"السومرية".. استخِف بالإسلام واشعِل الفتن لتكسب أكثر!

في توقيت مشبوه ومتخم بعلامات الاستفهام الملتفعة بالريبة، أثارت فضائية "السومرية" قبل عدة أيام حفيظة عشرات ملايين المسلمين من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في العراق وخارجه، وذلك عبر إحدى فقرات برنامج "البشير شو"، لما شكّل ازدراءً صريحاً واستخفافاً بالأحكام الشرعية، واجتراءً على رجل دين جليل هو سماحة السيد "صباح شبّر"، أحد فضلاء الحوزات العلمية، ممّن يحوزون على مكانة مرموقة، كما اشتهر عبر الاعلام المرئي بسلسلته الفقهية المتميزة "ليتفقهوا في الدين"، والتي يتابعها الملايين من المشاهدين في أرجاء المعمورة، لتميزها بأسلوب شيّق أقرب الى "السهل الممتنع"، مقرونة بوضوح في التبيان، ومعززة بسلاسة لغوية لإيصال الأحكام الفقهية الى المتلقي بأقصر السبل.

لا يخفى على المتابعين، بأن "السومرية" وعبر إنتاجها للبرنامج الآنف، تمارس استنساخاً مقززاً، واستسهالاً فجّاً لما تحسبه انه "إبداع" تتميز به، حينما تكرر ما سبقها اليه الآخرون من برامج الـ"توك شو" في فضائيات الإثارة واللهاث خلف جيوب المعلنين، أو لجلب أصفار أكثر لأرقام "نِسب المشاهدة"، وإن كان الثمن شنّ عدوان على الأحكام الشرعية، وإهانة فضلاء رجال الدين من مدرسة أهل البيت (ع)، ظناً من "السومرية" ومهرّجيها من أشباه الإعلاميين، بأن لديهم كامل الحرية في ازدراء الاسلام (من بوابة السخرية من الإحكام الشرعية) والنيل من كرامة ومكانة فضلاء رجال الدين، بإسم "حرية التعبير" التي لا تمت بصلة للقيء الذي أفرغه هؤلاء المهرجين ومن يقف وراءهم، الذين يستميتون في إضرام نار شهرتهم و"نجوميتهم"، على حساب إشعال نيران الفتن في المجتمع، الذي ينوء من كثرتها بفعل التكالب والمؤامرات المستمرة!

تزعم "السومرية" أنها تمارس "ريادة في الإبداع" حينما أطلقت برنامجها "البشير شو"! هنا ينبغي تثبيت حقيقة ذات صلة؛ اذ ان البرنامج المذكور ما هو سوى نسخة كاربونية متسخة لبرنامج "البرنامج" للإعلامي المصري "باسم يوسف" والذي كان ينتجه بالتعاون مع القسم العربي لفضائية "دويتشه فيلله" الألمانية، وهي ذات القناة التي تشترك مع "السومرية" في انتاج "البشير شو"، مما يعزز كثيراً من فرضية النسخة الكاربونية تلك، أما برنامج باسم يوسف فقد توقف اثر احتجاجات كبيرة وسلسلة فضائح شهيرة طالته، بعد 4 سنوات من إطلاقه، لتجاوزه على خطوط حمراء مجتمعية وأخلاقية ودينية كثيرة، بحيث ساهم في حملات الاستهجان تلك طيف كبير من المثقفين والإعلاميين المصريين والعرب، ومنهم من كان يدعم في البداية ذلك "البرنامج"، فلقد جنح باسم يوسف لفرط الغرور الذي تملكه وسطوة "الأضواء" التي سلطت عليه من الغرب خصوصاً، جنح بشدة نحو الإسفاف والنيل من الأحكام الاسلامية بأسلوب ساخر، وترويجه ما يخدش الحياء ضمن تلك الأساليب، وكأنه يؤدي فقرة مبتذلة في إحدى قنوات التسلية الرخيصة، وكان كل همّه تحقيق أعلى "نسب مشاهدة" كما صرّح في مناسبات كثيرة، بما ينمي من مردودات العائدات الإعلانية للقناة، واغتنى (كما صرّح) من جرّاء ذلك! وها هي "السومرية" تقلده "حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ"، ومن ذلك الاستخفاف بالشريعة الاسلامية، والنيل من أجِلّاء رجال الدين، طمعاً في زيادة جرعة التهريج والإسفاف و"الشهرة"، والتنفيس عن عُقد مستترة ضد الحوزات العلمية وفضلائها، إضافة الى استدرار العائدات الإعلانية!

