الصدر واليد الأمريكية المحركة

عندما نفاجأ بفرد يتحرك خارج ما نتوقعه من شخصيته، فهناك غالباً شخصية أخرى تقوم بالضغط عليه، وهذا ما نراه أو يراه البعض في حركات الصدر الأخيرة.

لقد بدأت الأحداث الأخيرة تتوالى بإعلان وقح من رئيس كتلة متحدون أسامة النجيفي بأن اميركا ترى تغيير سليم الجبوري غير دستوري، وهذا ما سنخصص له مقالة قادمة. ثم جاء موقف الصدريين كخنجر في ظهر المطالبين بالتغيير، وهو موضوعنا هنا.

مواقف الصدر الأخيرة، سواء باتخاذ موقف ضار بالحركة، أو بعدم اتخاذ الموقف الإيجابي المنتظر منه قد أصاب الحركة بمقتل. فعل ذلك بالهجوم سيء التوقيت على المالكي وبلا أي مبرر مفهوم أو مقنع، او بإرسال قيادي التيار الصدري ليلتقي بسليم الجبوري ذيل ذيول اميركا من تركيا إلى الأردن والسعودية، ويبدي له آيات الولاء والدعم من "همج البرلمان" الذين أزعجوه، إضافة إلى عدم ظهوره على الساحة لدعم حركة النواب كما كان ينتظر مؤيدوه منه. هذه المواقف لم تفاجئني، رغم أنها فاجأت بلا شك مئات الألوف إن لم يكن الملايين من العراقيين وأصابتهم بالصدمة. وتأتي الصدمة والخيبة من حقيقة ان موقف النواب كان بالضبط موقفه هو حين يهدد ويتوعد من يقف بوجه التغيير، فإذا به يتحرك لمنع التغيير!

لكني كما قلت، لم اتفاجأ بهذا، فقد سبق لمقتدى ان فاجأني بمثل هذه المفاجآت وخيب أملي أكثر من مرة، واضطرني لوضعه في خانة غير ما يضعه فيها أنصاره، ومن لم يكن متابعا لمواقفه في السنوات الأخيرة بدقة.

في مقالاتي الأخيرة حول الوضع، اكتفيت بتبيان موقف سلبي غالباً ولم أشر إلا في مناطق صغيرة متفرقة إلى رأيي المباشر بالسيد مقتدى الصدر، لأني واثق تمام الثقة بأن جماهيره من أخلص الجماهير وانظفها، وأنها وهي المخدوعة به بشدة، لن يقنعها أي دليل إن حكيت الحقيقة بشكل صدمة واحدة، وأنها ستكتفي باعتباري معاديا لها، وربما أتهم بموالاة المالكي أو حتى أميركا، ولن تنفع مئات المقالات لتقنع هذا الجمهور بخطأ حكمه..

لذلك اكتفيت غالبا بالتساؤل عن أهلية الصدر لما ينتظر منه. ونبهت أن مقتدى كزعيم تيار سياسي، لم تكن له جهود محددة لمحاربة الفساد بين وزراء تياره، لكننا نراه يغضب فجأة ويعتصم ويدعي تمثيل الشعب ويطلب الطاعة، وهذا الغضب ليس له تفسير واقعي إذن. هو رجل بسيط التعليم، ورغم ذلك يعطى دكتوراه فخرية في مسرحية تذكرنا بدكتوراه الملك سلمان في سخريتها، ثم يريد الناس من هذا الرجل البسيط، أن يرشح لهم "تكنوقراط" ليحكمهم، تسلم أسماءهم بظرف مغلق، وأن تكون الحكومة وكل أعضاء البرلمان ملزمين بقبول هؤلاء والويل لمن لا يوافق، فهو فاسد بالضرورة! كل هذا دون ان يعرف المتظاهرين أو الناس، بل حتى النواب أي شيء عن هؤلاء، بل أن نائبة برلمانية ترجت رئيس المجلس ان يريهم صحيفة اعمال هذه الشخوص ويعطيهم ساعتين لقراءتها قبل التصويت عليهم! في هذا الجو المتوتر، بل القبيح بكل معنى الكلمة، كان الساسة والنواب مستعدين للتوقيع على كل شيء دون أن يعرفوا على ماذا ومن يوافقون ودون حتى ان يعرفوا ما يعني التكنوقراط وماهي المشكلة التي سيحلها وكيف سيحلها ودون ان يسأل أحد كيف سيعرف هذا الرجل البسيط أن يقرر أن هذا التكنوقراط خطأ وذاك صح؟! هذا الجو هو الإنجاز الوحيد الذي قدمه مقتدى الصدر ومئات الآلاف التي خرجت تهتف له، إلى العراق في حركات اعتصامه الأخيرة.

