عبد الجبار وهبي.....سيرة مناضل مثال

منذ عام 1963،عام استشهاده، وكلما ذكر اسمه أمامي أو قرأت شيئا له او عنه، يتملكني شعور آت من صدى زمن بعيد و تملؤني عاطفة عميقة مشوبة بكثير من الحزن و قليل من التباهي، انه الشهيد عبد الجبار وهبي"ابو سعيد". و لم يقتصر الامر على ذلك فقط بل كنت اتذكره بقامته التي تميل الى القصر قليلا و نظارته الطبية و مشيته الهادئة الواثقة في واحد من شوارع منطقة راغبة خاتون في بغداد كلما سمعت ابنته الفنانة انوار وهي تردد:

"عد وآنه اعد و نشوف ياهو اكثر هموم من عمري سبع سنين و اكليبي مهموم".

عام 1959، ويومها كنت طفلا في التاسعة من عمري، كنا نتباهى في بيتنا لان ابو سعيد كان جارا لنا في منطقة راغبة خاتون. كنت انظر اليه باحترام كبير موشى بهالة من المهابة وشيء من القداسة، لاني عرفت انه كان سياسيا مطاردا خارج الوطن ابان الحكم الملكي، وانه مثل الكثير من الذين تضمهم وتعرفهم عائلتنا من الناشطين في الدفاع عن الجمهورية الفتية.

انتقلنا من راغبة خاتون وانتقل معنا اسم ابو سعيد وظل طيفه يلازمني حتى اللحظة مع سجله الإنساني المشرق، مثلما ستظل ذكراه كـ "سيرة رجل شجاع" محفورة في وجدان شعبه، وملازمة لذاكرة الاجيال القادمة.

بعد انقلاب 8 شباط الاسود خلد الجواهري الكبير استشهاد ابو سعيد في قصيدته الرائعة "سلاما " الى جانب رفاقه الشجعان سلام عادل والحيدري وابو العيس وعبد الرحيم شريف (ابو رائد) والشهداء الميامين الآخرين:

حماة الحمى و الليالي تعودُ

وخلف الشتاء ربيع جديدُ

سيورق غصن ويخضر عودُ

ويستنهض الجيل منكم عميدُ

سيقدمه رائد اذ يرودُ

ويخلف فيه اباه سعيدُ

وسافرة ستربِ النسورا

توفي ابا العيس فيهم نذورا

كتب الشهيد الدكتور صفاء الحافظ عن مطاردة السلطة الملكية لـ (ابو سعيد) واضطراره للهرب والاغتراب في سوريا مع رفيقة دربه المناضلة نظيمة وهبي، وتنقلهم بين دمشق وبيروت ودير الزور. ومما ذكره الشهيد الحافظ ان ابو سعيد كان معجبا بالصحفي اللبناني "امين الاعور" الذي قال عنه ان " قلمه جارح، يحلل المعاني ويضع يده على تعابير جميلة". كان أمين الأعور يكتب في جريدة الإخبار جريدة الحزب الشيوعي اللبناني آنذاك، وقال ابو سعيد مرة (بودي لو أزاول هذا اللون من الكتابة القصيرة المعبرة كتابة نحن في أمس الحاجة اليها في العراق). وقد حقق ابو سعيد امنيته بعد عودته إلى العراق غداة انتصار ثورة الرابع عشر من تموز، من خلال عموده الشهير في جريدة "اتحاد الشعب" الذي أصبح محط إعجاب وانبهار عشرات لا بل مئات الألوف من قرائه.

في بطاقته الشخصية نقرأ ان "ابو سعيد" كان عضوا في نقابة الصحفيين وعضوا في اتحاد الأدباء إلى جانب عضويته في نقابة المعلمين وفي حركة السلم العراقية، مما يدلل ان المناضل المثال كرس حياته كلها في العمل والنضال من اجل قضية اجتماعية عامة، وكونه رجل لم يترك دقيقة واحدة من وقته دون ان يقدم شيئا لشعبه ووطنه.

