عندما يريد الضعيف الحل بالتفاهم – من تشمبرلين إلى النجيفي

ذكّرني أسامة النجيفي وهو يتحدث عن قراره بـ "حل" المشاكل مع كردستان عن طريق "التفاهم" مؤكدا وجود خلافات على الأرض لن يتنازل عنها، ذكرني بحديث محمود عباس عن "الخيار الاستراتيجي للسلام" وعن قرار السادات لاستعادة سيناء عن طريق التفاهم والمفاوضات، وأخيرا قرار العبادي الذي جاء يحمله بـ "حل المشاكل مع كردستان"...

وعلى المستوى العالمي يذكرنا "حل المشاكل بالتفاهم" بـ "اتفاقية ميونخ" التي قررت فيها كل من بريطانيا وفرنسا أن "تحل المشاكل" مع هتلر "بالتفاهم" أيضاً، وسميت اتفاقية تشامبرلين على إسم رئيس وزراء بريطانيا الذي وقعها.

لكل من حالات "الحل بالتفاهم" التي مرت ومضت، خصوصيتها بالتأكيد، لكن يمكننا أيضا أن نجد خيطا عاما يربط بينها كلها، والتي تجعلنا أكثر قدرة على توقع نتائج تلك التي تحدث اليوم وستحدث في المستقبل.. دعونا نبدأ بأقدم الأمثلة، اتفاقية تشمبرلين(1)

كانت اتفاقية تشامبرلين – هتلر، او اتفاقية ميونخ قد وقعت بين رئيس الوزراء البريطاني وهتلر (بمشاركة فرنسا وإيطاليا) عام 1938 إثر احتلال المانيا النازية أجزاء من جيكوسلوفاكيا، ذات أهمية عظيمة من الناحيتين الصناعية والدفاعية، وتمتد على طول الحدود بين الدولتين، وتسمى بـ "سوديتنلاند". وطبيعي ان هذه الاتفاقية أثارت غضب الجيك رغم أنها طرحت على أنها "عادلة" أو "معقولة العدالة" بحجة أن المنطقة يسكنها قوم يتكلم معظمهم الألمانية، (وهي حجة واهية تماماً). وكان الوعد أن هذه الاتفاقية سوف تجلب السلام وتجنب أوروبا حربا طاحنة. وبالطبع فإنها فشلت تماما في تحقيق ذلك وكانت من أهم أسباب الحرب العالمية الثانية، حيث كان المعتقد أنه لو ان هتلر تمت مواجهته بحزم لما تمكن من الصمود في هذه المرحلة وأن فرنسا وحدها كانت قادرة على هزيمته. وهكذا أدت محاولة "حل المشكلة بالتفاهم" مع المعتدي لتجنب غضبه، إلى كارثة عظمى.

لو حللنا الخطوط العامة لطبيعة الاتفاقية لوجدناها: أولا: استسلام لظلم القوي وثانيا: تسميته بعبارات مراوغة لتبريره، وثالثا: الفشل (المتوقع) في تحقيق الوعود التي استعملت لإقناع الناس بقبول ذلك الاستسلام، ورابعا: كارثة كبرى للجانب المستسلم.

وسوف نرى ان هذه بدرجة أو بأخرى، هي الخطوط العامة لكل حالة من تلك الحالات في التاريخ.

وليس في الامر ما هو غريب. فالدعوة لـ "الحل بالتفاهم" والوصول إلى "حل عادل"، تفترض أن القوي المعتدي يريد ذلك، وهذا ليس صحيح بالطبع. فلا يوجد قوي يعتدي على آخر من اجل "تفاهم" (عادل). وتجاهل هذه الحقيقة هو ما يؤدي إلى الكارثة.

لننظر إن كانت سيناريوهات الأمثلة الأخرى مشابهة لسيناريو اتفاقية ميونخ. لنبدأ بمصر السادات. تحدث السادات عن "سلام الشجعان" وهي العبارات المراوغة التي تقلب الحقيقة، وهي أن الأضعف يكون قد جبن عن مواصلة المقاومة. قيل ان السلام سيوفر على مصر الكثير وسيصرف لرخاء الشعب، ويعيد سيناء إلى الوطن. وصحيح أن شعب مصر استعاد سيناء بتلك الاتفاقية، لكنه خسر مصر كلها! فبعد اتفاقية السادات اخترقت إسرائيل كل المؤسسات المصرية وقامت بتغيير السادات نفسه والذي قتل بطريقة مشبوهة، وتصرف مبارك بمصر كولاية إسرائيلية. أما "الرفاه"، فقد غرقت في فساد رؤوس الأموال وتحطم اقتصادها وخصخصت ثرواتها حتى بيع الغاز المصري لإسرائيل بأقل من كلفة استخراجه بينما كان المصريون ينامون في القبور! ولم تنج الثقافة والفنون من الكارثة فانزلقت مصر من تلك القمم إلى حضيض لم تخرج منه ابداً! وهكذا كان هذا السلام أكثر كلفة للمواطن المصري من الحرب نفسها. وهكذا، وكما في اتفاقية ميونخ، لم يحقق "سلام الشجعان" المزيف إلا الكوارث لأصحابه.