لم افاجأ بالخيبة لأني، وكما قلت حتى لبعض الصدريين الذين يتحملون ذلك، أن مقتدى الصدر يقف في الخندق الأمريكي من الصراع في العراق! وقد دخل مقتدى الصدر حسب مراقبتي للأحداث في هذا الخندق في عام 2010 أو 2011، أو ربما قبلهما بقليل. لكن منذ تلك الأعوام، لم يتخذ التيار الصدري أي موقف مزعج لأميركا، ولا حتى موقفا بسيطا، واكتفى مقتدى بالشعارات الرنانة التي تضمن استمرار شعبيته وتأثيره بين جماهير التيار المعادية بعمق لأميركا وإسرائيل، بينما كانت مواقفه التي تسر أميركا كثيرة جدا. وإن كان البعض منها يمكن تفسيره بالجهل أو أسباب أخرى، فإنها بمجموعها لا يمكن تفسيرها إلا بأن الرجل قد تم استدراجه (بالابتزاز على الأغلب) إلى الخندق الأمريكي.

إنه يذهب في شعاراته إلى اتهام مسؤولين امريكان كبار بـ "الإرهاب"، في الوقت الذي يقدم فيه الدعم لحكومة أشد عملاء أميركا من الساسة وأكثر من استقدم إرهابيها على أرض العراق وجاء بشكل مشبوه وبتهديد امريكي بإطلاق الإرهاب على العراق إن لم يتم قبوله. لم يوجه الصدر سؤالا واحداً لحكومة العبادي التي جاءت تحمل مشاريع تدمير واضحة للبلاد، أهمها اثنان: التنازل النفطي لكردستان بشكل لم يسبق له مثيل، ومشروع الحرس الوطني المخصص لتفتيت العراق إلى محافظات. ويمكن لأي اعمى أن يرى العبادي كأخطر رجل على العراق بهذين المشروعين وأن يراه عميلا أمريكيا بشعاً وهو يمنع الحشد من القتال لكنه يهرول لرفع الأعلام عندما يحرر الحشد أي شبر. الصدر بقي يعامل العبادي الأمريكي وكأنه المنقذ المرجو، مع توجيه إنذارات فارغة بين الحين والآخر.

كيف نفسر ذلك، وكيف نفسر علاقته الوطيدة بكردستان التي تصدر ثلاثة ارباع نفط إسرائيل، وهو العمل الذي لم نسمع رأي السيد مقتدى به؟ لماذا لم يحتج على تهجير كردستان للسنة وهدمها بيوتهم وهم الذين يقول مقتدى انه يقف ويتعاطف معهم؟ لماذا تقتصر الوقفة مع السنة مواجهتهم لحكومة بغداد، ولماذا يكون الدعم دائما لعملاء الأمريكان منهم من الساسة؟

كيف نفسر ترشيحه جل اميركا الثاني في العراق بعد اياد علاوي، عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة في السابق حين كان الرجل الثاني في تنفيذ خطط الإرادة الأمريكية لتحطيم العراق، خاصة وقد قاد حزبه أيضا حملات القتل والحرق ضد الصدريين ذاتهم، وتفضيله على الجعفري الذي وقف مع الصدريين في محنتهم وذهب إليهم مع وفد حزبي تحت قصف المدافع الأمريكية والحكومية؟ ورغم أن جمهور الصدريين قد انتخب الجعفري كمرشح له في تظاهرة ديمقراطية اثنينا في وقتها على التيار أنه قام بها.

