الطاعة وارادة التغيير
بقلم : عبد المطلب عبد الواحد
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

[email protected]

الطاعة في التعريف الشائع هي العبادة وهي ليست موضوعنا هنا، ذلك ان العبادات والطقوس الدينية والاعتقادات بمجملها امر منوط بالحريات الشخصية والقناعات الفكرية التي تنص عليها لوائح حقوق الانسان والقوانين الدستورية لاغلب بلدان العالم وخصوصا المتحضرة منها. وفي هذا الاطار تحديدا، تعتبر ممارسة الطاعة حقا مشروعا جديرا بكل احترام.

والامر الهام الذي يعنينا، هو ما يتعلق بالطاعة كونها تشكل في الواقع المعاش، منظومة تقاليد وعادات راسخة وسلوكيات اجتماعية مهيمنة على اللاوعي الجمعي للمجتمعات العربية الاسلامية خصوصا، وفي غيرها ايضا، تلك المجتمعات، التي ما زالت في الغالب لم ترتق العتبات الاولى من سلم التطور العلمي والحضاري، غارقة في ازماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بلا افق واضح او نظرة استراتيجية تؤشر لمستقبل واعد. وتقترن شدة وانفراج فاعلية منظومة الطاعة في تاريخنا العربي والاسلامي اعتمادا على ادراك المرجعيات القابضة على زمام السلطة، لضرورة الانفتاح والتفاعل مع الانجازات الحضارية للانسانية، وموقفها من الحريات الفردية، وبشكل ادق على ما تسمح به من هوامش ولو محدودة لحرية الفكر والابداع، في محيط نفوذ هذه المرجعيات، وتحت سطوتها .

ان قوة الطاعة والتقاليد تتحكم في ايقاع حياتنا اليومي، على صعيدي الفعل والاداء، فرديا وجماعيا، على مستوى السياسة والاقتصاد والثقافة. وينسحب ذلك الى الموقف من العمل والانتاج وكيفية الحصول على الدخل، والعلاقة مع الذات، ومع الاخر، اتفاقا واختلافا. وكذلك في ما يستتبع الطاعة والتبعية من طرف خاضع واخر مسيطر. ويمثل العراق منذ ما قبل تشكل الدولة الحديثة، وما بعدها، وراهنا، حقلا لهذه التجليات، او ربما نموذجا بانوراميا لمرتكزات ثقافة الطاعة والخضوع، مع الاخذ بنظرالاعتبار تمظهرات مرحلية محدودة اقل جهامة واكثر انفتاحا، حصلت هنا وهناك، بقوة وتأثير الدور الشخصي للقابض على زمام السلطة، وبدرجة اقل ارتفاع اصوات الاحتجاج الاجتماعي على اثقال فروض الطاعة والتسلط.  

والطاعة  تعيد انتاج ذاتها اعتمادا على مؤثرات وجذور دينية، لكنها ليست دينا بعينه، وتعبر عن نفسها في الخضوع غير المشروط لرموز مفترضة مقدسة، استمدت قداستها من تراكم التجربة الشخصية والمعرفية للجماعات البشرية في بواكير تشكلاتها، وتَفتُحْ وعيها الجنيني على الصعيد المعرفي التاريخي، وفي مجرى الحفاظ عن وجودها الانساني، ولسد عجزها امام غضب وقسوة قوى الطبيعة وخوفها من القوى الماورائية. وهي غير مشروطة لانها قائمة على اليقينيات، و بالاحرى اليقينيات المطلقة التي تستعصي على النقد والتفكيك بسبب من القداسة المسبغة عليها مما يدفع الى الانشداد والتعصب لها، باعتبارها ثوابت غير قابلة للمس. و بدوره فان التعصب لها  والانغلاق عليها والتفاخر بها يرفعها الى مرتبة القيم العليا التي يستوجب الذود عنها بالدم، كما يغذي حالة ثباتها، متجسدةً في الانتماء للعرق او الطائفة والقبيلة كهوية ضامنة للامن الشخصي والتوازن الاجتماعي، دفاعا عن القبيلة وزعيمها من جهة، واحتماءا بهم من جهة اخرى، وهنا يتنحى مفهوم الوطن ويغدو هلاميا، ولن تعود الهوية الوطنية هوية جامعة للجميع.

