"انقلاب ناعم" بأجندات مشوَّشة!

ليس من الموضوعية بمكان أن يتم فرز المواقف في هذه الأوقات وفق ثنائية مُجهِضة للحقائق وتأطير قسري سلفاً بعنوان؛ "هل أنت مع النوّاب المعتصمين أم ضدّهم"؟!

يحاول البعض جاهداً تبسيط المشهد المرتبك والشائك بتعريف ما يحصل من اعتصام النواب على أنه "انتفاضة"، ولكن هذا البعض ينقسم أيضاً الى قائل بأن هدف الاعتصام إنهاء المحاصصة السياسية، وقسم آخر يذهب الى انها "انتفاضة على الفساد"، وطرف ثالث يستبد به الحماس ليطلق عليه "ثورة تصحيحية شاملة"!

لا مراء بأن ما نعايشه اليوم هو إفراز آخر لنسخة متطورة من تراجيكوميديا المشهد الإصلاحي المنشود، اذ كل من جاءت به آلية المحاصصة الى المقعد النيابي أو مواقع السلطة (وعلى رأسهم الرئاسات الثلاث) يزعم بأنه يقف الآن في خندق محاربة المحاصصة، ينبذها ويشمّر السواعد للقضاء عليها (.. هكذا بقدرة قادر)! رغم ان الواضح للعيان هو أن معظم النواب المعتصمين هم محاصَصون؛ شاءوا أم أبوا؛ بل بعضهم مطارد بملفات الفساد، أو متهم بتزوير شهاداته الجامعية، أو حتى ممّن أفلت من دعاوى المادة "4 إرهاب" بمناورات وصفقات مشبوهة، فهؤلاء استطاعوا في توقيت مدروس عقب الاعتصامات الشعبية الشهيرة عند بوابات الخضراء ان يقتنصوا الفرصة ويطلقوا اعتصامهم، في سابقة عدّها البعض التفافاً على السياقات الدستورية التي تضمن لهم إبداء رأيهم واعتراضاتهم على مناورات رئيس المجلس تحت القبة عاجلاً أم آجلاً (حتى لو سوّفت رئاسة المجلس انعقاد جلسة أو جلستين حاسمتين)، وان الالتجاء الى الاعتصام هو مقاربة مشهدية وعاطفية مع الاعتصام الشعبي الذي انفض قبل فترة قصيرة، والإيحاء بأنه امتداد له داخل الخضراء، لهذا يمكن أن يمتلك "شرعية" تمثيل الحراك الشعبي الذي أفرزه اعتصام بوابات الخضراء المنفّض!

يقيناً، لا يستكثر المرء على الشارع العراقي المشحون بمطالبات التغيير أن يثمر اليوم حراكاً فاعلاً باتجاه تقويم الأوضاع السياسية التي أودت بالبلد الى ما لا يُحمد عقباه على جميع الأصعدة مع حفظ الاتجاه الصحيح للبوصلة، ولكن مبعث الاستغراب أن يُطالب المواطن العراقي في هذه الساعات، وهو المنكوب بساسته ومجلس نوّابه، بأن يتحمس ويُهلل لطبخة سياسية أو تحرك غائم مشوب بالألغاز والشبهات، ويُسوِّق له على انه طوق النجاة الذي يوصله الى برّ الأمان في لجّة الطوفان، بعد أن كابد ونزف وضحّى!

