أردوغان.. الباب الذي لن يخرج من يدخله أبداً!

إذا كان التراجع عن الخطوة، خياراً متاحاً، فيمكن للمرء أن "يثق" بالمقابل ويسير معه مصدقاً، ومتى ما تبين كذبه فيمكنه ببساطة أن يتراجع. ومن هنا جاء المثل الشعبي: "إمشي ورا الكذاب إلى حد باب الدار". ولكن عندما يتعلق الامر بتورط لا عودة فيه فمن الضروري جدا أن يعرف المرء خلفية رفيق دربه، ليتمكن من حساب حسابه، وأن يتعامل بالشك، لأن الثقة في غير محلها مكلفة. ولعل هذا هو السبب وراء تأكيد المثل: "...إلى حد باب الدار".. حيث أن عبور عتبة الدار يعني التورط وتجاوز المنطقة الآمنة، وعندها ستكون معرفة الحقيقة متأخرة! هذا هو التحدي الكبير الذي يواجه السنة اليوم فيما يتعلق بالإقليم المزمع أو في عملية تحرير الموصل. والسؤال الكبير هو: إلى أي مدى يمكنهم أن يثقوا بساستهم وبعراب الإقليم وتحرير الموصل: أردوغان؟

لو راجعنا تاريخ أردوغان، من أيام أسطول الحرية إلى دخوله بكل هذا الثقل في معركة سوريا، وتوريط بلاده فيها إلى أقصى درجة، فيمكننا ان نستنتج أنه ليس قائداً اعتياديا أو رئيسا كلاسيكيا أبداً، فهو أحد أربعة.... أما:

1- بطل إنساني كبير لا يتحمل أن يرى شعباً مظلوماً أو جاراً يعيش تحت الدكتاتورية، وأنه عاطفي جدا إلى درجة أنه مستعد أن يورط بلاده ويتحمل الكثير من الخسائر من أجل حبه لشعب آخر، أو أنه:

2- طائفي شديد الحب للسنة، حتى خارج القومية التركية، ولم يتحمل أن يرى السنة تحت حكم العلويين في سوريا

3- رجل قومي متطرف، شديد الطموح، يريد من ذلك الاستيلاء على أراضي من دول الجوار أما لأسباب اقتصادية أو لأنه يعتقد أنها أراضي تركية سلبت في لحظة من الزمن أو ليعطي انطباعاً بالبطولة لشعبه. أو أخيرا:

4- عميل لدولة أجنبية (أميركا أو إسرائيل) تم اختراق حزبه به وتنصيبه على قيادته، وهو يتبع أوامر أسياده تماما حتى حينما يبدو أن له هدف شخصي او قومي في تلك الحركات.

إذا كان أردوغان أحد الاثنين الأولين، فيمكن للسنة الثقة به وعبور "عتبة الباب" والاعتماد على مشاعره العاطفية الإنسانية او الطائفية لمساعدتهم على عبور أزمتهم ومحنتهم، اما إن كان أحد الاحتمالين الأخيرين فإن التورط معه يعني الكارثة التاريخية التي ستحول السنة إلى عبيد، اما لتركيا أو لإسرائيل (إن كان رقم 3 أو 4 حسب التسلسل). وهنا التحدي الكبير أمام السنة! إنهم امام لحظة تقرر أما راحتهم واستعادة مدنهم وبيوتهم، أو نهايتهم تماماً!

لنتخيل أن أردوغان إنساني عاطفي إلى درجة مجنونة تبرر تجاوزه كل الأعراف الدولية وكل الحرص الطبيعي كمسؤول أول عن مصالح دولته تقتضي منه عدم الاندفاع من أجل الشعوب الأخرى. ولنفترض أن هذا الجنون العاطفي الإنساني هو فعلا ما كان وراء موقفه المعروف من إسرائيل ورزالته غير الدبلوماسية لقادتها، وإطلاقه اسطول الحرية الخ..

