"جحيم" الحشد أو هزيمة داعش.. ثنائية يسوّقها الغرب!

لم يغب الحشد الشعبي يوماً عن مركز دائرة الاستهداف التي اتسعت منذ الساعة الأولى لتأسيسه المبارك، تلبية لفتوى "الجهاد الكفائي" الإنقاذية للمرجعية العليا عقب انتكاسة الموصل في العاشر من يونيو/حزيران 2014، وجمع هذا الاستهداف كل المناوئين للحشد من الطائفيين المحليين كدواعش المحاصصة، الى الطائفيين الإقليميين (حكومات وأصحاب قرار) مع حواضن الوهابيين، إضافة الى الدوائر الغربية، التي راهنت على تغيير شكلي وهشّ بعد 2003، منضبط كلياً مع المصالح والأجندات الصهيوأميركية أولاً، والغربية ثانياً، وبالطبع تغلف ذلك الرهان بمزاعم وشعارات دعم العملية السياسية الديموقراطية الوليدة في "العراق الجديد"، ولكن ما استقر على ارض الواقع طيلة الـ 12 عاماً المنصرمة، دحض وبشدة تلك المزاعم، ونزع الأقنعة الواحدة تلو الأخرى في مفاصل كثيرة أفرزتها تلك الأعوام الملتهبة!

كما لم يكن عسيراً قراءة هذا التكالب المحموم ضد الحشد الشعبي باعتباره كيان مقاوم شكّل رقماً صعباً في معادلة وقف الانهيار الكامل في العراق، حيث أُريد لهذا الانهيار أي يكون سريعاً بأدوات على رأسها داعش وداعميه المحليين والإقليميين والدوليين، أما السبب الكامن وراء ذلك، فهو لما يمثله الحشد من خلاصة الإرادة الحقيقية لنبض الشارع العراقي، ومشروع المقاومة التضحوي الذي تتطلع لدوره الفاعل القاعدة الشعبية العريضة، المهدّدة وجودياً حسب دعوات الإبادة وأيديولوجية الاستئصال التي يجاهر بها مشروع "إدارة التوحش" الوهابي الداعشي ضد الشيعة أولاً؛ وكل المناوئين له باختلاف أطيافهم ثانياً!

لقد جاء هذا التكالب أيضاً مدجّجاً بكل الهواجس من أن يكون للمرجعية العليا دورها القيادي وكلمتها الفصل في المواقف المصيرية والمنعطفات الخطيرة التي تمر بها الأمة، والتي تحتاج قطعاً الى قيادة تصوغ القرارات بحسم واضح غير خاضع لبورصة الأروقة السياسية، أو لعبة التوازنات والمحاصصات التي أفسدت كل شيء، وسلًمت البلاد والعباد الى أتون الكوارث، أبرزها تدنيس الإرهاب الداعشي لمناطق واسعة من العراق، واستفحال سرطان الفساد الإداري والسياسي بما يصب في خدمة الإرهاب جملة وتفصيلا.

لقد اجتاز الاستعداء الإقليمي والدولي ضد الحشد الشعبي ودوره القتالي في معادلة محاربة الإرهاب كل الخطوط الحمراء، بواقع ان هذا الاستعداء المحموم والمنظّم يصدر - غالباً - من حكومات لطالما ادّعت انها "شريكة حقيقية" في الحرب ضد الإرهاب، وتنضوي في "التحالف الدولي"، ولكنها عملياً لم تشذ عن الخطاب الداعشي ذاته، ولا عن متبنيات الخطاب الطائفي العدواني للحواضن الوهابية، بما تناصب من عداء جهاراً للحشد الشعبي والمرجعية العليا بدوافع طائفية مقيتة ومآرب أخرى! وهذا ما عزّز كثيراً الاعتقاد بأن ما دار في العراق منذ نكسة الموصل لم يكن وليد الساعة ولا بالجهد الداعشي لوحده دون التنسيق مع بعض الدوائر الإقليمية والدولية، والذي تبلور بوضوح منذ التدخل المدمر السافر في الأحداث السورية، وخير دليل على هذا الدور العدائي الرسمي الإقليمي، ما أقدمت عليه الإمارات العربية قبل عام ضد عدد من الفصائل المقاومة المنخرطة ضمن الحشد الشعبي، وذلك بإدراجها ضمن "لائحة التنظيمات الإرهابية"، جرى ذلك في أجواء انسجام وتنسيق كاملين مع الجانب الأميركي، وفي ظل موقف مخجل من الحكومة العراقية اكتفى بـ"الأسف" إزاء هذا العدوان الإماراتي والتدخل السافر في الشأن العراقي الذي صاحبه الضوء الأخضر الأميركي!

