إرهاب 5 نجوم!

عبّرت صحيفة "الفاينانشال تايمز" في صياغة عنوان افتتاحيتها "هجوم على بروكسل، وعلى القيم الأوروبية" عن آراء ومقولات فريق كبير من القادة والزعماء السياسيين الغربيين، لا فقط عقيب هجمات بروكسل الارهابية التي ضربت "عاصمة الاتحاد الأوربي وحلف الناتو" يوم 22 من آذار الجاري؛ بل في أعقاب أي عمل إرهابي مشابه يضرب العواصم والمدن الأوربية والغربية، فمثلاً تم إطلاق هذه المقولة ردّاً على هجمات باريس في العام المنصرم، ردّدها أكثر من زعيم أوروبي وكرّرتها عناوين الصحافة الغربية.

سارع رئيس الوزراء السويدي عقب الحدث البلجيكي الأخير الى إدانة الهجمات الارهابية، ووصفها بأنها "هجوم على الديمقراطية الأوروبية"، ونظير ذلك سارع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مصرّحاً: "إنه هجوم على قيمنا ومجتمعاتنا المفتوحة"!

لا يماري المرء في ان فحوى هذه المقولة بتعدد ألفاظها تحوز على جزء من الدوافع والمرامي التي تحرّك الارهاب التكفيري اليوم، اذ ليس في ذلك كلام! ولكن هذا ليس كل الكلام، اذ من التعسف واللاموضوعية بمكان أن يتم اختزال منظومة الدوافع والمحركات والأهداف التي تحرّك ماكينة الإرهاب لتعيث في الأرض فساداً، من بغداد وبابل مروراً بدمشق والرقة وعدن وسيناء وسرت الليبية وصولاً الى باريس وبروكسل على انها تستهدف "القيم الأوروبية"، والتي تتماهى مع "القيم الغربية"، وتعتبر مقدسة لدى شعوبها! اذ كيف يمكن في مقاربة أقرب وقعاً الى الكوميديا، إقناع ذوي الضحايا وأبناء الشعوب المنكوبة في منطقتنا، بأنهم يدفعون منذ سنوات طويلة أثمان الهجوم على تلك "القيم الأوروبية" في عقر دارهم من دماء أبنائهم ومن عافية بلدانهم ومستقبل أجيالهم، وتحولهم الى حطب لمحرقة الإرهاب؟! وما شأن ضحايا تفجير انتحاري في سوق شعبي ببغداد حوّلهم الى أشلاء متناثرة، أو أطفال مدرسة ابتدائية في دمشق فحّمهم قصف إرهابي، أو عمال بسطاء أقباط يُذبحون على شاطئ سرت، أو إيزيديات يتم سبيهُنّ في سنجار بمقولة "القيم الأوروبية" تلك؟! ألا يفضي تبنّي مثل هذا "التأطير" والفهم الى إشكالية كبيرة تهزّ بدورها مشتركات تعريف الارهاب المهزوزة أصلاً، بواقع ان الارهاب حاز بجدارة على عولمته منذ سنوات طويلة وليس بحاجة للتذكير من أحد اليوم. أما هجمات بروكسل الأخيرة وقبلها هجمات باريس، وأخرى مماثلة في أوروبا، فهي في أحد تداعياتها بمثابة ناقوس خطر، بأن أهوال هذا الارهاب أكبر بكثير من تأطيره وتضييقه وفق الأهواء السياسية للزعماء الغربيين وصنّاع الرأي العام، الذين يحاولون عقب كل هجوم إرهابي دموي في الغرب أن يغطوا على فشلهم الأمني المريع، وإخفاقهم في محاصرة الارهاب؛ بل وعدم جدّيتهم في محاربته وتجفيف منابعه، أو معاقبة الدول الراعية والداعمة له (السعودية مثالاً)!

