اللـــه والـعـلـــــم

عـن الميتافيزياء العلمية..أو المــاديـة الـروحـانيــة

حوار عن الخــالق..الـعــدم الـمطــلق..تشكل المـادة والطــاقــة..وماذا كان قبل أن تولدا..ويظهر الوجود...؟ وكـل مـا لا عــلاقــة لـه بالأديان والأنبيـاء والكتــب المـقدســة..

(سأحاول نشر فصول من هذا الكتاب الذي ترجمته قبل عشرين عاما والذي يتضمن حواراً بين المفكر والفيلسوف الفرنسي جان غويتون والعالمين في مجال الفيزياء الكونية النظرية الأخوين غريشكا وأيغور بوغدانوف..وفي سعي لفهم ماذا كان قبل أن يخلق الوجود..وقبل ولادة المادة والطاقة..ماذا كان؟؟؟؟ ومن هو أو ما هو العـدم المطـلق ..العقل المطلق واللامرئي واللاملموس..واللامادي..والذي يشغل ما وراء امتداد المادة والطاقة واطراد الكون..!!)

مقدمة الكتاب

"بعض العلوم تبعدنا عن الله، لكن معظمها رغم ذلك تقودنا إليه"، هكذا قال العالم المشهور "لويس باستور"، وفي هذا الكتاب يحاول الفيلسوف الفرنسي (جان غويتون)، البروفيسور في الفلسفة، وعضو شرف الاكاديمية الفرنسية للعلوم، من خلال حواره العلمي العميق والمثير مع عالمي الطبيعة الأخوين غريشكا وايغور بوغدانوف، أن يناقش موقف الفيزياء الحديثة من العلاقة ما بين العلم والايمان، لا اعتماداً على ارضية فلسفية او لاهوتية وانما إعتماداً على الوقائع والأرقام والحقائق العلمية الصارمة وما يبنى عليها من إفتراضات الفيزياء النظرية، محاولاً تثبيت اتجاه جديد من أساليب الفكر إلا وهو (الميتافيزياء العلمية).

إن الأسئلة المطروحة هنا يمكن الإقتراب منها بطرق ثلاث: الدين، الفلسفة، وأخيراً العلم، والمقصود بالعلم هنا هو المعرفة المنظمة المبينية على التجربة والاختبار والقياس والمتسمة بالموضوعية والجدية والدقة والمنهجية. فمنذ (النهضة العلمية) في القرن السادس عشر وحتى يومنا هذا أخذ العلم طريقه المستقل الذي كان يتقاطع مع كل المعارف والعقاد البشرية السابقة.

وفي عصرنا الحالي إكتسح العلم كل المناظرات المشاكسة، وتغلغل في أعمق أعماق حياتنا وأخذ التفكير العلمي حيزاً في الحياة اليومية وسيطرت التكنولوجيا على فواصل الحياة المعاصرة، وفقد الحديث الفلسفي قوته ونضارته، لاسيما بعد أن حوصرت الفلسفة من قبل العلوم الانسانية والانظمة الأيدلوجية التي استخدمتها كنموذج وشعار وعقيدة سياسية، وحيث فقدت امتيازها الوحيد الا وهو التفكير الحر.

أما فيما يخص الدين فقد تأثر بهذا التحول فبرزت فيه تيارات متباينة، إذ ركزت إتجاهات معينة منه على القيمة الأخلاقية في التنظيم الاجتماعي وعارضت إتجاهات أخرى منه كل ما يأتي به العلم، إذ بدا لها بأن المعارف والحقائق العلمية والاكتشافات المذهلة والانجازات الجبارة في الهبوط على الكواكب الأخرى وإختراق آفاق الكون، كلها قد تتعارض مع منظومة الجذور المقدسة للضمير البشري، واضعة مسألة الإيمان الديني في تعارض مع العلم، بينما إنفتحت إتجاهات أخرى على العلم، مكتشفة فيه دعماً للإيمان وللعقيدة الدينية التوحيدية، وأجوبة على أسئلة لم تستطع سابقاً أن تمسك بتفاصيلها، وتفسيراً لبعض نصوصها الغامضة، وقد حان الوقت من أجل فتح آفاق جديدة للبحث في الظواهر الكونية عن شيء آخر ذي ملامح روحية، باسطة الجسور الجديدة في العلاقة مع (المادة)، إذ لم تعد (المادة) تحدياً للإيمان أبداً، ولم تعد (المادة) في النظرة الكونية تعني (الإلحاد) بالضرورة.