أبرز عنوان لهذا التحرك كان منذ بدابته هو الإطاحة برئيس المجلس الجبوري (رغم انه ليس فوق النقد والاتهام) ولكن الملفت هو أن نبرة التحريك كانت مشحونة بشخصنة الموضوع وتصفية للحسابات من بعض الكتل والنوّاب، ومنهم من اشتهر سلفاً بعدائه الشخصي مع رئيس المجلس، كالنائب "مشعان الجبوري"! وجاءت بقية "المطالب" بعد مطلب التنحية ذاك، وان "الرئاسات الثلاث" هي المستهدفة بالتنحية "شلع قلع"، وثمة مطالب كثيرة أخرى جاءت تباعاً قد ابتكرها كل نائب معتصم وفق رؤيته! كما لم يسلم الكثير من المعتصمين من شبهة انه ما زال يكرر (وهو معتصم) إملاءات كتلته ومفردات برامجها واشتراطاتها المرحلية، ويتجلى وفقاً لذلك ان التعاطف والتفاعل الجماهيري مع اعتصام النواب أخذ في الانقسام أيضا، حيث لا يمكن أن يقبل الكثيرون تأييد متبنيات لكتل معينة كانت مخيبة ومحبطة لتطلعات المواطن العراقي، ويتم تدويرها اليوم من بعض النواب المعتصمين!

الكل يقرّ تقريباً وبعد أيام من اعتصام النواب وتداعياته، بأن الشارع العراقي أصبح منقسماً بين مؤيد ومعارض للاعتصام، مثلما ان المجلس انشق على نفسه في خطوة درامية، وحتى التحالفات القائمة انتقلت من "التصدعات" الى الانشقاقات، وبات التراشق الكلامي والسباب علنياً حتى بين زعماء الكتل والجماعات المتحالفة، وكأن العراق كان بحاجة الى انقسام جديد يزيد من تفاقم الأوضاع، ويصدّع أكثر أسس الاستقرار العام، وينال بشدة من صورة وهيبة الدولة في ظل "حالة الحرب" التي يمر بها البلد، ويربك الإجماع الشعبي المطلوب باتجاه دفع عملية الإصلاح باتجاه الخطوات العملية لمحاربة الفساد ودعم جهود الحرب! بل وباتت الرئاسات الثلاث تُحذّر منذرة من "فراغ دستوري" والدخول في "نفق مظلم طويل" و"الذهاب نحو مصير مجهول"!

لقد ارتسمت بعد ما جرى في الأيام الأخيرة ملامح "انقلاب ناعم" دشّنه النواب المعتصمون، رغم أن البعض "يتحفظ" على هذا المصطلح، والبعض الآخر متردد في تبنيه، لكن لا يمنع ذلك من ان بعض المعتصمين قد ردّده بصيغ أخرى، واعتبره "انقلاباً على المحاصصة"! وهذا يبعث على الاستغراب في حدّ ذاته، اذ لا نعلم الى أي مدى يمكن أن يصله التخبط السائد في المفاهيم التي تمور بها ذهنية أغلب المعتصمين حينما ينقلبون بلا مقدمات على المحاصصة التي حملتهم الى مقاعد المجلس (إلاّ ما ندر من المستقلين)، والى المشهد السياسي أساساً! وقد شعرت شخصياً بالتقزز من أحد المعتصمين وهو يقف أمام الكاميرا ويبدأ كلماته الأولى بأنه "أول من أسّس هذا الاعتصام وشارك فيه"! رغم ان السؤال الموجه له كان بعيداً عن ماهية هذه الإجابة، وكأنه يستغل الاعلام ليُثَبِّت له سبقاً في "الإنجازات" لا ينبغي لأحد أن يتخطاه او يتجاهله! هذا التصرف يحيل ساحة اعتصام النواب الى مسرح استعراضي لا ينفك بعض المعتصمين من استخدامه وسيلة بروباغندا سياسية لتسويق شخصه في المرحلة المقبلة الحبلى بالتطورات، فيما يصبح وفق هذا المنحى استثمار ساحة الاعتصام أسهل مما يتصوره المرء!

