توطين الإرهاب في الغرب!

سلّطت هجمات بروكسل الارهابية الأخيرة الضوء مجدّداً على استفحال خطر الارهاب التكفيري في العالم عموماً، وتنامي أنشطته الإجرامية في أوروبا والغرب خصوصاً، والشقّ الأخير شكّل بدوره قناعة لدى الجميع بأن هذه الأنشطة أضحت "صناعة محلية" في هذه البقاع، وليست مستوردة من مناطق وبؤر النزاع في الشرق الأوسط، بواقع ان التخطيط والتنفيذ بات محلياً بامتياز، ومما يضاعف من خطورة هذه الأنشطة، كونها تقلب الكثير من المعادلات رأساً على عقب، بينما ظنّ البعض (ومعظمهم في مراكز القرار) ان هذه المعادلات بمنأى عن هذا المآل!

عقب "صدمة" بروكسل التي استفاق إثرها الأوربيون مرة أخرى من وَهْم انها "حربهم هناك ولن تصل الينا"، يتم حالياً تداول مفهوم "الارهاب السلفي المستوطن في الغرب" كحقيقة قائمة لا تقبل القسمة على الأوهام والهروب من المسؤولية من قبل الحكومات الغربية، فلقد استحدث الإرهاب بالنسخة الداعشية المتوحشة كل أساليبه، وترك خلفه تلك الأساليب التقليدية التي دمغت مسيرة تنظيم "القاعدة" ونظائره منذ بداية الألفية، ولا مناص من تجرّع هذه الحقيقة من المسؤولين الغربيين أنفسهم، رغم انهم كانوا يردّدونها كثيراً كلما "استحدث" داعش وتوائمه الأساليب التي ينفذ بها أنشطته وأجندته الإجرامية في الشرق الأوسط، ولكن فيما يبدو فإن هؤلاء المسؤولين كانوا يتجاهلون بأن هذا الاستحداث الإرهابي سوف يتم تكريسه في الأنشطة الارهابية وسط المدن والعواصم الغربية ذاتها. ولا يمكن القول ان هؤلاء المسؤولين قد تفاجأوا بهجمات بروكسل مؤخراً، لأن إحصائياتهم تذكر بأن تنظيم داعش قد نفّذ حوالي 75 هجوماً خارج العراق وسوريا وليبيا واليمن منذ عام ونصف العام فقط! ولكن التركيز مُنصبّ ضمن التداول الأبرز حول تفجيرات باريس وبروكسل لاعتبارات أوروبية كثيرة، ومنها ان معظم المتورطين هم من الجيل الثالث للمهاجرين العرب والمسلمين في الدول الأوروبية، ممن وُلدوا وترعرعوا في القارة العجوز، ويعتبرون تلك الدول أوطاناً لهم، رغم استيائهم وعدم رضاهم على ما يصفونه بالتمييز المتبع ضدهم والتهميش الذي يقاسونه منذ نعومة أظفارهم!

أما عن عملية "توطين" الارهاب في الغرب، فلم تنشأ من فراغ أو بمحض الصدفة؛ بل وليدة عوامل موضوعية معقدة يطول تفصيلها، ولكن وعلى وجه الإجمال يمكن الإشارة الى بعضها؛ ومنها وجود حواضن سلفية كثيرة منتشرة في أوروبا وأميركا واستراليا، تعمل منذ عقود على تهيئة جيل من المتطرفين، شكّلوا مضخة بشرية تضخ المقاتلين والأتباع لتنظيمات "السلفية الجهادية" والتي على رأسها "القاعدة"! وأغلب هؤلاء المتطرفين ولدوا ونشأوا في أوروبا والغرب -كما سلف-، ومعظمهم مطّلعون على التقنيات العصرية ويتعاملون معها، كما يتحدثون بعدة لغات، ناهيك عن سهولة تنقلهم بين دول الاتحاد الأوروبي كمواطنين أو مقيمين دائميين، وغدت الأدبيات السياسية تشير اليهم بمصطلح "الجهاديين الأوروبيين"، لتمييزهم وفق خصائص موضوعية وعوامل جيوسياسية عديدة عن بقية "الجهاديين"!