محمود عباس، ارغى كثيرا عن "التفاهم" و "الحل السلمي" وقال يوما أن "خيار السلام خيار استراتيجي" سيأتي بالسلام وبالأرض وبعودة اللاجئين. ومن المؤكد ان الأمر يحتاج إلى مجنون ليصدق ان إسرائيل كانت مستعدة لذلك وأن ثوار فلسطين هم من كان يمنع السلم والحل العادل. ويمكننا ان نرى أيضا أن "سلام عباس" قد فشل في كل شيء! فشل في جلب السلام إلى الفلسطينيين وفشل في إعادة أي شبر من ارضهم المحتلة أو أي من حقوقهم او لاجئيهم. بل أن ذلك "السلام" نتج عن كارثة مستمرة لم تنتج سوى ما رأيناه في الانتفاضة الفلسطينية الثالثة حيث مارست القوات الأمنية الفلسطينية مرة أخرى دورها كفرقة كوماندوس إسرائيلية ضد الفلسطينيين!

وفي العراق، جاء رئيس الحكومة الحالي يحمل "التصميم على حل المشاكل مع كردستان"! وقد كتبت عن ذلك في مقالتي: "العراق - حكومة عتبة انتقالية للأجندة الأمريكية"(2): "في أول خطاب له وعد رئيس الوزراء الجديد أن "يحل جميع المشاكل" مع الإقليم، وهنا يجب أن نضع علامة استفهام مهمة: كيف يستطيع مفاوض أن يعد بحل جميع المشاكل، وهي رهن بمدى تعاون الطرف الآخر الذي لا سلطة له عليه؟ قال العبادي أنه سيتعامل "بروح إيجابية"، مما يفهم منه أنه يعتبر ان المالكي لم يكن "إيجابياً" في السعي للحل، بينما نرى نحن أن المالكي لم يكن إيجابياً فقط بل كان منبطحاً لكردستان وسلمها عشرات المليارات من خزينة العراق ووافق في النهاية على كل ابتزازاتها تقريباً، فما الذي يقصده رئيس الحكومة الجديد بـ  "الإيجابية" التي يضمن من خلالها "حل جميع المشاكل" وهو ليس سوى طرف واحد من أطراف اللعبة؟

لو قال لاعب شطرنج أنه سوف ينهي دستاً بسرعة، لفهمنا أنه لا بد أن يقصد انه سيستسلم، لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يقرره لوحده دون انتظار موقف الجهة المقابلة، لإنهاء صراع الدست. وبنفس الطريقة فإن وعد المفاوض بأن المفاوضات ستنتهي بالاتفاق، فلا يعني ذلك إلا أنه سيوافق على شروط الطرف الآخر كلها."

في ذلك الحين لم أكن أتصور أن تنبؤاتي ستتحقق بالحرف الواحد وبتلك الاتفاقية الكارثية التي لم يستغرق توقيعها سوى دقائق، فقد قام عادل عبد المهدي بالموافقة على جميع شروط كردستان بدون أي تحفظ او استفسار، حسبما صرح به هوشيار زيباري لاحقاً!

ومثل سوابقه فأن سيناريو العبادي لـ "حل المشاكل" جاء مصحوبا بالكذب، فكتبت عن العبادي انه "قرر اتباع ذات أسلوب المالكي المميز بالكذب على الشعب ومراوغة الكلمات لإعطاء قراراته التي خطط لها أن تبيع بقية العراق لمحتليه ومبتزيه، معنى يبدو "إيجابياً". "

تعالوا ننظر من خلال ما تعلمناه من هذه الأمثلة إلى تصريح أسامة النجيفي حين يقول في المقابلة أدناه عن علاقة السنة بالكرد: "اقتنع الطرفان انه لابد من وجود لغة أخرى للتفاهم ... ممكن ان تحل الأمور سياسيا بطريقة تحقق مصالح الجميع.... اتفقنا على حلها". "نعتقد ان هناك خطرا أكبر هو الخطر الإيراني.. السيد البرزاني لديه مخاوف من هذا المشروع وبعض الأطراف الكردية تتعاون مع المشروع الإيراني ضد السيد البرزاني ونعتقد ان هذا الموضوع مؤجل.. لا تنازل عن الأرض وليس من حقنا أن نتنازل عن الأرض. وهي محل حوار لكن هذا الموضوع ليس له الأولوية الآن.. تقارب مذهبي جغرافي نفسي مصاهرة علاقات يفتح المجال امام تعاون سني كردي.. لا أستطيع أن أقول إن ليس هناك مشكلة لكنها مؤجلة.(3)