[في مجتمع القبيلة والطائفة تتحدد منزلة ومكانة الافراد سلفا وربما بالوراثة،(والامثلة كثيرة في وضعنا الراهن)، اذ سيكون لعائلة او لشخص ما دورا يضعه في قمة الهرم الاجتماعي، يأمر فيطاع، ويترتب على الاتباع السمع والطاعة فقط لاغير، اذ بها وحدها (الطاعة)، يتحدد القبول او التهميش والاقصاء، من قبل زعيم الجماعة وبطانته، او من قبل الجماعة ذاتها، وهنا سيكون الولاء هو سيد الموقف. وبقدر ما يتبارى الاخرون في تعظيم وتأليه القائد "الضرورة"، تتحدد منزلتهم الاجتماعية والوظيفية وعملية حصولهم على مورد عيشهم، اي ان الكفاءة والمقدرة الشخصية وسمو الاخلاق والثقافة ليست معيارا اساسيا في مجتمع الطوائف.] (*)

وعموما فانه وبسبب العصبيات التقليدية التي تتواجد بشكل متفاوت في المجتمعات الشرقية وخصوصا العربية الاسلامية، وعلى الرغم من كل ما يجري الحديث عنه اعلاميا، عن الشروع في انتهاج طريق الديمقراطية، وعن حكم المؤسسات ودولة القانون، يحصل في التطبيق العملي تجاوزا فظا على القوانين، ذلك لان التقاليد تتفوق في شدة حضورها وكثافتها وقوتها، على قوة القانون. ويسري ذلك على اغلب وربما جميع (باستثناءات محدودة جدا) مؤسسات المجتمع بما في ذلك الاحزاب والجمعيات الاهلية والمنظمات غير الحكومية.

وفي واقع الحال، يعيق نظام الطاعة والتقاليد المصاحبة له، الارادة الحرة للافراد ويقصي محاولات التفكير المستقل، ويعتبر اي امكانية للتغريد خارج السرب فعلا من افعال الخروج عن الطاعة، والخروج عن الطاعة يعني الخروج عن الملة، وهذا يعني التكفير حينا، وحينا آخر يمثل اقصى حالات الخيانة في نظر الزعيم القائد وفي نظر اتباعه والمتنفدين من حوله ، وربما فعلا من افعال العار التي تستوجب الوأد، ولذلك يموت الابداع وتتحول الحياة الى دوران رتيب في فلك القائد الفرد والتسبيح بحمده. والسيد القائد هنا لا يهمه من امر رعيته، والدولة والوطن، سوى الحفاظ على السلطة والنفوذ باي ثمن، حتى لو تربع على جماجم اشد المقربين اليه من حاشيته ورعاياه.

في هذه الانظمة التي يغيب فيها العقل والتفكير المستقل وتختنق ارادة الحياة لدى الجمهور، سيتعطل الانتاج المعرفي والمادي والاقتصادي مترافقا مع عطل الحرية والعطاء الروحي، ويحل البؤس والخراب. وسيتشارك المتنفذون الاقوياء في تحاصص السلطة والحصول على غنائمها وتقسيمها بين الاتباع المقربين، وعندها يغدو الفساد ثقافة مُشاعة اجتماعيا، وربما يتطورالى آفة تبتلع الوطن باكمله. وعلى الرغم من الدور الذي يلعبه نظام السيطرة والطاعة في اعادة تدوير التخلف، وفي عرقلة ظهور قوى التغيير الاجتماعي، فان عملية التغيير تبقى امرا ممكنا رغم ضخامة الصعوبات  الناجمة عن ارث الانشداد للماضي والتعصب اليه، وقوة وشراسة المتنفذين من اصحاب المصالح .