أين يمكن تلمسّ جدّية تبني قادة أوروبا لمفهوم ان الارهاب (الذي يتخذ من العواصم والمدن الغربية ساحة سهلة لأنشطته) يستهدف "القيم الأوروبية" المتباكى عليها، في حين -وكمثال- ان الرئيس الفرنسي هولاند "المفجوع" بضحايا هجمات باريس العام المنصرم، والذي هدّد عقبها بأنه لا يقبل "بأقل من القضاء على الارهاب"، يمنح مؤخراً "وسام جوقة الشرف" الفرنسي الى ولي العهد السعودي، وما تمثله دولته كراعية وداعمة للإرهاب التكفيري ومصدّرة لفكر التطرّف والتوحش الوهابي، ويعقب منح الوسام إصرار رئيس الوزراء الفرنسي على تقوية "العلاقة الاستراتيجية" مع السعودية، رغم عاصفة الانتقادات من المعارضة الفرنسية لخطوة تقليد الوسام للأمير السعودي، المتلطخة يداه بدماء اليمنيين والمنتفضين السلميين في المنطقة الشرقية والبحرين؟!

لقد شكّل تصريح رئيس الوزراء السويدي الآنف، تكراراً لصياغات لا ترتقي الى فهم عميق من القادة الغربيين لمستوى فداحة المأزق والمصاب والنكبة (هذا اذا أحسنا الظن، واستبعدنا فكرة الإصرار بعيون مفتوحة)، وللأسف يتداولها أغلب الزعماء الغربيون كلما ألمّ بأوروبا والغرب مصاب نتيجة عمل إرهابي من عيار هجمات باريس وبروكسل. ووصفت "الفاينانشال تايمز" الوضع القائم بعبارة: "كم هو سهل اليوم على الخلايا الإرهابية الهجوم على عصب المدن الأوروبية وشلها"! لذا فالطَرق على اعتبار أن الهجوم على "القيم الأوروبية" أو "نمط عيش الأوروبيين" هو ما يحرك الارهاب تحديداً في هذه الجرائم، وإقحام ذلك الفهم قسراً في معادلة الأحداث الجارية، هو -على الأغلب- قصور مفزع في إدراك مرامي الاستهداف الإرهابي؛ وإلاّ كيف نتوصل الى ذات النتيجة في إسقاط ذلك على كل الأنشطة الارهابية خارج حدود الغرب، والتي تستهدف شعوباً وبلداناً لا صلة لها بـ"القيم الأوروبية ونمط عيش الأوروبيين".. بلداناً تُشنّ فيها حروباً طاحنة تضع مصيرها على كف عفريت، وساهمت أحداثها حتى في إرباك المعادلات الدولية القائمة (بما فيها ضمن الاتحاد الأوروبي)؟!

يهدد الارهاب التكفيري مجتمعاتنا وجودياً جهاراً، ويتبنى الإبادة والاستئصال ضد الآخر، ويطبق ذلك عملياً بكل طاقته، وتدفع شعوبنا القسط الأعظم من الأثمان، وحينما لا يأبه اللاعبون الكبار لهذه الحقائق، ويركزون (حينما يحين وقت الجدّ) على "القيم الأوروبية" باعتبارها الدافع الأول لهذا الارهاب، تسفر النتائج عن ارتباك واضح في استهداف بنية الارهاب ومنابعه أو حواضنه النشطة، ويتبع ذلك تلبيساً في تحديد الدوافع الحقيقية التي تستهدف الآخر المختلف (المخالف) أو المناوئ، حتى لو كان هذا الآخر من أبناء العرق الواحد والقبيلة الواحدة والوطن الواحد أو الدين الواحد، أي انه إرهاب شمولي يُصنّف هذا الآخر (فهماً ومنطلقاً وتوظيفاً) في جبهة "العدو" الواحد، مثلما يعتبر دول العالم قاطبة "ساحة جهاده" وليست الدول العربية أو الاسلامية حصراً! وربما يمكن هنا استعارة التكثيف الذي استخدمه عقب تفجيرات باريس رئيس الاستخبارات الداخلية في ألمانيا في تحذير شامل من الخطر الذي تواجهه أوروبا: "أنشطة تنظيم داعش كانت بداية [حرب إرهابية عالمية] وعلى الدول الأوروبية أن تتوقع ان ما حدث في باريس قد يحدث في أي وقت"! إذن يدرك المسؤولون الأوربيون ان البشرية تشهد "حرباً إرهابية عالمية"، ولكن المقلق هو ان يتم إخضاع تفسير الدوافع الارهابية من قبل الساسة وصناع القرار الغربيين لازدواجية المعايير، مما يؤول بدوره الى رفع أكثر من علامة استفهام أمام جدّية الجهود في "محاربة الارهاب". فحينما يضرب هذا الارهاب أوروبا يفسّر على انه جاء بدوافع استهداف "القيم الأوروبية"، وحينما يضرب العراق -مثلاً- يكون بدوافع رفع "الظلم والتهميش والإقصاء" الذي يعاني منه المكوّن السنّي هناك!

