رائحة الدم والعنف في الدراما الرمضانية

كانت الدراما الرمضانية تتوجه من قبل نحو محاولة إحياء المثل العليا والقيم الطيبة في نفسية المشاهد العربي ، وما كنا نراه في دراما المشرق والمغرب العربي هو إظهار للجانب الخير في التراث العربي والإسلامي والتذكير بقيمه النبيلة فيما يخص العلاقات العامة في المجتمع العربي وعلاقة العوائل العربية مع بعضها البعض وحتى مع الأجناس والأديان الأخرى . كان المجتمع العربي وقتها يعيش حالة من الركود والهدوء الإجتماعي رغم التخلف الإقتصادي ولم يكن هذا التخلف قد زعزع بعد القيم العربية الطيبة في إكرام الضيف والإحسان الإجتماعي ومصالحة الأعداء ، وكانت التجمعات العائلية توثق الصلات المجتمعية . قد كان هذا قبل حدوث التقلبات السياسية والتي إعتمد معظمها على قوة الحديد والنار ، وإستشرس الجميع على الجميع ، وأصبح القول الفاصل ( نفسي وما بعده الطوفان ) . وجاءت التكنولوجيا الغربية والتي وُضعت أصلاً للتوسع المعرفي أفقياً وعمودياً ، إلا أنها أستخدمت في المجتمع العربي وخاصة في مجال الإعلام والفنون وتكنولوجيا التواصل الإجتماعي إستخداماً سطحياً ، وتحولت العلاقات الإجتماعية من اللقاءات الحية إلى جلسات الغرف المغلقة والمظلمة على صفحات الفيسبوك . لقد أخرجت حركة المجتمع العنفية لاحقاً دراما إنسانية ليست بإنسانية ، وخاصة في الشهر الذي يُفترض أنه شهر الخير ، فظهرت في الدراما المصرية والخليجية والأردنية مظاهر تكرس الثأر وحب السطوة والنفعية ، ولا تعالج بقدر ما توحي للشباب بالسير خلفها . وتظهر في كل سنة أجيال من المسلسلات التي تروج للعنف ولا تبقى في الذاكرة طويلاً ، وهناك أسماء كثيرة لهذه المسلسلات الحضرية والبدوية وحتى التأريخية منها مثل الدراما المصرية ( ٧ أرواح ) أو ( الخانكة ) أو ( ونوس ) أو ( وعد الغريب ) أو ( سمرقند ) .

حين يتابع المشاهد العربي هذا النوع من الدراما على مائدة الإفطار يشم منها رائحة الدم والكراهية ويمضغها مرغماً مع طعامه ويكاد لا يبتلعها ، إذ أن ما يخرج من بين السطور هو الكثير من قيم الشر التي قد يسقطها المشاهد على نفسه ويستوعبها الشباب خاصة ويتقمصون شخصياتها التي لا توحي بالخير .

إن الفنون عادة هي إفراز حقيقي لحركة المجتمع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ، وكلما أصبحت ظاهرة العنف متعارفاً عليها ومتعوَداً عليها كلما إتصلت بكل مظاهر الحياة في ذلك المجتمع حتى أنواع الرياضة المرغوبة ، وتبرز كذلك في مجال الأدب والفن ، فالمخرج وكاتب السيناريو هو جزء من ذلك المجتمع ، ويفرز جميع إفرازاته إلا عباقرة الفن والأدب ومن يستشرفون المستقبل ويخططون لغد أفضل ، فيكتب ما يجب أن يكون ، ويرسم ويُخرج ويصور ما يجب أن يكون أكثر مما هو كائن ، إذ قد يُظهر المؤلف أو كاتب السيناريو الظواهر السلبية لكنه يضع علاجاتها وأدوات هذا العلاج ونتائجه لكي لا يغرق المشاهد في هوة من السلبيات ، أي أن يُظهر إحدى الظواهر مثل ظاهرة العنف ضد النساء لكنه لا يدع المشاهد يتمتع طويلاً بمظاهر العنف حتى يصبح سادياً ، بل يقفز فوق هذه الظاهرة سريعاً لكي يقدم البديل الأفضل ويضع النقاط على الحروف لكي يفهم المشاهد بأنه لا طائل من العنف أو القسوة المجتمعية .

إن الكوارث الإجتماعية التي تعيشها الشعوب تفرز دراما مأساوية أو تراجيديا إنسانية ، وما عاشته مثلاً بعد الحرب العالمية الثانية الأمة الألمانية والروسية والفرنسية قد أظهر الملامح الإنسانية المأساوية في الدراما المُنتجة بعد الحرب ، لكنهم تعدوا هذا بسرعة لكي لا يسقط الفرد العادي الخارج من الحرب للتو في فخ آخر إسمه الهبوط النفسي أو التفكير المتواصل للإنتقام ، وهذا ما يربط أيدي وأرجل الفرد ويجعله غير قادر على البناء والتطور وإستيعاب مشاكله الإقتصادية ، لذا إستطاع الإنسان الأوربي بشكل عام أن ينسى كوارثه الإجتماعية ويجعلها في الذاكرة فقط موثقة في الدراما وفي الأفلام الوثائقية وتعدى ذلك إلى ما هو أفضل لبناء القيم الجديدة لمجتمعات تنهض من تحت ركام المدافع وتجعل حياة أبنائها حياة أفضل بأفكار وقيم لا تنبعث منها رائحة العنف والدم .

  كتب بتأريخ :  الأحد 03-07-2016     عدد القراء :  1256       عدد التعليقات : 0