لم يكن عسيراً إدراك ان التهميش والتمييز والشعور بالغبن الذي عايشه وكابده الجيلين الثاني والثالث من أبناء الجاليات الاسلامية في أوروبا والغرب، بالإضافة الى العزلة المجتمعية التي فُرضت على هؤلاء بفعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية ممّا جعلتهم ينزوون في مجتمعات منعزلة مصغرة عُرفت بـ"مجتمعات الضواحي والغيتوات"، قد أسهمت في تمهيد الأجواء وتهيئة الأرضية الخصبة لتفشي ثقافة التطرف، والجنوح الى الالتحاق بركب الجماعات الإسلاموية الراديكالية، المنخرطة في الأنشطة الارهابية للتنظيمات الدولية، بحيث ضاعف هؤلاء بمراتب من تأثير هذه الجماعات بين تلك الجاليات، وباتت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه بسهولة في المعادلات السياسية القائمة! وممّا زاد الطين بلّة ظهور وتفاقم التداعيات الخطيرة لظاهرة "الإسلاموفوبيا" في المجتمعات الغربية منذ مطلع الألفية، وما لها من دور كبير في تنامي ظاهرة تطرّف "السلفية الجهادية" في الغرب، كما أجّج نيران التطرف المستعرة في تلك المرحلة الترويج لنظريات غربية متطرفة بدورها والنفخ فيها، كنظرية "صدام الحضارات" للأميركي "صموئيل هنتنغتون"!

أما الحواضن في الدول الأوروبية والغربية فقد هيمن عليها لسنوات مشايخ و"دعاة" وكوادر كانوا أصلاً أعضاء وقادة في تنظيمات سلفية متطرفة في الشرق الأوسط، أغلبهم تم إدانتهم في بلدانهم بجرائم وأنشطة إرهابية خطيرة، ومعظمهم لجأ الى تلك الدول ليتخذها ملاذاً آمناً لإكمال أنشطته "الدعوية"، والزعم بأنه "ينبذ العنف"، وقد استثمر هؤلاء الى أبعد الحدود "المظلة الآمنة" التي تنعموا بها في تلك البلدان بما توفره أجواء الحريات، كما يلجأون الى تنظيم حملات "التبرعات الخيرية" التي تمولّ تلك الأنشطة بلا ملاحقة قانونية تُذكر، مع وجود تغطيات إعلامية مهتمة، يندر أن تتوفر بذلك التأثير في بقاع أخرى من العالم. ومن أشهر هؤلاء المشايخ المتطرفين عمر بكري وتلميذه أنجم شودري، أبو قتادة الفلسطيني، أبو حمزة المصري والملا كريكار. وقد أثار ذلك الكثير من الانتقادات بوجه الحكومات الأوروبية التي تسمح بتلك الأنشطة على أراضيها، و"تحمي" من يتزعمها في وضح النهار بذريعة ان قوانين تلك الدول لا تسمح للسلطات بـ"التضييق على الحريات التي تكفلها الدساتير والقوانين، بما لا يشكل مخالفة قانونية ما"! ويذهب كثير من المحللين والمهتمين الى أن تلك الحكومات كانت تعي ما تفعل، ولم تكن غافلة عن استشراف مخاطر تلك الأنشطة، ولكن ولمصالح ضيقة ترتبط أحياناً بالأحزاب والائتلافات الحاكمة، يتم تسخير هذه الظاهرة للضغط على بعض الحكومات في الشرق الأوسط، والتلويح بهؤلاء باعتبارهم "معارضات سياسية" يمكن دعمها لإحداث تغييرات في الدول المستهدفة بتلك الضغوط! وأوضح من عبّر عن هذا الواقع رئيس وزراء فرنسا السابق "دومينيك دو فيلبان" عقب هجمات باريس: "إن تنظيم داعش هو الطفل الوحشي لتقلب وغطرسة السياسة الغربية"! كما أشارت "الإندبندنت" في إحدى افتتاحياتها: "يجب أن نقر بنصيبنا من المسؤولية عن ظهور تنظيم داعش.. والنتيجة المؤكدة للتدخل الغربي في مناطق النزاع هو انتشار الجهاديين المتعصبين المعادين للغرب، كما إن الولايات المتحدة، ومن ورائها بريطانيا، كانت تحلم بإحياء عصر الإمبريالية الغربية دون ثمن يذكر"!

