عن الاهتمام والنسيان من قبل الآخرين...

- أنا لا أحكم على تصرفات الآخرين سلباً، لأني بالأساس أكره أن يطلق أحد ما حكماً على تصرفاتي..بل أعتبر أنه لا يحق لأي إنسان أن يطلق أحكام قاطعة على تصرفات الآخرين.

ارتبك آدم أبو التنك لجوابها وأحس بالإحراج، لكنه لم يستسلم فقال بهدوء، وبحقد بارد، وبنبرة لا تشي بالعصبية :

- من الصعب أن تكتشف أنك غير مرغوب بك أو منسي من قبل الناس الذين منحتهم وقتك وتفكيرك وكانوا مركز اهتمامك.

نظرت حواء الكرخي إليه للحظة، وكأنها تريد أن تسكتشف ما وراء جملته العامة والغامضة، التي ليس لها علاقة بسياق الكلام، فقالت متجنبة الإندفاع في أفكارها وأحاسيسها الدفينة:

- هذا تعميم فضفاض..أنا لا أحب أن يشفق أحد عليّ.. شخصياً أعرف الشعور المعذِب والمهين حينما يكون الإنسان موضع شفقة، على الرغم من أن البعض يسعى إلى أن يكون موضع الشفقة لأن ذلك يروي لديه الشعور بأنه ضحية.

انتبهت حواء الكرخي إلى أن آدم أبوالتنك ارتجف بشكل عفوي، وخمنت أنه فسر حديثها بشكل شخصي، بأنه تقصده هو، فأحست بشفقة داخلية عليه، فأرادت أن تخفف عنه، فقالت:

- لقد ساعدتُ حواء ذوالنورين انطلاقاً من روح التضامن الأخوي بين البشر..أنا لا أعرف حواء ذوالنورين..كانت مجرد مسافرة عراقية من بغداد إلى دمشق، لكنها كانت مرعوبة بشكل يصعب وصفه بالكلمات..أحسست بالتعاطف الإنساني معها..وهي في الوقت نفسه وجدت فيّ ملاذاً..وهنا في دمشق عشت معها لأيام عرفت خلالها أنها مرت بمأسىٍ وكوارث حياتية مرعبة..وأن رغبتها في الحياة كانت أقوى..فلديها آمال وأحلام عن الحياة..

لكنها بدت لي تائهة وحائرة، وخائفة من أشباح مجهولة، برغم الأمان الذي يفترض أن تعيشه هنا في دمشق..لكن أين هي الآن؟

لقد اختفت بسرعة..

لقد كانت تخاف الموت..لا.. لا..كانت تخاف التفكير في الموت..

لكنها كانت أحيانا تتمنى لو لم تكن موجودة..لو أنها كانت عدماً..

كان آدم أبوالتنك ينصت لها وقد استرخى قليلاً، فقال وكأنه ينطق بحكمة جليلة:

- لا تُدرك قيمة الشيء إلا بعد أن تفقده أو تحرم منه..

وافقته حواء الكرخي بهزة من رأسها، ثم سألته فجأة عن آدم الشبيبي:

من حوارات متاهتي الخامسة " متاهـة إبليــس"

  كتب بتأريخ :  الإثنين 27-06-2016     عدد القراء :  1340       عدد التعليقات : 0