الآن دعونا نتخيل هذا الإنساني، يدعم المعارضة ويثيرها ضد دكتاتورية الأسد بكل قوة ويدعمها بالمال والموقف السياسي. ثم دعونا نتخيله يرى جرائم داعش وجبهة النصرة وغيرها من "المقاومة السورية" فلا تهتز له شعرة! ولا يحاول حتى مجرد محاولة أن يوقف تلك الجرائم ولو بالنصيحة! دعونا نتخيل هذا الذي لا يتحمل علاقة مع إسرائيل لأنها تضطهد الفلسطينيين، يستمر في علاقته بإسرائيل ويطورها حتى أثناء ذبحها للأطفال الفلسطينيين دون أن يصدر منه أي رد فعل! ولا نرى منه أي رد فعل أيضا على العلاقة بين المعارضة السورية وإسرائيل التي يقودها قتلة الأطفال كما يقول، والتي لم تحاول تلك المعارضة ان تخفيها! ألا يحذر ويضغط على المعارضة السورية التي لديه عليها سلطة كبيرة لأنه ولي نعمتها وداعمها الأساسي، لتغير نهجها وتقطع علاقتها بإسرائيل التي يدعي عداءه لها؟

هذه التساؤلات تبين ان هناك تناقضات غير مفسرة في شخصية أردوغان، إن افترضنا أنه فعل ما فعل دفاعا عن المظلومين أو عن السنة. هناك شيء مثير للريبة إذن في هذا الرجل. كذلك في معاملته للأكراد يثير أردوغان ريبتنا حين لا نرى أي أثر لتلك الإنسانية العامة، او الحب الشديد الوله بالسنة، وهم سنة ومواطنين أتراك.. بل هو لا يقل وحشية في معاملتهم عن معاملة اشد القوميين الأتراك لهم، ولم يعقد الصفقات مع الكرد إلا مع من يستطيع منهم أن يجهزه بالنفط الرخيص المسروق! وما دمنا بصدد النفط المسروق، فكل من يصدق أن أردوغان لا يتعامل مع داعش وأن لداعش طرقا أخرى، يجب أن يراجع سلامة منطقه. اليس هذا مخالف لمبادئ الإسلام الأولى، بالمناسبة؟ فهل هو قائد حزب إسلامي ام أنه ومن معه اختراق لذلك الحزب؟ ام أن هذا الحزب كمثل الكثير من الأحزاب التي تتقمص الإسلام في المنطقة ليس سوى حزب "براغماتي"، أي "عاهرة لمن يدفع أكثر أو يبيعها أرخص"؟ هل يمكن أن يقود مثل هذا الحزب رجل ذو مثل عليا من السمو والقوة أنها تدفعه إلى التضحية بمصالح تركيا بهذا الشكل؟ يبدو ان فكرة "المبادئ العليا" غير قادرة على حل هذا اللغز، فماذا بقي؟ قبل ان نقفز إلى الاستنتاج الواضح دعونا نتريث ونبحث عن المزيد من الأدلة.

أمس شاهدت للمرة الثانية فلماً مرعباً لإحدى المدن السورية الكبيرة التي تحولت إلى حطام تام، تم تصويره من طائرة بدون طيار. لا شك أن أردوغان شاهد هذا الفلم قبل ان نشاهده بزمن طويل. ولا شك أن أردوغان شاهد بحكم موقعه، أكثر مما شاهدنا في الفلم، وبشكل حي ومجسم. فلم أثار القشعريرة في جلودنا نحن الناس العاديين! أليس من حقنا أن ننتظر من الإنساني أردوغان أن ينتحر من فرط الألم لما حصل للشعب الذي يفترض أنه كان مجنوناً بحبه؟ ولنفرض أن أردوغان قوي جدا يستطيع تحمل تلك المشاهد رغم "عواطفه الجياشة"، ألا ننتظر منه أن يعمل المستحيل لوقف هذه المجزرة؟ ألا ننتظر من ضميره أن يعتذر للشعب السوري راكعاً يطلب الغفران، لأنه ورطه (حتى لو كان عن حسن نية) بما تسبب له بكل هذا الدمار؟ لكنه لا يفعل شيئا من هذا، ولا يبدو عليه أثر لحيرة أو سهر. بل يبدو تماما كما لو أن الأمور تسير بالضبط كما كان يتوقعها وينتظرها، أو أنه لم يكن يهتم بما تسير اليه الأمور.

دعونا إذن نستبعد نهائيا فكرة أن أردوغان يعمل بدافع من ضمير متضخم الشعور تجاه الشعوب الجارة أو المسلمة أو السنية، فالأدلة أكثر من قاطعة في تفنيد هذه النظرية، فماذا يبقى لدينا؟ الاحتمال الثالث هو ان أردوغان رجل براغماتي شديد القومية والطموح، ويعمل من اجل تركيا، حتى في سياسته مع سوريا والعراق وأنه يطمح لضم أجزاء من أراضي هذين البلدين إلى بلاده. لكن هذا الاحتمال يسقط في حادثة بسيطة نسبياً، هي حادثة إسقاط الطائرة الروسية!