* * *

يدرك المراقب المغترب في أوروبا بأن هناك أكثر من علامة استفهام تصاحب ذلك التغاضي المفزع من قبل أغلب حكومات أوروبا الغربية عن الأنشطة السلفية المنتشرة في عواصمها وكبريات المدن؛ بل وحتى المدن الصغيرة عبر "المراكز الاسلامية" والمساجد و"النوادي الاجتماعية" التي يديرها السلفيون المتشددون، وتنفق فيها أموالاً طائلة يدّعي القائمون عليها ان تمويلها يأتي من "التبرعات" التي يتم تحصيل قسم منها من الجالية الاسلامية، والقسم الآخر من "ميسورين" في الدول الخليجية ودول إسلامية أخرى! لكن تقارير وتسريبات ذات صلة (منها ما نشره موقع ويكيليكس) تبيّن بأن مؤسسات سلفية وهابية مواظبة على هذا التمويل، إضافة الى بعض الأثرياء الذين لهم صلات بسلفيين و"دعاة" متشددين في الخليج يموّلون تلك المراكز بصورة منتظمة! وحجم التمويل الكبير الذي لا يمكن الإطلاع على أرقامه الحقيقية يفسّر وسعة الأنشطة السلفية في أوروبا والغرب، ومن ذلك تأسيس عدة فضائيات تروّج للتطرف والطائفية والكراهية ضد الآخر. وعلى ذكر التمويل، شهدت شخصياً هنا في الدنمارك كيف يعمد الشباب السلفي المتطرف منذ سنوات بطرق أبواب مساكن المسلمين أيام العطل الأسبوعية، لطلب التبرع لـ"ضحايا الحرب في الصومال وأفغانستان"، أو بذريعة تأسيس مركز إسلامي ما في أوروبا (وهمي، اذ لا يعرض هؤلاء أيّ منشور توضيحي عنه)، وبالطبع كانوا في ذلك التصرّف يقترفون مخالفة قانونية، لأنهم بحاجة الى موافقة رسمية معقدة، بينما كنت أستدل على بعض هؤلاء الموكولين بجمع التبرعات من أصحاب اللحى الكثة المرسلة والثياب القصيرة ممن ينتمون الى جماعات سلفية متشددة، ودائمو الارتباط بمركز سلفي معروف في منطقتنا! وهذه النقطة بالذات تشير الى مدى تغلغل هؤلاء في نسيج الجاليات العربية والإسلامية، واستعدادهم للعمل بصورة غير قانونية (كجمع التبرعات من السكان)، في ظل تغاضٍ رسمي يصعب تفسيره!

لا تَقل الحواضن التكفيرية السلفية خطورة في أوروبا والغرب عن توائمها في بلداننا العربية والإسلامية، والتجارب في العقدين المنصرمين أثبتت ذلك، بواقع انها مستوطنة بكل معنى الكلمة، حيث تكيّفت ببراعة مع بيئاتها المجتمعية غير الاسلامية، وهذا التكيفّ ليس قشرياً؛ بل منهجياً وفقهياً، اذ ما يجوز لـ"الجهاد" من أنشطة واعتبارات، وكذا "للمجاهد" في أوروبا والغرب، ليس بالضرورة هو ما يجوز لنظيره في "ساحات الجهاد" في العالم الاسلامي، والتجيير يتم تحت يافطة "فقه الضرورة". كما لم تخلو تلك الحواضن يوماً من متشدّدي "مشايخ ودعاة" التطرّف السلفي، إضافة الى توافرها (الحواضن) على الامكانات المادية، ناهيك عن انها يمكن أن تتزود بصورة منتظمة من مضخات الشحن التكفيري من الحواضن الأم في السعودية وباقي الدول الخليجية، مع ما يصاحب ذلك من انتعاش سوق الفتاوى بشدة تجاه "الغرب الصليبي الكافر" كلما دعت الحاجة الى استدعاء هذه الرافعة التي لم تخرج من الخدمة بعد! ويصبح يسيراً وفق ذلك توظيف أية هزيمة تُمنى بها التنظيمات الارهابية في الشرق، لتعبئة قواعدها والرأي العام الاسلامي وتوجيه الغضب والحنق والعداء نحو "الغرب الصليبي الكافر"، وتحميله المسؤولية عن تلك الهزائم، حتى لو كانت الهزائم قد نتجت إثر مواجهات مع سلطات وقوات محلية. ويكفي آنئذ الشحن المعنوي المعتاد الموجّه لـ"الجهاديين" في الغرب، وتكليفهم مهام النيل من العدو في "الغرب الكافر" والسعي لإبادته! وبالطبع يصاحب ذلك حملة إعلامية "جهادية" متعددة الأساليب، تسخّر فيها شعارات براقة ومضخمة ذات طابع عقائدي مشغولة بعناية!

