عــن عزلـة الكـائن..وسط زحـمة العــالـم

- شكراً لك.. أنتَ تدفعني للثقة بنفسي بشكل أفضل..

فسألها وفي نبرة صوته تساؤل قلق:

- ألا تثقين بنفسكِ..؟

- بلى..أثق بها..لكن أحياناً أمر بلحظات أريد فيها أن أفرض الصمت على عقلي وقلبي، ليس لأني أخاف من سوء فهم الآخرين لما أقوله، وإنما أخاف من أن يكون ما أقوله ليس إلا زفرة من زفرات القلب، وكآبة عقلية أمر فيها لحظة القول.

- ولماذا تخافين من الكآبة..؟ الكآبة من علامات العظمة..ولا أقصد الكآبة المتأتية من الفقدان، وإنما الكآبة التي تنبثق عن الوفرة..وليس الفقدان..

نظرت إليه وعلى وجهها ملامح من لم تفهم القصد، فسألته:

- لم أفهم فكرتك بالضبط..؟ هل لك أن توضحها لي أكثر..؟

- أقصد الكآبة التي تولد عن الفكر والتأمل..كآبة بوذا الذي كان يتأمل ما لديه من متع ومال وجاه وسلطة..لكنه آثر العزلة..لأن تلك الوفرة لن تنقذه من الموت، ولا تدفع عنه الهرم والشيخوخة والعجز.. ولا الألم، ولا المرض.. كآبة الوجود ومحنته الحياة..إذا صح التعبير..

استرخت ملامحها، وقالت وهي تهرب بنظراتها إلى الجدران والسقف، ثم عادت إليه:

- ربما أنت محق..فأحيانا..حينما أرجع لبيتي ليلاً..وأكون وحدي، بعيداً عن الأضواء، وحفاوة اللقاءات الفنية، وإعجاب الجمهور..حينما أكون وحدي..وحدي فقط في بيتي..أفكر في المدينة النائمة، أو الساهرة، لا فرق..أحس بأنه ليس هناك أي معنى للشهرة..والمال..والمبالغات الصحفية والفنية..أحس بأنني إنسانة ضعيفة..معزولة، ووحيدة..وحيدة في عراء هذا الوجود..لكن ما أن أصحو صباحاً، وأرى الشمس..والحركة..حتى أحس بإقبالٍ نهمٍ على الحياة..أفكر أحيانا بأن تلك الأفكار الكئيبة والموحشة التي تنتابني ليلاً، ربما هو نتاج العزلة..وليس حقيقة للوجود الإنساني.. لذا أهرب أحيانا من العزلة..لكن أحيانا لا أعرف إلى أين..؟ فأغوص في العمل.. وفي اللجوء إلى الأصدقاء..

كانت مشاعر آدم التائه الرقيقة تجاهها تتدفق مع تدفق الحديث. ود حينما انتهت من جملتها الأخيرة لو قام وضمها إلى صدره، وغمرها بحنانه، إلّا أنه وجد نفسه مكبلاً، مشاعره تريد ذلك، لكنه يحس بالعجز، يحس وكأن جسده لا يطاوعه للقيام بهذه الحركة، لم يستطع سوى أن يقول لها:

من حوارات متاهتي الثالثة ( متاهــــــة قـــابيـــــل)

الطبعة الثانية 2016

592 صفحة من القطع الكبير

منشورات ضفاف في بيروت

ومنشورات الاختلاف في الجزائر

  كتب بتأريخ :  الإثنين 11-04-2016     عدد القراء :  1378       عدد التعليقات : 0