إن المتأمل لتاريخ الفكر البشري بشكل دقيق يجد أنه منقسم إلى تيارين، إلى نموذجين متوازيين يمشيان سوية وهما: التيار المادي والتيار المثالي، وقد قدم كلاهما نظريته في المعرفة، حول طبيعة الوجود وأصل الكون، ولا يغيب عن المتأمل لهما بأن الصراع بينهما كان حاداً ودامياً. وكما يذهب الدكتور (فؤاد زكريا) في دراسته (أركان العلمية لكارل بيرسن)، أن البعض يعتقد أن أشهر انواع المعرفة (غير العلمية) هي (الميتافيزيقيا) وأعتبروها أداة لمنافسة العلم، مثلما هوجمت (المادية) باعتبارها تفتح الطريق للإلحاد وتسد السبل أمام الإيمان الديني راجع -(آفاق الفلسفة – د. فؤاد زكريا).

وفي معمعة هذا الصراع ما بين اللاهوت والفلسفة، وما بين الفلسفة المادية والمثالية، كان كل منها يحاول أن يحل الإشكال ما بين العقل والإيمان، بل وقد مرت فترات تداخلا فيما بينهما.

ولكن ومنذ منتصف القرن السادس عشر، وبصدور كتاب العالم الفلكي البولوني (كوبرنيكوس 1543) عن حركة الأرض، ثم صدور كتب العالم (كبلر) عام (1619) الذي يوضح فيها (قوانينه)، مروراً بصدور كتاب (غاليلو) (الحوار الذي يتعلق بالمذهبين الكبيرين عن العالم) عام (1632) وإنتهاء بصدور كتاب (المبادئ الرياضية الطبيعية) لنيوتن والتي شرح فيها قوانينه، حققت البشرية إنعطافة جبارة في طريقة تفكيرها، مؤكدة فهمها الجديد عن العالم والكون، مبشرة بولادة (الفيزياء المعاصرة) التي صارت اليوم تُسمى (الفيزياء الكلاسيكية)، من حيث أننا ومنذ بداية القرن العشرين دخلنا مرحلة جديدة من تاريخ العلوم، وكما يذكر (د. ستيفن هوكنج)، أحد أبرز علماء القرن العشرين في مجال الفيزياء النظرية في مقالته (حلم انشتاين) المنشورة في كتاب (الثقوب السوداء): (أدت نظريتان جديدتان إلى التغيير الكامل في طريقة تفكيرنا عن المكان والزمان بل وعن الحقيقة نفسها. وهاتان النظريتان هما (النسبية العامة) و(ميكانيكا الكم).

ونظرية (النسبية العامة) تتناول المكان والزمان وكيف أنهما بالمقاييس الكبيرة ينحنيان او يعوجان بواسطة المادة والطاقة التي في الكون. و(ميكانيكا الكم) من الناحية الأخرى تتعامل مع المقاييس الصغيرة جداً، وهي تتضمن ما يسمى (مبدأ عدم اليقين) الذي يقول إننا لا نستطيع أبداً أن نقيس بدقة موضع وسرعة الجسيم في نفس الوقت وكلما قسمنا واحداً منهما بدقة أكبر، قلتّ الدقة التي يمكننا بها قياس الآخر.