تجهد "السومرية" بأن تلوذ بالمادة 38 من الدستور العراقي، وتخيطها كسترة ضد الرصاص (أو هكذا ظنها)، لتفتح النار عبر "البشير شو" بشهية واستمتاع ضد الأحكام الشرعية والقيم الاسلامية، مثلما تخدش الحياء والذوق العام، في زخم الإيحاءات الجنسية التي يبرع مقدم البرنامج في إطلاقها، وعدم اكتفائه لفظياً بذلك؛ بل وتجسيدها بنبرات الصوت والإيماءات المبتذلة! ومن السذاجة ان تسعى القناة الى "إرعاب" منتقدي مادة البرنامج سلفاً أو "كسب شرعية قانونية" مسبقة، حينما تعرض في أول لقطة من كل حلقة (كجزء من الشارة) عبارة مشغولة بتكلّف ونصّها: "ان هذا البرنامج كوميدي ساخر يعمل وفق المادة 38 من الدستور العراقي التي تضمن حرية التعبير عن الرأي"! وهنا مقتل المصداقية التي تلهث لحيازتها القناة في البرنامج المذكور، حيث مارست انتقائية مغرضة في اختيار مادة دستورية لا تعني بحال مفهوماً مطلقاً من "حرية التعبير"، انما يتم تقييدها مباشرة في ذات النص الدستوري للمادة المذكورة (أسقطته السومرية من عبارتها الآنفة، ومن حساباتها العملية أيضاً)، فالنصّ الكامل للفقرة في المادة الدستورية هو؛ "تكفل الدولة وبما لا يخلّ بالنظام العام والآداب: أولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.."، ولن يكون خلق فتنة مذهبية وازدراء دين الدولة الرسمي عبر الاستخفاف بأحكام الشريعة السمحاء بمنأى عن الإخلال بـ"النظام العام" لما له من ارتدادات مجتمعية خطيرة، كما سيكون التهكم المتعمد على رجل دين فاضل نزقاً وإسفافاً وإخلالاً بالآداب، خصوصاً وانه لم يقل رأيه في موضوع ما أو قضية مطروحة للنقاش والتداول؛ بل ينقل ويوضح الأحكام الشرعية!

كان على "السومرية" وقبل الانتقاء المغرض لمادة دستورية تحسب انها تسبغ الشرعية القانونية على كل ما يصدر منها، أن لا تتعامى عن الإطلاع على المواد الدستورية والقانونية التي تجرّم التجرؤ على الدين الاسلامي بأي أسلوب أو صيغة أو وسيلة كانت، كما تجرّم من يثير النعرات الطائفية والإخلال بالسلم الأهلي، ومن ذلك إهانة عقائد الأغلبية من الشعب العراقي، مهما كانت المبررات التي تؤدي في نهاية المطاف الى ازدراء أحكام الشريعة السمحاء، تحت يافطة "حرية التعبير" الفضفاضة، التي تضمر القناة بذريعتها - فيما تضمر - استهدافاً للمؤسسة الدينية الشيعية يتم تكريسه عبر إنتاجها الإعلامي!