من الوارد أن يُشكِّل البعض بأن توطين الارهاب التكفيري في أوروبا والغرب بكثافة ووتيرة أكبر لن يكون احتمالاً واقعياً، وذلك لأن الجماعات الارهابية لن تستطيع أن تعثر (كما في بلداننا المبتلاة بالإرهاب)على بيئات حاضنة محلية "تبايع" التنظيمات وتتعاطف معها بسهولة، لتؤمّن لها ملاذات آمنة أو جيوب حصينة، فتنطلق منها لممارسة أنشطتها القتالية، كما لن توفر لها الدعم اللوجستي المطلوب وما شابه! هذه الإشكالية لن تصمد طويلاً، أو لن تغدو مؤثرة -على أقل تقدير-، وذلك لأن التنظيمات الارهابية لن تنسخ في أوروبا والغرب ذات تجاربها الميدانية كما في الشرق، كالاستيلاء على المناطق والجبهات؛ بل ستمارس أنشطتها بما تتكيف وظروف البلدان و"الساحات" التي يتحركون فيها، وتنقل أنشطتها تحت الأرض (كما هو قائم)، حيث هدفها الأبرز زعزعة الاستقرار وبثّ الرعب ما أمكنها ذلك، وتحويل الهاجس الأمني الى كابوس يلازم الحياة اليومية للمواطنين، مما يؤول الى خلق حالة من انعدام الثقة بكفاءة الأجهزة الأمنية! وبالتالي لن تحتاج مثل هذه الأنشطة الارهابية الى بيئات سكانية موسعة لـ"تبايعها" ولتوفر لها جيوباً وملاذات آمنة تقليدية!

كما يمكن الادعاء بأن عناصر تلك التنظيمات لن تثنيها كثيراً غياب تلك الملاذات للتنقل بين ساحات العمليات المفترضة، فالانتقال من عاصمة الى أخرى سيأخذ أحياناً مسير ساعتين بالسيارة (مثلاً بين أمستردام وبروكسل). كما بات من الروتيني أن تستثمر تلك التنظيمات خبراتها التقنية في أساليب التزوير المعقدة لتزويد عناصرها في الغرب بجوازات سفر وبهويات مزورة يصعب كشفها غالباً، وكم أقلق هذا الجانب الخبراء الأمنيين، وأعاق كثيراً نجاعة إجراءات الكشف عن الارهابيين (خصوصاً المطلوبين منهم)، بالإضافة الى عامل آخر يصب في صالح الشبكات الارهابية، وهو الإسناد المنظم من قبل أجهزة الاستخبارات التابعة للدول الداعمة للإرهاب، وهذا ثابت بالأدلة والقرائن التي لم تكن بعيدة عن متناول السلطات في الغرب، حيث يتم التلميح بين فينة وأخرى من قبل الأخيرة الى تورط محتمل لأجهزة الاستخبارات السعودية والتركية والقطرية في هذا الأمر، وهذه الأجهزة لم تكن بريئة يوماً من تلك الشكوك والاحتمالات، لا سيّما وان وثائق كثيرة قد سربتها الصحافة الغربية تدعم ذلك!