فليس هناك أي احتمال ان يكون لإسقاط الطائرة الروسية اية نتائج إيجابية لتركيا، وإنما الأذى الاقتصادي الشديد كما رأينا (آخر الأخبار أن مئات الفنادق التركية تعلن افلاسها بسبب مقاطعة روسيا لها. كذلك فأنها اثارت عداءاً شديداً وكرها كبيراً من الشعب الروسي تجاه تركيا، يمكن ان يتسبب في الكثير من الأذى لتركيا من هذا العملاق النووي. صحيح أن مثل هذه المغامرات لا يمكن أن تتم إلا بعد تنسيق مع اميركا والناتو وأخذ الضوء الأخضر منهم، بل وبإدارتهم، لكن تجارب أخرى مثل جورجيا تؤكد أن دعم الناتو لمثل هذه المغامرات ليس مضموناً، وأنها يمكن ان تخسر الكثير جداً بسببها، وليست خسارة بعض الأراضي الحدودية مستحيلة ايضاً. إضافة إلى ذلك فأن هذه المغامرة من الخطورة أنها هددت تركيا بتداعيات قد تفلت من زمام السيطرة لتتحول إلى حرب نووية تحرق تركيا عن بكرة أبيها قبل ان تصيب روسيا قنبلة ناتو واحدة!

وهكذا تسقط الطائرة الروسية احتمال ان يكون أردوغان طامحا قوميا مجنون بحب تركيا ويحتال على الآخرين من أجل ضم أراضيهم لبلده. فلا يبقى لدينا إذن سوى احتمال واحد: أن أردوغان عميل أمريكي أو إسرائيلي يتحرك بتوجيهات أحدهما! وحتى العملاء، يذهبون عادة إلى أذى اقتصاد بلادهم لحساب شركات أسيادهم مثلا، أو مشاركتهم حروبهم التي ليس لبلادهم ناقة فيها ولا جمل (أنظر مثلا توني بلير وفرانسوا اولاند... الخ)، لكن تعريضها إلى هذا الخطر الجسيم، بلا ضرورة، يؤشر ان العميل الذي أمامنا من النوع الذي تم دسه منذ نعومة اظفاره. وهؤلاء يطيعون الأوامر بلا تردد، ولا يعرفون كلمة "لا" ابداً! إنهم أخطر ما قد يصيب البلاد والمنطقة من ويلات! ومن الذي يمكن أن يكون قد اخترق الحزب بمثل أردوغان؟ ليس سوى إسرائيل في أسوأ الأحوال، وأميركا في أفضلها، وهما واحد، وأجندتهما واحدة للعرب والمسلمين كما ترينا إياه صور الطائرة المسيرة: التدمير التام والنهائي! كل الأشياء الأخرى وكل الأهوال والعذاب الذي ذاقه السنة من اية جهة كانت حسب تقديرهم، يصبح لعبة أطفال ومزحة صغيرة، أمام المصير الذي تريده إسرائيل لهم ولكل العرب والمسلمين!

هذا هو إذن أردوغان الذي يطبل له السفلة من ساسة السنة، وأخص منهم السفلة الذين لا يعرفون كيف يلفظون كلمة "الثنة" حتى الآن! وليس هؤلاء وحدهم اليوم، بل أني سمعت بعض أصدقائي "الواعين" يلمح بأمل به. وليس لدي ما أقول لهؤلاء الأصدقاء سوى: هذه هي الحقائق، ولكم أيها السنة ان ترتكبوا الخطأ الأخير الذي سيتوج كل الأخطاء والخطايا الماضية التي تسببت بكل الويلات لكم، وتراهنوا عليه إن شئتم، وتتحملوا مسؤولية التغافل الشديد عن كل الحقائق التي أمامكم، وأن تنتحروا الانتحار النهائي، و"تدخلوا الباب"، الذي اعتقد جازماً انكم لن تخرجوا منه أبداً!

حول نفس الموضوع، أنظر: صائب خليل – أردوغان والطائرة الروسية - خطورة أن يكون رأس البلاد عميلا

  كتب بتأريخ :  الأحد 07-02-2016     عدد القراء :  1383       عدد التعليقات : 0