حــواء الأعـمـى

نظرت إليه برقة، واسترسلت بالكلام:

- أنت فتحت باباً سرياً قد أقفلت عليه ورميت مفتاحه في بئر مظلمة.... نعم..أنت محق.. حياتي ليست سوى هروب دائم..كالذئاب التي قدرها الجري والهرب من شيء غامض..ربما لا أبدوا كذلك في عيون الناس..لكني إنسانة محبطة..أحاول أن أحدّق إلى أعماق الهاوية بعيون مفتوحة..لا أخاف شيئا سوى نفسي....أتعرف..أنا أناضل..وأقيم الندوات..وأشارك في المؤتمرات والمنتديات..لكن في أعماقي مؤمنة بلا جدوى كل هذا..لقد رأيت كيف أن المعارضة والنشاط المدني صار مهنة ومصدر رزق وإثراء للبعض..شغل وبزنس..واستغلال لمعاناة الناس البسطاء وللحالمين أمثالك وأمثالي..وبرغم ذلك أستمر في النشاط والمشاركة..

كان آدم المسكين يستمع إليها بانتباه شديد، وأحس أنها ربما لأول مرة تواجه نفسها، فسألها مقاطعاً:

- لماذ تستمرين إذن..إذا كنت لا تؤمنين بذلك..أو إذا ما تكشف لك خواء كل تلك الشعارات.. وسقطت أمامك الأقنعة..؟

نظرت إليه نظرة يشع منها ألم دفين، وقالت:

- هل تعتقد أن الأمر سهل بأن تترك وراءك كل ما انفقته من سنوات..ومن تعب وسهر ومعاناة.. وحققت لنفسك اسماً اجتماعيا وسياسيا..!! لا الأمر ليس سهلا..حتى لو مرت بي حالات يأس بحيث أريد أن أرمي كل شيء وراء ظهري..

صمت هو للحظات..نظر إليهامتفهما ألمها واحباطها، وقال بنبرة متعاطفة:

- لكنك بذلك تضيعين عمرك في دورة شيطانية..وتدورين داخل متاهة لا تفضي إلى شيء..!

نظرت إليه نظرات محايدة وكأنها تتحدث لإنسان قريب منها، ثم واصلت:

- ليس تماماً..فأنا أؤومن بنضال الناس من أجل حقوقهم..وأننا كبشر قيمتنا الحقيقية هي في مواقفنا من الظلم والقمع وإهانة الإنسان..وأنا بالرغم من رؤيتي للأقنعة تتكشف أمامي..لكنني أواصل محتمية بمبادئي وأخلاقي..النضال صار مهنتي..لا أعرف أن أعيش دون ذلك..فليست أمامي أية بدائل حقيقية..إنني مشدودة لأفكاري وأخلاقي..

نظر إليها بمودة وأعجاب، وقال:

- لكن الأخلاق في الكثير من الأحيان تكون عبئاً..، تصير صخرة ثقيلة ..

فقاطعته مؤيدة:

- نعم..هذا صحيح..تكون الأخلاق عبئاً..وصخرة ثقيلة تدفع بنا إلى الهاوية، إذا لم نتحملها جيداً..الأخلاق أحيانا كالثعبان الذي يلتف على الروح..

من حوارات روايتي الجديدة " استراحة مفيستو"

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 15-03-2016     عدد القراء :  963       عدد التعليقات : 0