* * *

مارس الغرب لسنوات طويلة استثماراً مستتراً ومتنوعاً لحروب الإرهاب المستعرة في منطقتنا، متخذاً إحدى أدواته سياسة التغاضي عن هجرة المتطرفين السلفيين من البلدان الغربية صوب مناطق النزاع في المنطقة، بواقع أن هؤلاء (وهم في الغرب) يشكلون خطراً قائماً في المدى المنظور ومستقبلاً، وقد اتخذت أغلب الحكومات الغربية تدابير غير معلنة لتسهيل تلك الهجرة (أو الانتقال)، عبر عدة إجراءات منها عدم "التضييق" على أولئك الملتحقين بالتنظيمات في مناطق النزاع، حيث بيّنت التقارير الاستخبارية الغربية المسربة بأن الأجهزة الأمنية في الغرب كانت تراقب عن كثب مثل هذه الأنشطة بصورة روتينية! وقد أثبتت الوقائع فيما بعد المآل الكارثي لسياسة التغاضي الغربية تلك، سيّما حين تتخذ طابعاً مكشوفاً، كالتزام الصمت (الذي جاء بمثابة ضوء أخضر) إزاء سياسة حكومة أردوغان في تسهيل عبور عشرات آلاف المقاتلين التكفيريين عبر الأراضي التركية الى ساحات النزاع في سوريا والعراق، قادمين من 120 بلداً، فكان لهذا التصرّف التركي مقروناً بالتغاضي الغربي عنه، دوراً كبيراً في توسيع رقعة النزاعات، وتمكين التنظيمات الارهابية من بسط نفوذها وسيطرتها على مناطق واسعة، مما ساهم في إطالة أمد تلك النزاعات والحروب، والتي خلّفت بدورها أزمات كارثية معقدة على الصعيدين البشري والمادي، لن يمكن محو آثارها لعشرات السنوات القادمة، ومن ذلك أزمة مئات الألوف من طالبي اللجوء الى دول الاتحاد الأوروبي، والتي أنتجت بدورها أزمات مستجدة خلخلت المعادلات القائمة في الاتحاد، وأوجدت تصدعات حقيقية في كيانه، كما ضربت "إجراءات الثقة" بين أعضائه في الصميم، وكشفت عن حجم التباين في التوجهات والسياسات بين الأعضاء، بما يهدد جديّاً في انفراط عقد الاتحاد عاجلاً أو آجلاً!

يضاف الى آليات ذلك التغاضي -الذي نحن بصدده- تمكين الدول الداعمة والراعية للإرهاب، وعلى رأسها السعودية، التي تنشط حواضنها في خلق الظروف الملائمة لاستقطاب أكبر عدد من المتطرفين من دول العالم، وتحديداً من الدول الغربية (أوروبا على رأسها، وليس في الأمر مصادفة)، وبدلاً من اتخاذ مواقف حازمة غربية ضد السعودية، يتم مكافأتها باستمرار، ومساندتها في المحافل الدولية باعتبارها "حليفاً استراتيجياً" لبعض الحكومات الغربية، وهذا ما تكرّس في مباركة العدوان السعودي (والتحالف العربي بقيادة المملكة) ضد الشعب اليمني بمبررات سعودية واهية، وتمنح هذه المباركة الضوء الأخضر لمملكة الشر في إشعال الحرائق والفتن والأزمات الإقليمية! هذا ما يلمسه العالم اليوم من التحرك الغربي إزاء المجزرة المستمرة في اليمن، خلا الأمر من بيانات خجولة تدين قصف المدنيين وتطالب الجزار السعودي وتحالفه بـ"شفافية" في تقاريره للأمم المتحدة! أما الترجمة العملية للشفافية الغربية فكانت ابرام صفقات أسلحة متطورة مع السعودية ودول الخليج المنخرطة في المجزرة اليمنية، وهذا بدوره يعجّل بتدشين فصل جديد أكثر خطورة في سباق التسلح في المنطقة، باعتبار ان إيران لن تقف متفرجة، كما سيضخ بعشرات مليارات الدولارات الى الأرصدة الغربية، مما يسهم في إنعاش اقتصادات دول الغرب، في ظل الركود الاقتصادي العالمي!

