عـن شعور الوحــدة.. والأنانية العميقة..وشهوة التملك..

- ما بكَ..؟

- لاشيء بي..أشعرُ بالوحدة..

- وأنت معي أيضاً..؟

- بصراحة..: نعم..أنتِ نفسكِ لا تفكرين إلّا بنفسكِ..

- يبدو لي أن لديكَ فكرة سيئة عني..!؟

نظر إلى جانب الطريق..ثم التفت إليها وقال:

- أتعرفين..يحدث أحيانا أن تراودك فكرة ما..فكرة أقرب إلى الجنون..فكرة أنك تجدين من تحلمين أن تكوني معه..وتتصورين أنك وجدت قدرك الجميل..فكرة أقرب إلى الجنون..فكرة من القوة والوضوح تبدو لك أنها واقعية..وحقيقية..وممكنة جداً..بل وملحة..وقابلة للتحقيق..لكن سرعان ما تتحول هذه الفكرة إلى سم حقيقي للروح..وتجدين أنك سممّت حياتك بهذه الفكرة..لاسيما حينما تجدين نفسك وحيدة مرة أخرى..!

نظرت إليه وكأنها توبخ طفلا وقالت:

- الحياة كابوس..بل هي في أحسن الأحوال حلم سيء..وأنصحك..لا تذكر للناس أنك وحيد..وغير سعيد..لا تذكّر أحداً بمصيره ومعاناته التي يخفيها عن غيره، فالناس تهرب من وحدتها وتعاستها.. ووحشتها..وتحاول أن تقنع نفسها أنها سعيدة..وأن الحياة هي هكذا..بينما تحاول أنت أن تشعرهم بوحدتهم ..

- لكنك كما يبدو لي لست من هؤلاء..كما أنك لست وحيدة..لديك ابنة..وكان لديك زوج..!

لم تجبه..نظرت من نافذة السيارة..انتبه آدم المسكين إلى أن السيارة تسير في طريق صحراوي.. ليس هناك سوى كثبان من الرمل..لا شيء في الأفق سوى الرمل البرتقالي..وهما في سيارة سوداء تنهب الطريق الإسفلتي مسرعة..استغرب آدم المسكين..فهما الآن في الصحراء، بينما المسافة بين المقبرة والمدينة ليست بعيدة..وهي داخل المدينة...وكانا قد رجعا قبل قليل منها إلى المستشفى.. وهما كما يفترض أن يكونا في الطريق نفسه الذي أتيا منه..أراد أن يسأل السائق الذي لم يكن يرى من جسده شيئا..إلّا أنها التفت إليه وقالت:

- سأعترف لك بشيء..أنا لست أنا..مثلما أنت لست أنت..لست رقيقة القلب كما أبدو لك أو تصورتني.. ولست حلماً أرضياً..أنا عملية..أحب الأقوياء..لا أحب المتشكين..التعيسين، الضعفاء الذين لا يأخذون مصائرهم بأيديهم..الذين يشعرون بأنهم ضحايا القدر..هؤلاء الذين إذا وضعتهم في الجنة لرددوا مع أنفسهم: يا للجحيم..أنا لا يهمني أن أكون عاشقة..لست رومانسية..لا أريد الخضوع لمشاعري التي تجعلني ضعيفة أمام اي رجل..المهم أن يحبني الرجل ويهتم بي..هذا ما يعنيني أكثر مما يعنيني أن أكون عاشقة..

- لكن الحب يطهر القلوب من رجس الأنانية....!

نظرت إليه نظرة ساخرة وسألت بمزاح:

- وهل الأنانية رجس..!..أنت قارئ جيد للكتب يا آدم...وربما قرأت كما قرأتُ أنا في شبابي لكاتب مشهور..يقول بأن الأنانية العميقة هي أساس جميع الفضائل..وأن فضيلة أي عمل هو على قدر ما ينطوي عليه من أنانية..أحبب نفسك أيها الكائن تلك هي القاعدة..والحياة صفقة..فلا تهدر مالك..انتبه لحقيبتك.. ولا تعط منها إلّا ما يحقق لك السعادة واللذة..

-الأنانية العميقة..ما هذا..؟

- إياك أن تخلط بين الأنانية وشهوة التملك..أن تمتلك الآخرين ومشاعرهم..فتلك قضية خاسرة..لأنك حينها تفقد نفسك..! إنني أعرف أن الصراحة شر أحيانا..لكني أشعر بلذة خلع القناع أحيانا..وليس الجميع من يحسن ذلك..أتعرف ما هي مشكلتك يا آدم..

نظر إليها متسائلاً لكنه لم يسألها، فواصلت هي:

- مشكلتك أنك في عزلتك لا تسمع سوى موسيقى الصمت..بينما لو أنصتّ للحياة لوجدتها جوقة صراخ وضوضاء..بل حتى كوكب الأرض فأنه في الكون اللانهائي لا يطلق سوى الأنين والآهات..!..

من حوارات " استراحة مفيستو"

  كتب بتأريخ :  الجمعة 08-04-2016     عدد القراء :  2418       عدد التعليقات : 0