٭ ٭ ٭

أصبح معلوماً ان حلقات استهداف الحشد الشعبي ومحاولات تسقيطه بشتى الوسائل، الإعلامية أو بأساليب الحرب النفسية، وإثارة التهم والتلفيقات بشأنه بأدوات محلية تارة، أو في المحافل والدوائر الإقليمية والدولية تارة أخرى، انما تمهّد مجتمعة للتشكيك بدوره المحوري في مهمة دحر الإرهاب الداعشي على أرض العراق، وتصديع سمعته في الوجدان الشعبي ككيان تضحوي مقاوم لا يهدف الى تعزيز "مواقع سياسية" أو تحقيق مكاسب فئوية بأي شكل من الأشكال؛ إنما جاء لتلبية نداء الوطن حين استغاث، وسارع للامتثال لفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية العليا في أدّق الظروف خطورة، حينما كان التهديد وجودياً البلاد والعباد! كما تهدف حلقات الاستهداف تلك الى بناء أسوار بين الحشد والجماهير المساندة له، خصوصاً في المناطق الملتهبة، بغية الفتّ في عضده، واتهامه بأنه يحمل أجندة طائفية لا تمت للواجب الوطني بصلة، وجعله قوة "غير مرغوب فيها" في جهود الفصول الأخيرة من عمليات التحرر من ربقة الإرهاب الداعشي، حتى لا يسجّل له أي دور ريادي في تلك الجهود بما يعزز من مكانته في المشهد العراقي، والتي ترعب بصورة أو بأخرى كل الساعين والداعمين (محليين وإقليميين ودوليين) لإبقاء الأوضاع على ما هي في العراق المنكوب بالإرهاب والمتآمرين من"الأشقاء" وسواهم، بما يخدم مشاريعهم التي باشروها في العراق والمنطقة..! ولهذا تغدو كل حملات التشويه المنظمة والمقصودة ضد الحشد الشعبي مباحة؛ بل ومطلوبة لتلبية خطوات تلك المشاريع المدمرة وفق منطلقات القائمين عليها!

الأخطر هو دخول دوائر غربية مرتبطة بالمشروع الصهيوأميركي على خط استهداف الحشد الشعبي مؤخراً بصورة ملفتة وغير مسبوقة، وذلك تزامناً مع تحقق الانتصارات الكبيرة ضد داعش في مناطق عديدة من العراق، كمحافظتي صلاح الدين والأنبار، وعزم القوات المسلحة والحشد الشعبي مع القوات الأمنية والأخرى الشعبية المساندة، للتمهيد للمعركة الكبرى الفاصلة في الموصل. وتحمل حالياً أوراق هذا الاستهداف ضد الحشد رياحاً مسمومة تثير الغبار حول استراتيجيته في مقارعة الإرهاب، أو تصويره زوراً بأنه "دولة داخل دولة"، وبالتالي إرعاب ضحايا هذه التلفيقات والمرجفين ومن في قلوبهم مرض، ومعهم أولئك المنومون بالخطاب الطائفي، لجعلهم خير من يروّج لـ"مخاطر" الحشد على حاضر ومستقبل العراق، وقد سلف تبيان ان هذه المزاعم المروجة هدفها تسقيط الحشد، أو إقصاؤه عن دوره الحاسم في القضاء على الإرهاب كما هو مترقب قريباً، أي بكلمة أخرى؛ إطالة عمر الإرهاب بما يضمن ديمومة المشروع الصهيوأميركي المدمر في المنطقة! أما الفرية الكبرى التي يسوّقها الغرب في أجواء الفصل الأخير من كتابة نهاية داعش في العراق، وربما في سوريا فيما بعد، فهي تصوير الحشد الشعبي (بما مهّدت له مسبقاً جهود تشويهه وتسقيطه واستهدافه منذ ساعة ولادته) بأن انتصاره على داعش يعني نشوب مجازر إبادة طائفية ضد السنّة، ستفوق الأهوال التي يجلبها على الأهالي في المناطق المحررة تلك التي اقترفها داعش منذ تسلطه قبل أكثر من عام ونصف العام!

