عن التــلـقـي الجـمـالـي ..

في دفتر مذكراته كتب المخرج السينمائي الروسي أندريه تاركوفسكي ما يلي:

" تلتقي أحيانا مع إنسان يبدو واسع الاطلاع، يعرف الشعر والرسم والموسيقى بشكل رائع، ويقول لك إن فيلمك يعجبه كثيراً..فتشعر بالارتياح، ثم ما أن تبدأ الحديث معه حول الفيلم حتى يتضح بأنه لم يفهم شيئاً. وهذا أمر مرعب، وأكثر إثارة للحزن مما لو قال لك بشكل مباشر، أنا لا أفهم أفلامك".

هذه الفقرة أوقفتني عندها، وأثارت فيّ فضول التفكير في عدة أشياء منها، مفهوم "التلقي"، ومفهوم قراءة النص الأدبي والفني، وعلاقة المبدع بمنجزه الإبداعي، وخصوصية اللغة السينمائية، والنفاق الثقافي، وأخيراً، عمق ثقافتنا السينمائية..!.

فبرغم أن تاركوفسكي يستشهد هنا بمشاهد واسع الاطلاع،( يعرف الشعر والرسم والموسيقى بشكل رائع)، وتعجبه أفلام المخرج، لكنه اتضح له أنه لم (يفهم) شيئاً..وهنا المشكلة..! فلربما لم يتوصل ذلك المشاهد إلى (مقاصد) المخرج، لكنه بالتأكيد تقبل الفيلم بطريقته الخاصة..! واستلم منه رسائل معينة..برغم اعتقادي بأن مثل هذا المشاهد نموذجي بالنسبة لنا..!! فأين الخلل إذاً، في المشاهد أم في المخرج..؟. وهل (لم يفهم )ذلك المشاهد أفلام تاركوفسكي حقا كما تصور هو..؟

**********

فيما يخص بحث الجانب السايكولوجي، النفساني، في عملية "التقبل الفني"، برز الألمان أكثر من غيرهم..وبعيداً عن فرويد ، يونغ، آدلر، رايش، وفروم، وغيرهم، الذين أرسوا دعائم علم التحليل النفساني، النفسي- والاجتماعي، وتوغلوا عميقاً إلى مجاهيل اللاشعور، واعماق اللاوعي الفردي والجمعي. فأن الفنان الحديث اتكأ، في ما يخص بحث عملية التقبل النفسي للأعمال الفنية، على الجهود الفذة لنخبة من العلماء الألمان نذكر منهم تيودور ليبس، فولكيلت، غروس، ديسوير وغيرهم.

العالم " ليبس" توقف في تحليله للتقبل الفني عند مفهوم عملية " التقمص الجمالي" ليعبر عن مرحلة النفاذ الشعوري واستيعاب (شكل) العمل الفني، بل إنه تتبع هذه العملية من بدايتها فرصد (التعاطف الشعوري) الأولي بين المشاهد والعمل الفني، والذي يسميه تقمصاً خيالياً (شعورياً ولاشعوري) بين الذات المشاهدة والموضوع الفني. ويتعمق في تحليل هذه المرحلة الأساس باعتبارها (علاقة) مبارة، عاجلة، حسية، مدركة شعورياً لشكل الموضوع، وعلى أساس هذه العلاقة تتم عملية التبادل بين الذات، والموضوع، حيث تستشعر الذات نفسها في الآخر، أو تعي ذاتها من خلاله..لذا فهو يعتبر الشعور الجمالي جوهر هذه العملية، وهي التذوق الجمالي ذاته.

أما العالم " فولكيلت" فيفصّل هذه العملية أكثر، فهي تبدأ حسب رأيه بارتباط عاطفي بين الذات المشاهدة والموضوع، ثم تجري عملية تمثل (لا شعوري)، إداراك حسي غامض، تتضح شيئاً فشيئاً كشعور لطيف، مريح، جميل ومحدد.

**********

هربرت ريد، أحد أكبر منظري الفن الحديث، والذي يرى بأن التحيز ضد الفن الحديث راجع إلى قصور في الرؤية أو إلى ضيق في المدى الحسي. ويوضح في كتابه " الفن اليوم" بأن علينا أن نميز مراحل عملية التقبل في التجربة الجمالية الكاملة تجاه العمل الفني، أولاً، الإحساس أو الإدراك الفوري للموضوع، ثانيا، رد فعل الجهاز العاطفي لشكل الموضوع، أي ل (مضمون) العمل الفني، ولجميع ما يثيره من تداعيات ثانوية.

لكن جميع هؤلاء لم ينسوا (المزاج) الانفعالي السابق لعملية التقبل الفني، والاستعداد النفسي المرتبط بمستويات العقل اللاشعورية، الموجودة قبل لحظة اللقاء بين المشاهد والعمل الفني.

من كتابي " سـحر السـينما "

الشارقة 2003

  كتب بتأريخ :  الخميس 28-01-2016     عدد القراء :  1253       عدد التعليقات : 0