عادل عبد المهدي، المكلف بتحطيم النفط العراقي وإعادة الاتفاقات مع الشركات إلى فترة ما قبل ثورة تموز كما يقول بنفسه، والذي وضعه العبادي فورا على وزارة النفط.

إني لا يمكن أن افهم هذا الموقف إلا على انه تنفيذ لأوامر أمريكية، فلا يوجد سبب يجرج المرء نفسه فيه الى هذه الدرجة، ويرشح اعداءه واعداء تياره ويحنث بوعده بصراحة، غير هذا. إن كان لدى مقتدى أو من يؤيده أي تفسير فإني ما أزال انتظر ومستعد ان اسمع.

أما "الإصلاحات"، فلم نعرف مثلا ما هي "الإصلاحات" التي ينادي مقتدى بها، ولم نر أي تعريف محدد لها، ولا يعرف أحد طبيعتها سوى تبديل الأسماء بمجهولين. لكننا نراه يدعم القطاع الخاص الذي هو أحد اهداف الأمريكان المحددة تماماً للاقتصاد العراقي والموجهة لتدميره كما فعلوا مع العديد من البلدان الأخرى. ورأينا نوابا من التيار يتصرفون وكأنهم وكلاء التجار في حماسهم للخصخصة. هذا رغم أن عمه الشهيد باقر الصدر أدرك خطر الخصخصة والقطاع الخاص ولم يضعها إلا في مكان هامشي تسيطر عليه الدولة في كتابه الرائع "اقتصادنا".

فإن كان مقتدى يكتسب قدسيته من والده واعمامه، فالمفروض ان يخسرها لنفس السبب حين يقف بالضد من مواقفهم الاقتصادية والسياسية، خاصة من الاحتلال الأمريكي في السنوات الأخيرة. إن الأمر الذي ساعد على تراكم الخلل إلى هذه الدرجة الكبيرة، هو أن السيد مقتدى محمي من الانتقاد بفضل قداسة موقعه بالنسبة لجمهوره ومقلديه. ونتيجة لذلك فقد تمت حمايته (وحرمانه) من الأسئلة الضرورية لتنبيهه إلى الخلل. وهذه الحماية من النقد، كفيلة بإفساد حال حتى أفضل الناس ثقافة، ودفعهم بالاتجاه الخطأ، بوعي أو بغير وعي. لذلك نرى الأسئلة قد تجمعت والخراب كبير. إن قراءتنا اليوم لما يجري هي أن خيارات السيد مقتدى كانت بقصد او غير قصد، في الخندق الأمريكي، وأن دوره لم يكن كعامل تثوير، بل يمكن رؤيته كعامل إخماد للتيار الصدري، يعطي المحتل الوقت اللازم للتآمر.

لو لم يكن الأمر كذلك لكان السيد مقتدى هو اليد التي كانت ستنتشل العراق من المصير الذي يسير أليه، وكان يكفي له أن يكون واضحا في الأهداف التي يتجه اليها بدلا من خرافات "محاربة المحاصصة" و "محاربة الكتل السياسية" واللجوء إلى "المستقلين" و "التكنوقراط" وكلها عبارات هلامية ليس لها أي معنى، ولا يمكن تحديد مدى التقدم نحوها ولا دليل على ان في هذا الاتجاه، إن تحقق أي فائدة للعراق وشعبه. وهكذا قاد السيد مقتدى طوابير الجماهير المتظاهرة وحتى "المثقفين" الذين تضامنوا معه، إلى حيث لا يوجد شيء سوى الفراغ، وأسهم في خداعهم بأنهم على وشك الإطاحة بكل مشاكلهم بضربة واحدة، و "القضاء على المحاصصة"!