الملفت ان مثل هذه الفرية لم تُردّد من إعلاميين مأجورين أو عملاء لدوائر استخبارية يدمنون الزعيق أمام الشاشات، انما يكررها ويسوّقها سياسيون وأصحاب قرار وأكاديميون غربيون في أكثر من مناسبة، ومن أكثر من منبر مؤثر غربي! وبالطبع تسخّر لذلك أكبر وأعرق المؤسسات الإعلامية، بما فيها الموجّهة للعالم العربي. ويندرج ضمن هذا السياق ما صرّح به مؤخراً للـ "BBC" البروفيسور "توبي دودج" الخبير البريطاني في شؤون العراق، الذي عمل مستشارا للقائد العسكري للحملة الأمريكية في العراق الجنرال "ديفيد بترايوس"، حيث قال في معرض تناوله لدور الحشد الشعبي في معادلة دحر تنظيم داعش؛ بأن "السنّة يشعرون بأنهم سيضطرون لطلب حماية تنظيم داعش ضد التهديد الشيعي"! طبعاً لم يخلص الى هذا الرأي سوى بعد أن مهّد في حديثه الى "استفحال" دور الحشد وانه يتبنى "دوافع طائفية"؛ بل ويعتبر هذا الدور نتاجاً لـ"هيمنة القوات الشيعية"! وكأنه يزيد من جرعة تحذيره من "قوة" الحشد، حينما يقول في حديثه: "إن هزائم تنظيم داعش الأخيرة في كل من الرمادي وسنجار بدلت ميزان القوة لصالح قوات الحشد الشعبي التي قادت حوالي 70% من العمليات العسكرية هناك"، ويقول "دودج" انه استقى هذه الرؤية والقناعة كجزء من تقرير له استند إلى لقاءات مع كبار قادة التحالف وسياسيين عراقيين، تمّت خلال زيارة إلى العراق مؤخراً لصالح مركز الشرق الأوسط في جامعة "لندن للدراسات الاقتصادية"! ولم يكتف بذلك، ؛ بل يصعّد "دودج" من تلك الرؤية بتوقعه "أن تقوم حرب بعد هزيمة تنظيم داعش بين قوات الحشد وقوات مكافحة الإرهاب التي يسيطر عليها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي"!

يجهر "دودج" تلميحاً أفصح من التصريح، وبدون أية دلائل أو قرائن مقنعة (سوى ان كان استند الى لتلفيق سرقة الحشد لثلاجة بعد تحرير مناطق في صلاح الدين!) الى ان هناك أهوالاً ومجازر يقترفها الحشد تنتظر المحررين من قبضة داعش، فيما لو تم دحر الأخير! أي انه يقرّ بثنائية لا مراء بشأنها، ويبدو انه يتشارك مع قطاع عريض من السياسيين والأكاديميين الغربيين في المنطلقات، والذي يروجون لهذه الثنائية مؤخراً، بواقع تأجُّج هواجسهم بأن ساعة الحسم ضد داعش تقترب، ولا بد من تدارك الأمور قبل أن تتبعثر مكعبات المشروع الصهيوأميركي بسواعد الحشد أو نظائره!