بالطبع، ما رشح مؤخراً بعد هجمات بروكسل الارهابية، يوضح بعض تبعات سياسة التغاضي عن أنشطة السلفيين والمتطرفين من الدول الغربية والتحاقهم بالتنظيمات في مناطق النزاع من قبل، فهؤلاء اكتسبوا خبرات ومهارات إرهابية بعد عودتهم لدولهم الغربية، من توسيع وقيادة خلاياهم (النشطة والنائمة) ميدانياً، دون الرجوع الى قادتهم في الشرق الأوسط، باعتبار ان "أهل مكة أدرى بشعابها"، وان غالبية هؤلاء هم من الجيل الذي وُلد في الغرب، وان أحد الأبعاد الخطيرة لهجمات باريس في العام المنصرم وهجمات بروكسل الأخيرة، هو ان معظم من خطط للهجمات ونفذها من الجيل الآنف ذكره! وحقاً كان الأمر مرعباً للأوربيين حينما صرّح رئيس الوزراء الفرنسي عقب هجمات باريس في نوفمبر 2015: "هناك أكثر من 10 آلاف شخص مدرجين على سجلات الأجهزة الأمنية في فرنسا، وأكثرهم على علاقة بالأوساط الإرهابية"! وللمرء أن يتصور الحال، حيث هذا الواقع في فرنسا وحدها!

ينبغي على القادة الغربيين اليوم، من منطلق مسؤولياتهم الوطنية داخلياً تجاه شعوبهم، وأدوارهم في الساحة الدولية، أن يدركوا بجدّية بأن خطر الارهاب لا تحدّه أو تبدّده المناورات السياسية الداخلية والخارجية، فلقد شهد العالم أجمع أن هذه المناورات قد أطالت في عمر الارهاب طيلة السنوات الماضية، وأصبح الخطر الإرهابي واقعاً معاشاً لا في عواصم المنطقة المنكوبة فقط؛ بل في عواصم أوروبا والغرب، والمنطق يستدعي من هؤلاء القادة وصنّاع الرأي العام أن يتجردوا عن نزعات تغليب المصالح الضيقة، وأن يبتعدوا عن التعسف في تنميط دوافع الارهاب بنسخته الداعشية المتوحشة، محاولين اختزاله على أنه يستهدف "القيم الأوروبية ونمط عيش الأوروبيين" فقط.. وكأنهم في ذلك يلجأون الى امتصاص غضب الجمهور الأوروبي سعياً لاحتواء الصدمات والتغطية على فشل السياسات الأمنية ومحاربة الارهاب! فهذا التنميط قاصر ومعتل، خصوصاً إذا تعدّى من كونه تصريحات للاستهلاك المحلي الآني الى رسم السياسات، والاستراتيجيات الهادفة للمساهمة في "دحر الارهاب".

لقد أسفر هذا المنحى الغربي في تنميط دوافع الارهاب حتى الآن عن انعدام الثقة بجدّية الأطراف الغربية في ملف محاربة الارهاب، وأسفر أيضاً عن استهانة صارخة من قبل هذه الأطراف ذاتها في لجم أو معاقبة الدول الراعية والداعمة للإرهاب التكفيري، كالسعودية وأغلب الدول الخليجية، وهذا بحدّ ذاته يشكل خطورة قائمة لا تقل عن خطورة هجمات إرهابية كالتي ضربت بروكسل أو باريس، بواقع ان الارهاب قد خرج من قمقم المنطقة، ومن طوْق حتى مروّضيه، واستسهل ضرب الأهداف في عقر دار الغرب! فهل تتفاعل شعوب العالم وتتعاطف وتتعاون لأن "القيم الأوروبية" هي المستهدفة.. أم لأن البشرية برمّتها هي المستهدفة، كونها تشكّل "الآخر" المحكوم بالإبادة من قبل توحش الارهاب التكفيري؟!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الخميس 24-03-2016     عدد القراء :  1812       عدد التعليقات : 0