :  2246       عدد التعليقات : 0