أسامة النجيفي يبدأ تصريحه بالكذب، حين يقول "اقتنع الطرفان أنه لابد من وجود لغة تفاهم" والسبب منطقي تماماً، فالقوي، كردستان، لم تخسر أي شيء من "عدم التفاهم" لتقتنع بضرورة "وجود لغة تفاهم" بل كانت تربح من كل خلاف تثيره مع المركز. وكانت هذه سياسة واعية اقر السفير الأمريكي كالبريث أنه نصح بها ساسة كردستان كسياسة استراتيجية، كما كتبنا في مقالات سابقة أكثر من مرة. فبينت في مقالة من جزأين، الأول بعنوان: "دورات "كالبريث” لابتزاز كردستان لبغداد – 1- كيف تعمل وكيف وصلنا إلى هنا؟"(4) كتبت أنها "دورات "اصطدام – تطبيع – إبتزاز – تطبيع"، والتي حققت نجاحاً مدهشاً. للمزيد انظر مقالتي: "من أين استوحى قادة كردستان السياسة العدوانية مع العراق”؟(5)، وكذلك مقالة: "دورات الإصطدام والإبتزاز بين كردستان وبغداد 2 – المالكي والعبادي"(6). فقد كان الصراع "خيار ستراتيجي" لكردستان قام كالبريث بتأسيسه. ويقر النجيفي بوجود خلافات مع كردستان على الأرض لكنها "ليست ذات أولوية"!! ولن تكون لها أية أولوية في المستقبل طبعاً. فما يقلق النجيفي هو "الخطر الإيراني" الذي لا يستطيع النجيفي ان يبرهن انه احتل شبرا واحدا من أراضي السنة الذين يدعي تمثيلهم، بل هم ساعدوا على تحرير بعض أراضيهم، على عكس أصدقاء النجيفي الذين هجروا العرب تحت بصره ومباركته ودون أن يفتح فمه بكلمة واحدة!

ويذهب النجيفي ابعد من ذلك فيعلن وقوفه مع الجزء الأكثر وحشية وعدوانية من كردستان على العرب السنة والأشد إمعانا في تهجيرهم وابتزاز أموالهم وهو "السيد البرزاني"، فيقف معه بوجه الآخرين من الكرد، والذين يعتبرهم جميع العرب، الجانب الأقل ابتزازا والأمل الضعيف لعلاقة معقولة مع كردستان، لكنهم متهمون بجريمة صداقة إيران أيضاً!!

من هذه الأمثلة يمكننا أن نفهم وندرك ما يقصده النجيفي من خطابه وأن نرى مشروعا لاحتلال المزيد من الأرض التي "لن تكون لها الأولوية أبدا" وستتوسع كما توسعت المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين تحت حكم "السلام الاستراتيجي" لعباس، وسيسير السنة ومدنهم من احتلال إلى احتلال أكبر ومن إذلال إلى إذلال أكبر!

إن "الحل بالتفاهم" يمكن ان يكون شيئا رائعاً عندما يكون بين أطراف متقاربة في قوتها، مثلما حدث في اتفاقية وستفاليا التي أوقفت الحروب في أوروبا لفترة طويلة. ففقط عندما "تشعر جميع الأطراف بكلفة الصراع وضرورة التفاهم" تكون النتائج إيجابية. أما عندما يكون الصراع مصدر كسب لأحدها كما هو الحال بين إسرائيل والعرب وكردستان وبغداد فمحاولة التفاهم لا تعد إلا بالكارثة. فجميع سيناريوهات مشاريع "الحل بالتفاهم" عندما يبادر إليها الأضعف الذي تم ابتزازه أو المحتلة أرضه تشير إلى تلك النتائج الكارثية. ولا يمكن ان ينتظر السنة من تفاهم آل النجيفي مع مسعود إلا مثل تلك الكوارث بل اشد منها لأن التدمير هنا هدف بذاته. فنحن لم نشهد إصراراً أمريكيا على تدمير بلد، كما نشهده في إصرارها على تدمير العراق ولم تختر لقيادة بلد تحتله، حثالات كما اختارت لقيادة العراق، ولا سفراء مدربين على صناعة الإرهاب كما فعلت في العراق منذ اول سفير لها فيه - نيكروبونتي.

من المؤكد ان مقاومة الأضعف مكلفة، لكنها غالباً الأقل كلفة، ويجب أن تستمر حتى يقتنع الأقوى بأن صراعه يكلفه أكثر مما يربح منه، وعندها فقط، سيرى "ضرورة التفاهم" أما قبل ذلك فهو ليس سوى دعوة مقنعة للاستسلام التام وتثبيت الاستيلاء على الأراضي للمعتدي. ولو أعدنا الآن، وعلى ضوء هذا الفهم، سماع خطاب النجيفي لاكتشفنا بسهولة اشباح ما يعدنا به هذا الرجل من كوارث.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 18-01-2016     عدد القراء :  1018       عدد التعليقات : 0