حينما يفقد الفرد المسلم حسه الإنساني

كلنا قد قرأ عن الأطفال الذين يجندهم الإرهاب لأغراض قتالية أو لأغراض دفاعية . وآخر ما قرأت أن تنظيم الدولة قد جند الآلاف من الأطفال السوريين اليتامى للقتال في الموصل ، وإستخدمهم أيضاً كدروع بشرية في الأنبار .

إن من يقرأ التأريخ العربي والإسلامي لا يجد فيه أطفالاً مجندين ولم يستخدموهم كدروع بشرية للدفاع عن خيمهم أو صروحهم . أما الشباب المجند في هذه التنظيمات فهم غير مخيرين ،  فأما أن يختاروا البطالة أو التسول أو الإبحار إلى المجهول أو قد يلتجيء إلى من يعده بخير الدنيا وخير الآخرة ، وكيف لا يقبل وهو يائس من الدنيا ومعتقد بأن وراء مهنة القتل سيكون خير الآخرة ، وأظن أن هذه المهنة هي الوحيدة المتاحة له والتي لا تطلب منه تأهيلاً أو رأسمال غير جسده وهي تتشابه بشكل أو بآخر مع مهنة الدعارة .

إن وضع الطفل العربي هو بين فكي رحى تطحنه وتحوله إلى أداة للقتل بدل كونه أحد أهم أدوات البناء ، وإستغلالهم على هذا النحو هو جريمة إنسانية ، فالمجتمعات المتحضرة تكرس كل حضارتها لأجل أطفالها وتضع الأولويات لهم في قائمة حساباتها المعنوية والمادية وتحميهم الدولة حتى من عوائلهم وتوفر لهم الرعاية الإجتماعية وخاصة لمن يفتقدوا إلى العائلة والمأوى .

إن قراءة سريعة للأنظمة السياسية العربية البائدة سواء في العراق أو مصر أو ليبيا أو تونس نجد أن القمم الرئاسية تضع الهدف الأسمى لوجودها هو الإستيلاء الكامل على السلطة والموارد المادية للبلاد ، ومن الملاحظ أيضاً إن ما يسرق من أموال الشعب يوضع في حسابات الأبناء وهذا ما أُكتشف في جميع الدكتاتوريات العربية ، فهم يسرقون اللقمة والكتاب والرفاهية من حياة أبناء شعبهم ويحولونها إلى حسابات أبنائهم المتخمين . وحينما تأتي البدائل من تنظيمات إرهابية وسلفية وتكفيرية تُسلب أيضاً حقوق الأطفال

، ويوظفون الكيان الجسدي والمعنوى للطفل لصالحهم . ولو تساءلنا عن لب الإسلام لوجدنا أن القرآن الكريم ليس فيه نص واحد يدعو فيه إلى الإرهاب الحالي ، ففي قوله تعالى  : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) والتي هي أحسن  هنا ، هي الكلمة والحوار ، وهاتان الوسيلتان تعطيان المتلقي أن يختار طريقه بكل حرية ويسر ورأسه فوق جسده لم يُسلب منه لأنه من سيفكر ويقرر .

إن اسلوب القسر لأجل صناعة القرار لم يعد وسيلة حضارية ، وما يستخدمه الدعاة في كل الأديان هو اسلوب الحوار والإقناع ، لكن الخُلق المتميز والنبيل هو أفضل الدعاة وأكثرها نجاحاً ، وإن هذا هو أساس بقاء كل الحضارات لإتاحة الفرصة للأفراد بأن يقرروا توجهاتهم السياسية والدينية . أما مهمة السلطات فهي الحماية وليس القسر ، فهي موظفة لحماية كل ما هو موجود على أرض الدولة من مخلوقات حية سواء كانت إنسانية أو حيوانية وكل مكونات الطبيعة فيها . إن من الغريب أن نجد أن الدول المتحضرة لا تحتوي فقط الأطفال الفاقدي المأوى بل تحتوي أيضاً حتى الحيوانات التي ليس لها مأوى مثل الكلاب والقطط وتضعهم في دور خاصة يجدون فيها المأوى والرعاية ، أما نحن المسلمون فنسلم أيتامنا لمن يطعمهم كرهاً وكراهية ويطبعهم بطابعه الدموي . ومن المضحك أن نري أن الكلاب السائبة والمستشرسة في بغداد العريقة قد أخذت تحتل المباني المهدمة وخاصة الحكومية والويل لمن ينازعها فيها ، وهي تتجول ليلاً كألشقاوات ، ومن المعروف أن الإنسان والحيوان أيضاً يتطبع بطابع بيئته فإذا كانت بيئته لطيفة ومتسامحة فسيكون هو أيضاً كذلك ، أما العكس فالعكس أيضاً .

وفي الواقع أن السلطات المحلية لا تهتم لسكنة البلاد بجميع أنواعهم وأجناسهم  بخلاف الكلاب البوليسية المحيطة بهم . ولو قارنا بين مسؤول غربي ومسؤول عربي لوجدنا أن الأول يعتقد صادقاً بأنه مسؤول عن أصغر مخلوق في بلده مهما كان جنسه وخاصة فئة الأطفال والذين هم خميرة المستقبل والورود التي ستتفتح لتعطر المجتمع كله ، أما المسؤول العربي فهو يعتقد صادقاً أيضاً بأن الأطفال هم جنود المستقبل وحماة القصور الرئاسية فقط لا غير .

  كتب بتأريخ :  الإثنين 08-02-2016     عدد القراء :  3290       عدد التعليقات : 0