وهناك دائماً عنصر في عدم اليقين أو الإحتمالية، وهذا يؤثر في سلوك المادة بالمقياس الصغير تأثيراً أساسياً) (– الثقوب السوداء – ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي).

ويبدو أن (نظرية الكم) هي التي فتحت الآفاق القصوى على صورة أخرى من العالم، صورة تستند على دعامتين إحداهما مادية وأخرى روحية، متجاورة إياهما، معيدة صياغة طروحاتها، فهي صورة روحية عن العالم لكنها متجسدة بالوجود المادي. فهل للأمر علاقة بطريقة أخرى من التفكير ورؤية جديدة للعالم؟

إن الفيزياء الكلاسيكية هي إعلان عن سيادة التفكير المنطقي، والقدرة على إيجاد العلاقة ما بين مختلف الأصناف من الموضوعات، والإمساك بالظواهر من جانبها الكمي، الميكانيكي، والقابل للعد.

لكن (الفيزياء المعاصرة)، والمعرفة العلمية عموماً، إفتقدت، بالضد من الفهم العقلي المطمئن، وبدون أي تدخل من الفلسفة أو الدين، إلى صياغة جديدة للعالم، وإلى نظرة جديدة للكون، الذي دخل في صراع مع الفهم الإعتيادي له، وباحتمالات مدهشة، محيرة، صعبة. فالفيزياء المعاصرة أعلنت سيادة التفكير (ما وراء المنطقي)، كما يذهب الفيلسوف (جان غويتون) في حواراته القادمة في هذا الكتاب.

ومع أن هذا التفكير يتوسع إلى أقصى حدوده، ويرفض أن ينحصر في التحليل المنظم للظواهر الغريبة المجهولة والمعروفة، بل أنه يبتعد عن المجهول وغير المحدود، أنه يقع على الجانب الآخر من اللغة، بل وعلى الجانب الآخر من كل صنوف الفهم، دون أن يتنازل عن صرامته، متلمساً الاسرار، ساعياً من أجل تصحيحها وفهمها. إذ أن الفصل الحاسم والأول في الفكر (ما وراء المنطقي) يكمن في الإعتراف الصريح بوجود (الحواجز الفيزيائية) للمعرفة، أنها شبكة كاملة من الحدود المتشابهة والمتطابقة التي تحيط بالواقع ولا تسمح بتجاوزه.

ولقد قدم الفيزياوي (ماكس بلانك) في ديسمبرعام (1900) حالة حول هذه (الحواجز الفيزيائية)، وقد كان مدار إثباته هو (تأثير الكم أو عزم الكم) الذي يعرف بإسم (قيمة بلانك الثابتة) والتي تُعتبر أقصى وحدة للتقسيم الفيزيائي (11و626و6 و34)، و(الزمن البلانكي) الذي هو أصغر وحدة زمنية في عالم الفيزياء وهذا يجرنا إلى سؤال محير: لم توجد هذه الحواجز؟ وماذا وراءها؟.

إن اكتشافات الفيزياء المعاصرة قد عبرت إلى أجواء الميتافيزيقيا أو (الفيزياء الماورائية) فهي فيزياء الغرابة والدهشة. والحقيقة أن نظرية (ميكانيكا الكم) قد خلخلت جميع التفسيرات والمفاهيم المتعارف عليها عن (الكون)، وأبرزت الحاجة إلى تأسيس منظومة من المصطلحات الجديدة، إذ رغم أن الفيزيائيين يدعمون منذ قرون، نظرياتهم وتجاربهم بالحجج المادية الدامغة، فأن النظرة المادية تتسرب وتختفي من أمام أعيننا، ويتخلل الشك كل الانظمة الفكرية القائمة، لذا يجب علينا أن نهيئ أنفسنا لإقتحام عالم مجهول بالكامل بالنسبة لنا.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 25-01-2016     عدد القراء :  1747       عدد التعليقات : 0