لم اقرأ لصحفي تتلمذ في مدرسة" اتحاد الشعب" في ستينيات القرن الماضي او أسمع منه وهو يتحدث عن تجربته الصحفية في تلك المدرسة، الا و يشير الى ابو سعيد وزميليه عبد الرحيم شريف وعدنان البراك وتاثره بهم، صحفيين ومثقفين ومناضلين، وقبل هذا وذاك اناس مشبعين بالتواضع والمرح وبروح عطاء لا ينضب وحب غير محدود لبلدهم وشعبهم، خصوصا فقرائه وكادحيه ومهمشيه. فليس صدفة اذن ان الثلاثة كانوا ضمن موكب واحد من مواكب شهداء الحزب الشيوعي.

الصحفي والروائي الراحل ابو كاطع (شمران الياسري) اشار في لقاءات ومناسبات عدة الى تاثره باسلوب ابو سعيد السلس واللاذع الساخر في الكتابة، آخرون وصفوا هذا الاسلوب بالسهل الممتنع.

كثيرة هي الاهازيج التي رددتها الجماهير بعد انتصار ثورة الرابع عشر من تموز، احدها الاهزوجة الشهيرة (اسأل الشعب ماذا يريد وطن حر وشعب سعيد). وحين حدث الخلاف بين الشيوعيين وعبد الكريم قاسم وبدأت الاعتقالات والمطاردة للعناصر الوطنية والديمقراطية ولاعضاء الحزب الشيوعي على وجه الخصوص من جانب شرطة النظام ومخبريه و"المجلس العرفي لشمس الدين عبد الله"، وظف ابو سعيد هذه الاهزوجة في عموده الشهير في "اتحاد الشعب" في مقال ظل عنوانه يتردد لفترات طويلة لاحقة:

(اسأل الشرطة ماذا تريد عبد الآله ونوري السعيد)، اشارة الى تلك الملاحقات والاعتقالات وللتحذير من الارتداد الذي بدأ يلوح في مواقف قاسم وسياسة حكمه.

في كتابه (العراق البيرية المسلحة) يذكر الكاتب والباحث علي كريم سعيد الظروف التي مر بها الشهيد ابو سعيد في المعتقل: فيقول )اعتقل عبد الجبار وهبي مع رفيقه جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي حيث تعرضوا الى تعذيب شرس في قصر النهاية يصفه الضابط محمد علي سباهي الذي كان عضوا بارزا في حزب البعث وتركه قبل 8 شباط: في عام 1963 زرت عمار علوش في قصر النهاية وكان مشرفا على التحقيقات فرأيت عنده عبد الكريم الشيخلي - وزير الخارجية بعد انقلاب 1968 - وايوب وهبي وخالد طبره وهناك فجاة رأيت الصحفي عبد الجبار وهبي ممدا على الارض وكان على وشك الموت يطلب الماء فيجيبه خالد طبرة (ها كواد تريد مني ماي)!!

وفي شهادة اخرى كتب الدكتور فؤاد بابان: كنت معتقلاً في قصر النهاية فرأيت عبد الجبار وهبي (ابو سعيد) مقطوعة احدى رجليه حيث نشرت بآلة قطع حادة وكان الى جانبه شخص آخر لديه يد واحدة.

رغم هذه العتمة الموحشة، وكلما حاولت تذكر ابن البصرة الشماء، مدرس الفيزياء الشيوعي، الصحفي اللامع والرجل المثال ابو سعيد وهو بين أيدي جلاديه تجدني اتخيله حاملا جراحه ساخرا هازءا منهم وهو يترنم بالاغنية التي كتب كلماتها ابن فلسطين الارض المحتلة سميح القاسم وصدح بالحانها فنان لبنان الحرب الاهلية مارسيل خليفة بعد سنوات من استشهاد ابو سعيد:

منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي

في كفي قفصة زيتون

وعلى كتفي نعشي

  كتب بتأريخ :  الإثنين 14-03-2016     عدد القراء :  1244       عدد التعليقات : 0