لقد أثبتت التجارب المرّة في أوروبا بعد هجمات باريس وبروكسل، وكذلك هجمات مماثلة في أوروبا والغرب، بأن حاجة الارهابيين الى التحرك والتنقل عبر الحدود لم تشكّل عائقاً لتنفيذ كل تلك العمليات، ومن المرجح أيضاً ان تشديد الإجراءات الأمنية الاحترازية في الاتحاد الأوروبي لن سيشكل عائقاً هو الآخر، حتى وان اتّخذت طابعاً مبالغاً فيه بما يؤدي ربما الى الإطاحة بمعاهدة "شنغن"، وإعادة تثبيت المنافذ والنقاط الحدودية بين الدول الأعضاء!

* * *

كانت استراتيجية تنظيم "القاعدة" تَطرُق على مقولة "المواجهة مع الغرب الصليبي"، وكأنه بذلك يتبنى بشدة حتى في صياغة بياناته و"أدبياته" نظرية "صدام الحضارات" المذكورة، وهذا التبني كان في حدّ ذاته قد خلق شرخاً كبيراً في توجهات قادة التنظيم فيما بعد، وأفضى الى انقلاب كثيرين منهم على التنظيم، وأعلنوا الانشقاق ليذهبوا بمتبنياتهم بعيداً عن "القاعدة"، نحو تنظيم "داعش" وتوائمه، لتحقيق هدف إقامة "دولة الخلافة" أولاً؛ ثم وبعد "التمكين" يتم الانطلاق نحو غزو "الكفار الصليبيين"! ولا ننسَ أن من هؤلاء "الجهاديين الأوربيين" من شكّلوا طليعة الانتحاريين والذباحين الذين خدموا إرهاب داعش في مدن العراق وسوريا وليبيا، كما قرّب زعيم التنظيم "البغدادي" بعضهم فأصبحوا من مستشاريه وقادة في دويلته التي يتزعمها!

لكن يبدو من سياق الأحداث بعد سنوات على الأرض وما أسفرت عنه الوقائع إثر هذا التبني، فإن الرياح جرت بما لا تشتهي سُفن داعش ونظائره، حيث أعقب المكاسب الميدانية السريعة للتنظيم (بفعل عوامل كثيرة خدَمته) تقهقراً نتيجة هزائم وانكسارات في سوريا والعراق، إضافة الى تبرّم في صفوف المقاتلين غير المحليين، أولئك الوافدين من أكثر من 100 بلد، بعدما قضوا سنوات في مناطق النزاع، فاكتشفوا مؤخراً بأن الكماشة تنطبق عليهم بشدّة يوماً بعد آخر، وأن حلم "الخلافة" لم يكن سوى سراب شكّله مسرح الذبح وسبيّ النساء وحرق الأحياء واستعباد الأهالي والتصفية بلا رحمة لأي "مجاهد" يعترض على أو يتقاعس في تنفيذ أوامر التنظيم الصارمة! ممّا أوجد حالة من التململ لدى الكثير من المقاتلين الوافدين، اذ أسفر عن هروب الكثير منهم والعودة الى بلدانهم، وكان نصيب الدول الأوربية والغربية كبيراً في هذه "العودة"، وبعض هؤلاء قد أُلقي القبض عليهم تحت طائلة قوانين مكافحة الارهاب، والبعض الآخر قد تطوع بالكشف عن أسرار داعش (أو التنظيمات المتطرفة الأخرى التي هربوا منها). ولكن هذا لا ينفي بأن كثيرين قد آثروا أن يكملوا "جهادهم" في أوروبا والغرب بآلية جديدة، غير تلك التي تشربوها في مناطق النزاع، وقد تكرّست من هذه الآلية ظاهرة "الذئاب المنفردة"، التي تجعل الإرهابي السلفي يتصرف من وحي قناعاته دون تلقي أوامر مباشرة لتنفيذ عمليات إرهابية اتصفت بأنها ذات طابع فردي! وكانت منها عمليات في مدن فرنسية في فترات متفاوتة، وذبح جندي بريطاني في شارع لندني عام 2013، وعملية إرهابية في كوبنهاغن العام المنصرم، وكذا الحال في أعمال إرهابية شهدتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، تم اعتبارها نذير لظاهرة إرهابية خطيرة ينبغي تطويقها بوتيرة أسرع واهتمام أكبر.