واذا تأملنا المشهد السياسي للعراق منذ سقوط الدكتاتورية حتى الان، والازمات المتكررة، التي عصفت به، وما زالت تتفاقم يوما بعد يوم. نجد جليا، ان جذرها يكمن اولا، في الارث البغيض للدكتاتورية الذي اعاد انتاج نمطه، متكئا على هشاشة وتخلف بنية النظام الجديد، وثانيا في عجز نظام المحاصصة الطائفية والاثنية عن بناء دولة وطنية ديمقراطية فدرالية تتسع، لمواطنيها العراقيين للعيش بسلام وكرامة انسانية، متساوين في الحقوق والواجبات. ان هذه الازمات المتوالدة على مدى الثلاثة عشر عاما الماضية، لم تكن قدرا محتوما على شعبنا، بل لان القوى السياسية التي وصلت الى السلطة مدعية تمثيل المكونات المجتمعية، كانت ومازالت معنية بالسلطة والسلطة فقط، وتقاسم غنائمها والحصول على الثروة والنفوذ بوسائل التفافية لا مشروعة، وليست مهتمة جديا ببناء الوطن واصلاحه وتقدمه.

ان هذه القوى وعبر زعاماتها ورموزها في المراكز الحيوية لسلطة القرار، هي بالضبط من شرعن للمحسوبيات ولنمو المافيات والمليشيات المسلحة والشركات الوهمية، ولتجذر الفساد في بنية الدولة، وهي ايضا من سيّس القضاء، ورهّل اجهزة الدولة المدنية والعسكرية، واصابها بالشلل الوظيفي، وفرّط بثروة البلد البشرية والاقتصادية والموارد المالية. وبعد كل هذا العبث بمصالح الشعب والتفريط بسيادة الوطن، والاخفاق في مواجهة الارهاب، مازال المسؤولون عن هذا الخراب يتمسكون بشرعيتهم الانتخابية رغم تجاوزاتهم على القانون والدستور متى اقتضت مصالحهم ذلك.

 ان الرصيد المعنوي لمهندسي سياسة المحاصصة وعرابيها، قام على استثمار ما تراكم في الذاكرة الشعبية من الطقوس والتقاليد المتعلقة بالخضوع الى تقديس الماضي، وعلى تأجيج نزعة التعصب الديني والقومي والطائفي، ومحاولة استثارة النزعات البدائية المتخلفة، نابشة في ادران التاريخ قصدا، لتعمية وتزييف وعي المواطن، واشغال المجتمع بالصراعات الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية والاثنية، لصرف انتباهه عن منتهكي انسانيته وسارقي رغيف خبزه. ظانين انهم قادرون على الاستمرار في الحكم، واللعب على مبدأ تداول السلطة من خلال تدوير المناصب واستبدال ذات الوجوه واعادة توزيعها على مواقع السلطة والقرار دون وجل او حساب.

غير ان صبر الشعب لم يعد ممكنا، بعد افتضاح زيف الحاكمين وعجزهم عن ادارة الدولة، واتضاح عقم نظام المحاصصة. فالحراك الجماهيري استعاد نشاطه منذ ثمانية شهور، واتسعت رقعته، مطالبا بالاصلاح والتغيير، وبدولة مدنية ديمقراطية وعدالة اجتماعية، وازداد امتداده جغرافيا ومجتمعيا، معبرا عن نمو وتصاعد الوعي الوطني والديمقراطي. وفي ضوء ما تقدم، فان تعاظم الضغط الشعبي واستمراره يشكلان القوة الضرورية، القادرة على تفكيك نظام المحاصصة والشروع في عملية اصلاح فعلية وليست شكلية.

ان عملية التغيير والاصلاح تستمد قوتها من التوق الطبيعي للكائن الانساني للحرية من جهة، ولشروط تحسين نمط حياته المادية والروحية من جهة اخرى، وبمقدار نمو هذا الوعي واتساعه على نطاق واسع يتحول الى قوة مادية هائلة قادرة على زلزلة وتفكيك "ثقافة" الطاعة والاستبداد والفساد، ومحاصرة الفاسدين، والاطاحة بعروشهم، وان عملية بناء الوطن واعادة هيبته وسيادته على كامل ترابه، تعتمد على درجة الاندماج بين كافة اطيافه ومكوناته في كيان واحد موحد يتجاوز كل المكونات.

(*) في ثنايا الفقرة  استعارات ضمنية من كتاب [الانسان المهدور د. مصطفى حجازي]  

  كتب بتأريخ :  الأحد 10-04-2016     عدد القراء :  1777       عدد التعليقات : 0