* * *

بات مفهوم "محاربة الفساد" المرادف للانقلاب على المحاصصة في حركة النواب المعتصمين، ملتبساً ومطاطياً هو الآخر، فمنذ تفعيله كهدف للحراك الجماهيري، أخذت تنحته كل كتلة أو تيار أو مرجعية سياسية أو دينية وفق تصوراتها، أي ليس هناك إجماع وطني ناجز حتى اللحظة حول المفهوم الآنف وإطاره وآلياته وأسس استدامة ثماره، وهذا - للأسف - أحد مآزق العملية السياسية وعدم إنتاجها حلولاً للمعضلات، لأن آليتها عاجزة عن تحقيق هذا الإجماع الوطني لتأطير أخطر المهام والتحديات، ومن ثم الانتقال الى التطبيق، ومن ذلك؛ هل مهمة "محاربة الفساد والمحاصصة" استدعت اليوم من شريحة من النواب أن تقسم المجلس الى نصفين (وهذا المآل لا نقاش فيه على الأقل)، وانها استنفدت كل الأساليب الدستورية في إيصال مطلبها وإرادتها؟! وهل أدخلت البلد الى هذا المأزق مع احتساب كل المخاطر والتداعيات السلبية التي ستنسحب آثارها على العراق والعراقيين قاطبة؟!

ان نظرة عابرة الى رأي الشارع العراقي ومواقع التواصل تُنبئ بانقسام حاد بشأن خطوة اعتصام النواب، وهذا الانقسام يضرب بشدة النخب السياسية ومراكز القرار أيضا، والكل يعترف (تصريحا بصوت عال) بأن الشرخ الحاصل بين الرئاسات الثلاث من جهة وطيف كبير من السياسيين والنواب من جهة أخرى لا يمكن أن يؤسس لخطوات راسخة نحو تحقيق الإصلاح، أو المضي بتسمية "حكومة التكنوقراط" بعيداً عن تأثيرات هذا الأزمة المستجدة! كما لا يمكن والحال هذه أن تنطلق هذه المسيرة بمجلس متشرذم ومأزوم، كأعلى سلطة تشريعية تحتاجها أعمدة الإصلاح!

نعم، الكل ينادي بأن الأزمة الأخيرة والانسداد السياسي أفرزا واقعاً جديداً بظروف مستجدة، وربما اشتراطات جديدة هي الأخرى، تفرضها إعادة توزيع مراكز القوى التي لا يمكن تجاهلها بحال، حتى لو لم تلتزم بالإرادة الشعبية، اذ لا نتوقع بهذه البساطة أن تدسّ تلك المراكز رأسها في التراب وتخسر "مكاسبها"، بينما ضمنت سلفاً حصتها حتى في الحراك الشعبي! ورغم ذلك يبقى الخلاف قائماً على آليات الحلول. وباختصار، أفرزت الأزمة توجهين مهمين؛ الأول ينادي بعدم المساس بالرئاسات الثلاث وعدم حلّ المجلس، منطلقاً من ضرورة مراعاة "حالة الحرب" والتفرغ لمقارعة الارهاب حتى الانتصار الكامل عليه (بإذن الله)، ومن ثم لكل حادث حديث، أي بكلمة؛ تقديم ملف الحرب، وتأجيل باقي الملفات، عملاً بمبدأ "للضرورة أحكام"، ويناشد أصحاب هذا التوجه كل الأطراف للارتقاء الى مستوى المسؤولية وعدم إضعاف الجبهة الداخلية لخطورة الارتدادات!

أما التوجه الثاني فيؤكد على أن إبقاء الأمور على ما هي عليه، من تشرذم في المجلس، وإضعاف رئاسة الوزراء، وعدم الانسجام بين المجلس ورئيس الوزراء، وانهيار بعض التحالفات الكبيرة عملياً، وما تشهده الساحة من مناورات لتشكيل تحالفات جديدة تفرضها تداعيات الأزمات الأخيرة، كل ذلك لا يمكن أن يصب في إطار تقوية الجبهة الداخلية لتعضيد جهود الحرب على الارهاب، سعياً لدحره وقطع دابره، ولا بد وفق هذا التوجه من المضي قدماً في عملية التغيير حتى في ظل "حالة الحرب" لأنه الأضمن في تقويم الأوضاع وحسم الكثير من الملفات الداخلية العالقة.