انطلاقاً من واقع تسرّب وهروب "الجهاديين" الأوربيين من تنظيم داعش، لجأ الأخير الى العودة لتبني استراتيجية "القاعدة" والتي انقلب عليها في السابق! اذ يعمد مؤخراً الى تفعيل آلية ومفهوم "المواجهة مع الغرب الصليبي" على انه "العدو الذي يقف وراء مآسي ومآزق العالم الإسلامي"! وطبعاً لا يمكن اعتبار هاجس داعش في الحفاظ على مقاتليه الغربيين هو المحرك الوحيد لتبني استراتيجية "القاعدة" تلك؛ بل أحد المحركات التي تمت الإشارة اليها آنفاً، كما يلمس مؤخراً بأن داعش قد عمد الى تصحيح صورته التي تصدعت وتشوهت كثيراً بفعل شناعة إرهابه واقترافاته في حروب الارهاب التي تدور في الشرق الأوسط، فاتجه نحو إشعال الساحات في "الغرب الصليبي" وتصويره على انه "جهاد" لا شائبة فيه يعتبره "محل إجماع عموم المسلمين" حسب قراءته! ويهدف التنظيم من ذلك استمالة المتشددين السلفيين في الغرب، أو ممّن هرب من مناطق النزاع من المقاتلين الوافدين من أوروبا والغرب، كما يهدف الى تجنيد آخرين ممن يتفاعلون مع هذا النمط من "الجهاد المحلّي" في الغرب، وبالتالي استغلال هذه الأحداث من أجل تحويلها لورقة ضغط فاعلة يمكن أن تساهم في إيقاف هزائمه، بعد ظهور بوادر جادة في تفعيل تعاون دولي للقضاء عليه.

لا شك ان داعش قادر (وكما أثبتت التجارب) على استثمار التصعيد الأخير لخطاب الكراهية من اليمين المتطرف بعيد هجمات باريس وبروكسل، وذلك بتأجيجه أيضاً خطاب الضدّ المتصدي لتطرف اليمين المتشدد، وهذا ما بدأ يُقلق دوائر القرار في أوروبا والغرب، فأي تصعيد من اليمين المتطرف واقتناصه مواقع أكثر في المشهد الغربي وفي الشارع السياسي، يقابله استثمار للحالة من قبل الخطاب السلفي المتشدد والذي يتزعمه حالياً تنظيم داعش، وما زاد القلق لدى تلك الدوائر هو ذلك التوظيف المدروس في الخطاب الداعشي في الآونة الأخيرة، الذي يظهر على صفحات مجلة التنظيم المركزية "دابق Dabiq" بالإنجليزية، ممّا شكّل صداعاً لدى تلك الدوائر، في كيفية التصدي لهذا الخطاب وتفكيك مفخخاته! كيف لا وفي فرنسا وحدها يتوضح حجم المخاطر على لسان الدكتور "سكوت اتران" أستاذ وعالم إنثروبولوجي أمريكي فرنسي في دراسة ميدانية بالقول: "على الرغم من أن المسلمين في فرنسا يمثلون 7 إلى 8% من عدد السكان، فإنّ 70% من المعتقلين في السجون الفرنسية هم من المسلمين.. وهو واقع جعل عدداً كبيراً من الشباب الفرنسيين المسلمين عرضة للأفكار المتطرفة في السجون وخارجها. وعلى ضوء هذا وعوامل أخرى؛ نفهم لماذا يجد داعش أرضاً خصبة في فرنسا، ولماذا عدد الفرنسيين المنضمين إلى داعش أكبر من أي دولة غربية أخرى"! وفي سياق متصل، يدق رئيس الوزراء الفرنسي ناقوس الخطر عقب هجمات باريس الأخيرة: "هناك أكثر من 10 آلاف شخص مدرجين على سجلات الأجهزة الأمنية، وأكثر من نصف المسجلين على هذه القائمة مدرجون بصفتهم إسلاميين متطرفين أو أشخاص على علاقة بالأوساط الإرهابية"!