الطريقة التي جرت بها الأمور، بين اعتصام الصدر واعتصام النواب الذي انتهى او يتجه إلى نهايته دون تحقيق شيء بعد توجيه قيادة الصدريين له ضربة الخنجر في الظهر، أسوة بقيادة "متحدون" التي تكون أساس الخندق الأمريكي الإسرائيلي في العراق، سجلت أكثر من انتصار لذلك الخندق وبالتالي أكثر من فشل للجماهير. فعدا خسارة المعركة الأساسية وبقاء سليم الجبوري في مكانه بانتصار الإرادة الأمريكية على إرادة الشعب العراقي، فإن الإعلام الذي صاحب الاعتصامين وتصوير المعركة للشعب على انها من النوع الذي يحسم بالضربة القاضية، ضلل الشعب عن طبيعة تلك المعركة وأسهم بالهزيمة. فالمعركة الحقيقية مع الفساد وعملاء اميركا معركة ماراثون طويلة بطبيعتها، ويجب، تماما مثل الحرب ضد داعشهم، أن تكسب مترا متراً. أن يحدد كل بؤرة فساد وكل بؤرة عمالة أمريكية في العراق وتقصع كما نفعل مع القمل: واحدة واحدة، بعد تحديدها بدقة، وليس بـ "الشلع قلع"، وكان صاحب الشعار أول من "شلع"، تاركا من كانوا يهتفون خلفه في حيرة من امرهم.

إن سمحنا للحقائق ان تظهر من بين ضوضاء الشعارات المدوية، فهذا ما سنراه: صورة رجل يعمل لأميركا وأهدافها ويدعم فريقها من ناحية... ويصرخ بموتها من الناحية الأخرى!

إن ما يمر به الشعب العراقي من حيرة لا يحسد عليها، هو نتيجة الطاعة والثقة وترك مسؤولية المراقبة والمتابعة والسؤال والمطالبة بالتوضيح. النتيجة الطبيعية لذلك هي: الضياع! لقد وافق الشعب وتحمس لمفاهيم هلامية لا يستطيع رؤيتها ولم يسال عنها. إن الشخص الناضج لا يقبل بذلك. الشعب الواعي لا يبحث عن شخص يأتمنه ولا يطرح عليه الأسئلة، بل يشكك ويراقب ويحكم. ولم يعرف التاريخ حاكما اعتمد على "الثقة" العمياء ونجح.

ما العمل الآن؟

بعد اليأس من القائد الطيب المنتظر الذي يحل لنا كل مشاكلنا، فإن العمل يتم بخطوتين: الأولى الإدراك بأننا يجب أن نفتح عيوننا ونراقب ونقرر. وبأنه لا يوجد حل سحري وان المعركة ستكون طويلة وان الانتصار سيكون بكسب كل متر من الأرض بالصراع..

والخطوة الثانية هي أن نبدأ الحكم بالضغط من اجل حل البرلمان والحكومة وإعادة الانتخابات (عدا المناطق المحتلة، وهذا ليس شيء غريب تاريخيا) وأن نبدأ المرحلة الجديدة بالمراقبة والمناقشة والمطالبة..

يجب أن نعمل لحكم أنفسنا بأنفسنا، أو ان نسلم أنفسنا ومصيرنا ومستقبل أبنائنا للقدر، وقديما قيل: "...فمن لا قبل له بحكم نفسه، وجبت عليه الطاعة"! ونحن نعلم ما تعنيه "الطاعة" في الصراع على العراق اليوم: نهاية العراق ونهاية شعبه!

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 20-04-2016     عدد القراء :  1468       عدد التعليقات : 0