الملفت حتى الساعة هو ان النواب المعتصمين لم يجمعوا على أجندة "إنقاذ للبلاد" تنال دعماً شعبياً واضحاً، تستطيع بوصفة واقعية أن تعيد تأثيث البيت السياسي العراقي على أسس سليمة، خالية من فيروسات المحاصصة والفساد والتغوّل وتأثيرات مراكز القوى المعروفة! ولم يقنعوا الحراك الشعبي والأغلبية الصامتة بخارطة طريق عملية موحدة تُخرج البلاد من النفق المظلم و"أزمة تشكيل الوزارة التي أوجدها السيد العبادي بنفسه"، المتمثلة بمشروعه "حكومة التكنوقراط"، والتوصيف المذكور للأزمة ذكره مؤخراً الوزير "عادل عبد المهدي" في مقال له عقب استقالته! وكل ما نسمعه الآن هو تكرار لـشعارات "محاربة المحاصصة والفساد" كان قد أدمن سماعها الشارع العراقي ولم يلمس نتائجها، خصوصاً وانها تُطلق من نوّاب معتصمين اعترفوا قبل فترة بفسادهم على الملأ بصوت عال (كما سلفت الإشارة اليه)!

ينبغي تذكير أولئك الذي يُرعبون العراقيين ويحذرونهم من "مخاطر" حلّ المجلس كجزء من خطوات الخروج من الأزمة والذهاب الى انتخابات نيابية مبكرة، بدعوى انها خطوة مكلفة جداً سياسياً ولا تناسب المرحلة الراهنة (بواقع استمرار الحرب الدائرة ضد الارهاب)، ينبغي تذكيرهم بأن الفراغ السياسي الذي أوجده عملياً شق المجلس، والذي يفضي الى إرباك دستوري، وشلّ مجلس الوزراء ورئيسه وتحويل الحكومة واقعياً الى "حكومة تصريف أعمال"، وانعدام أي صمّام أمان يكبح توسيع رقعة هذا الفراغ السياسي، وانعدام جدوى حلول الدقائق الأخيرة الترقيعية والهشة المبنية على الترضيات والتحاصص (كما تم تجريبه في مرات سابقة)، كل ذلك يشكل بدوره مخاطر ومآزق أشد وطأة وكارثية على الوضع العراقي الراهن، بما يستدعي تسديد أكلاف أكبر من عافية الوطن وسيادته! أما الذهاب الى انتخابات نيابية مبكرة فربما يفرز أغلبية نيابية يُتاح لها استئصال الأورام السرطانية للمحاصصة التي أنتجت لنا الأزمات والفساد، ويضطلع المجلس المنتخب بمهمة سريعة هي انتخاب رئيس وزراء جديد، ليرشح حقيبته الوزارية، كما يتم انتخاب رئيس جمهورية جديد. وهذا لا ينافي أن يكون حلاً في الاتجاه الصحيح والآمن حتى في حالة الحرب التي يعيشها العراق، أليست محاربة الفساد "ضرورة قصوى" هي الأخرى في زمن الحرب، وان المحاصصة هي من أنتجت الفساد، الذي كان سبباً رئيسياً في استفحال الارهاب الذي يدنس أرضنا اليوم، والفساد من جلب الانسداد السياسي وأحال حياة المواطن الى جحيم، وأدخل العراق في أنفاق مظلمة يكابد العراقيون الأمرّين بسببها للخروج منها بأقل الخسائر؟!

ان البحث في هذه الظروف عن صيغة توافقية بين النواب المعتصمين وبين المعترضين عليهم ممن يساندون بقاء رئيس المجلس في منصبه، هي صيغة ترقيعية غير عملية، لأنها تكرار لصيغ سابقة أقرب الى التحاصص، واستهلاك للوقت والجهود، ومن ثم هي صيغة مترهلة مليئة بالثقوب، وتمثل وضع شريط لاصق على جرح فاغر ينزف بشدة!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الأحد 17-04-2016     عدد القراء :  1656       عدد التعليقات : 0