* * *

تفرز طبيعة التعقيدات والأحداث المتسارعة في الساحة الأوروبية (وكذا الغرب) تخادماً غير معلن، أو على وجه الدقة غير متفق عليه، بين التيار الإسلاموي المتطرف هناك بأنشطته المؤسساتية والتنظيمية والإرهابية، وبين تيار اليمين الأوروبي المتطرف، فالطرفان يصعدّان المواقف وفق أجنداتهما، لكنهما يغذيان في ذات الوقت خطط ومحركات الطرف المقابل لكل منهما! بمعنى ان تصعيد التطرف الإسلاموي المتشدد يتم استثماره من قبل اليمين الأوروبي وأيديولوجيته في التطرف (زائداً تناغمه مع الحركات العنصرية)، والطرفان يتسابقان حالياً لكسب أكبر عدد من المؤيدين والأتباع رغم أن الجو العام بحاجة الى نبذ التطرف بجميع أشكاله! فلقد صَعّد اليمين المتطرف مؤخراً بعد عمليات باريس وبروكسل من خطاب الكراهية ضد المسلمين (وبالأخص اللاجئين الذين سببوا أزمة لأوروبا مؤخراً)، ويوصمهم هذا الخطاب بأنهم "غزاة يستهدفون محق الحضارة الغربية"، وما الى ذلك من مزاعم مشحونة بالازدراء والشوفينية. وفي المقابل يتلقف معسكر التطرف الإسلاموي هذه المقولات ليصوغ إثرها مبررات ومسوغات لخطابه المضاد الذي لا يقل شحناً وكراهية وإرهاباً هو الآخر!

هنا تكمن صعوبة التصدي للمعضلة الارهابية في الغرب، فالحلول الموضوعة المعمول بها والمنظورة في معالجة ظاهرة الارهاب والأنشطة الارهابية في أوروبا والغرب ترتكز في الغالب على حلول أمنية، وهذه قد أثبتت عجزها عن حسم الأمور حتى الساعة، لأن المعضلة أعقد من أن يتم تضييقها في إطار أمني، بينما هي في جانب كبير منها تُعتبر نتاج صراع قائم بين تيارات وأيديولوجيات تقف على طرفي نقيض، يقودها متطرفون من الطرفين، والأنكى ان التجاهل من قبل الحكومات الغربية ذات الصلة لهذه الحقائق يسهم في تغذيتها وديمومتها، سواء كان منشأ التجاهل قصوراً أو تقصيراً. هذا اذا أضفنا الى ذلك التجاهل ضعف البرامج والحلول المتبعة في إدماج جيل الشباب المسلم في الدول الغربية، خصوصاً أولئك الذي يشكلون الجيل الثالث، ممّن ولدوا ونشأوا في تلك البلدان ويعتبرونها أوطانهم، كما يُحسب ضد تلك الحكومات تساهلها (غير المبرر على أقل تقدير) في إفساح المجال لزعماء التطرف والتشدد الإسلاموي ومنهم المجاهرين بدعم الارهاب، في المضي بأنشطتهم مستغلين مظلة الحريات التي تكفلها الدساتير والقوانين في الظروف العادية، في الوقت الذي كانت الغرب متحمساً لملاحقة مفكر مرموق كالفرنسي "روجيه غارودي" قضائياً لأنه أبدى مجرد رأي شكّك فيه بحقيقة "الهولوكست"! فهل ما تنقص الحكومات الغربية اليوم بشكل حاد هي المصداقية المطلوبة في محاربة الارهاب، سواء كانت في مناطق النزاع المستعرة، أو على أراضي أوروبا والغرب؟!

*إعلامي مقيم في الدنمارك.

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الخميس 31-03-2016     عدد القراء :  1874       عدد التعليقات : 0