ربما يدخل في "حرية التعبير" في عُرف "السومرية" ومهرّجيها من أشباه الإعلاميين، بأن تتحول مفردات الأحكام الشرعية (كالتي تخص رضاعة الأطفال وأحكامها) الى مادة للتهكم وفصلاً تهريجياً، وهي (الأحكام الشرعية) ليست رأياً شخصياً لشارحها أو ناقلها، أو من أجتهد فيها، بقدر ما هي (في منشئها) تبليغ عن الأحكام الإلهية المستندة الى القرآن الكريم، وسنّة الرسول الأكرم (ص) وتعاليم أئمة أهل البيت (ع)، فهي إذن ليست نصاً أدبياً أو رأياً في السياسة أو ما شابه، حتى يزعم البعض انه يمكن التعامل معها بسوقية وابتذال أبعد ما تكون عن البحث العلمي والاختصاص، بذريعة "حرية التعبير"! وما يدعم وجود النية المبيتة بإمعان القائمين على البرنامج في التوغل بازدراء الأحكام الشرعية وإهانة رجل الدين الفاضل أمران؛ الأول، هو التعمد بترحيل العبارات الفقهية الواردة على لسان سماحة السيد "صباح شبّر" الى منطقة تغصّ بإيحاءات جنسية تخدش الحياء العام، اذ يفترض مقدم البرنامج (وفق أسلوبه) ان مادته التهكمية ستُدمج في شريط إباحي مثلاً، أو ان جمهوره يشكلون روّاد المواخير (أجلكم الله)، رغم ان كل ما أورده السيد "شبّر" هي مصطلحات فقهية ترد في النصوص الاسلامية التي يتعبّد بها كل المسلمين باختلاف مذاهبهم. ثمة ما يلفت هنا، فمعروف عن مهرج برنامج "البشير شو" غرقه تماماً بأجواء هذه الإيحاءات الجنسية في كل الحلقات السابقة، وهي أعراض مرضية، ربما يتطوع بعض الأطباء النفسيين تفسيرها وعرض العلاج اللازم على هذا المهرج/ الحالة! علماً انه يقتفي أثر قدوته "باسم يوسف" الذي مرّ ذكره، فالأخير اشتهر بذات الابتلاء! أما الأمر الثاني؛ فهو إلحاق فقرة الازدراء الآنفة بالفقرة التي سبقتها في البرنامج، والتي يتعرض فيها بالسخرية من أحد شيوخ الفتنة الوهابية على قناة "صفا" الطائفية، ولم يكن هناك أي ارتباط من قريب أو بعيد بين الفقرتين، ولكن مهرّج البرنامج أقحم الفقرة الفقهية لسماحة السيد عنوة، رغبة في تفريغ عُقده ضد المؤسسة الدينية، فاستهدف رمزاً شيعياً وكأنه لا يطيق أن يطال الاستهداف بالنقد والتهكم الشيخ الوهابي لوحده، دون إشراك "معادل" شيعي ضمن دائرة الاستهداف، وانْ خرج الأمر عن المعقول والتجأ الى إقحام الموضوع قسراً!

* * *

ربما يظن مهرج برنامج "البشير شو" وفريقه (مُرتَدو الحفّاظات كما ظهروا في الحلقة المعنية) انهم نالوا "شهرة" كبيرة، رغم ان "الشهرة" ليست ميزاناً للحق والصواب في راهننا الشائك الذي يعج بـ"المشاهير" من الشذّاذ وبائعات الهوى ومن لفّ لفهم، لكن ليعلم هؤلاء انه سيتم تسجيل عنوان آخر مقترن مع "شهرتهم" التي يتسولونها، وهي انها جاءت منتنة ومخزية تزكم الأنوف، وتوسّع رقعة الإسفاف والابتذال، التي ابتليت بها الرسالة الإعلامية في العراق خصوصاً، والعالم العربي عموماً! انها شهرة العراة من الأخلاق والقيم والمبادئ، ممن هدفهم فقط تحقيق أرقام "مشاهدة" أكبر، فيستسهلون لبلوغها ازدراء الشرائع السماوية، والتعرض لكرامة الفضلاء والأتقياء!

ان الفلتان الإعلامي المتدرّع بالمادة 38 من الدستور، قد جرّ الويلات على الوضع العراقي بعد 2003 تحت يافطة "حرية التعبير"، بما جعل الكثير من وسائل الاعلام، وخصوصاً القنوات الفضائية، تتحول الى ماكينة ابتزاز واحتراب وبلطجة وترويج لقيم الارهاب والفتن الطائفية، مع تفاوت في النسب طبعاً، وما يمدّ هؤلاء في غيّهم وطغيانهم هو انهم "أمنوا العقوبة" فأساءوا الأدب والتصرف!

مستغرب هو صمت "ديوان الوقف الشيعي" إزاء هذه الانتهاكات بحق الشريعة السمحاء وعلماء الدين ورموزهم، والتي تصدر من وسائل الاعلام جهاراً (في العراق على أقل تقدير)، فالديوان هو أعلى مؤسسة رسمية دينية منوط بها رصد مثل هذه الانتهاكات والإساءات، لتطويق آثارها وملاحقة مرتكبيها قضائياً، ولردع من تسوّل لهم مآربهم اقتراف ذلك، مؤسسات أو أفراد، ممن يتجرأون علناً على الشريعة السمحاء ويتخذون أحكامها هزواً ومادة للتهكم.. نعم، ينبغي أن يطال الردع هؤلاء حتى لا يستسهلوا التطاول غداً على باقي المقدسات الاسلامية والرموز الدينية في وضح النهار، وكأن "حرية التعبير" أضحت الشرخ الذي تتسلل منه جحافل الأفاقين والمدلسين، والمتربصين بنا دوائر السوء، ومن "فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضا"!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الإثنين 25-04-2016     عدد القراء :  1867       عدد التعليقات : 0