وبالطبع يعلم "دودج" ومن يوافق رؤيته (الأحرى بضاعته التي يسوّقها) بأن كل ما سبق من مؤامرات ودسائس وإعلام موجّه ضد الحشد، منذ ساعة انطلاقته ولحد الآن، لم يفتّ في عضده أو ينال من عزيمته، والنتائج العملية على أرض الواقع تثبت ذلك؛ بل يزداد منعة وصلابة كما شهد الجميع. لهذا ارتأى التوجه الإستخباري الغربي أي يخطو في هذه المرحلة نحو تفعيل فصل آخر من أدوات الحرب النفسية ضد الحشد، بأن يتم تصويره بأنه قوة غاشمة غير مأمونة العواقب، إذا ما حانت ساعة دحر داعش، كما يصوّره (في حركة استخبارية خبيثة ومقصودة لدق الأسافين بينه وبين الحكومة) بأنه أصبح خطراً حتى على رئيس الوزراء حيدر العبادي! كما تسوّق تلك الدوائر الاستخبارية عبر وسائلها الكثيرة والمتنفذة، بأن الأثمان التي سيدفعها المنعتقون من نير داعش وتوائمه أكبر بكثير من الرزوح تحت ذلّ وهوان ووحشية تسلطه!

لا شك ان هذه الأساليب موجهة بالدرجة الأولى للعراقيين/ الضحايا الذي يكابدون الاحتلال الداعشي في مناطقهم، حيث يراد إغراقهم بموجات من التشكيك بجدوى دعم القوات المسلحة والحشد الشعبي في مسعى التحرير والخلاص من قبضة داعش؛ بل وتهدف تلك الأساليب لترسيخ قناعة التعايش مع همجية الدواعش، على أنها أفضل بديل عن "التسليم" بقوة الحشد الشعبي "الشيعي" باعتباره شريك فاعل في جهود التحرير والقضاء على داعش "السنّي"!

ويعلم "دودج" ومن ورائه، بأن هذه الجرعة السامة من الحرب النفسية، قد أثمرت سابقاً، وحتى قبل تشكيل الحشد الشعبي، وذلك إبان انتكاسة الموصل، وبات واضحاً ان استخدام ورقة التخويف من "الخطر الشيعي" كانت الرافعة الأبرز لسقوط الموصل، حين أعتبر الكثيرون من أبناء الموصل - للأسف - ان الانتصار للوطن هو "تمكين" أكبر للشيعة! وانكشف فيما بعد مدى كارثية هذا التبني السقيم، الذي مهّد (في أحد تداعياته) الى استفحال دور الإرهاب الداعشي!

ان ما يُطبخ ويسوّق اليوم في الدوائر الغربية المسخّرة لخدمة المشروع الصهيوأميركي في المنطقة، لن يتوقف عند الثنائية الملغومة التي جاءت على لسان "دودج" عارية من أية ورقة توت تستر عورة الافتراء وطمس الحقيقة، بجعل دفاع وتضحيات الحشد الشعبي في ذات كفة إرهاب داعش، حينما يتم إرعاب ضحايا وحشية داعش بِبُعبع "انتصار" الحشد! وستستمر هذه الدوائر الغربية في ابتكار أنماط أخرى من أوراق الحرب النفسية لمحاصرة أي مشروع وطني حقيقي ومخلص، يهدف الى كسر حلقات المشروع الصهيوأميركي في العراق والمنطقة، مع الإقرار بأن الأثمان التي ستُدفع في مسيرة الخلاص لن تكون يسيرة بطبيعة الحال، ولا بد أن يستعد لها المخلصون!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  السبت 16-01-2016     عدد القراء :  1607       عدد التعليقات : 0