الفاسدون تراشقوا بالفضائح.. ماذا بعد؟!

شكّلت الاتهامات التي أطلقها وزير الدفاع خالد العبيدي، ضد رئيس مجلس النواب سليم الجبوري وبعض النواب والسياسيين، وعلى رأسهم النائب محمد الكربولي والنائب السابق حيدر الملا ضربة قاصمة لمصداقية أداء المجلس ودوره التشريعي والرقابي، حيث جاءت في توقيت مدروس، تزامن مع وقائع الاستجواب الموجه للوزير العبيدي (جلسة المجلس في الأول من آب الجاري، والذي قدمت طلبه النائبة عالية نصيف)، حيث أعقبت بدورها سلسلة من النكسات والتصدعات والانقلابات المصغرة التي تعرض لها المجلس، كالاعتصام الشهير لمجموعة النواب الذين أسّسوا "جبهة الإصلاح" فيما بعد!

يمكن القول ان الوزير العبيدي قد أفلت بحذاقة من طوق الاستجواب (عدّه استهدافا سياسياً) عبر قلب الطاولة على رؤوس الفاسدين المشمولين باتهاماته، وعلى رأسهم رئيس المجلس.

ليست حذاقة الإفلات وحدها التي مهدت للعبيدي بتفجير الألغام التي زرعها الفاسدون في المشهد السياسي لبعضهم البعض؛ بل هناك مآرب أخرى أخذت في التكشف تباعاً، ولا طاقة للعبيدي الملاحق بالاستجوابات المتكررة أن يتنصل منها أو يبعد الشبهة عنه، باستغلال التوقيت ليتزامن مع استجوابه، حتى لو أقسم باللّه كراراً (أقسم مراراً أثناء الاستجواب وتوجيه الاتهامات) في جلسة تصفية الحسابات (كما وصفها سليم الجبوري فيما بعد)، أو "جلسة الفضائح" كما اشتهرت بهذا الوصف لاحقاً!

ليس هناك أساساً ما يدعو لتصديق مزاعم العبيدي واتهاماته ضد الآخرين، وبعضهم من رفاقه في "تحالف القوى"، عبر وثائق دامغة وما أشبه، سوى ان هؤلاء ليسوا فوق مستوى الشبهات، ولن يكون مستهجناً اتهامهم من العبيدي أو من غيره؛ أي بمعنى ان العبيدي اتكأ على هذا المعطى بشدة، فنفض ما في جعبته على الطاولة، ومن ثم لاقت اتهاماته استقبالاً و(حفاوة) واضحين بين قطاع كبير من اللاعبين السياسيين المناوئين لأولئك المتهمين، كما اتّسع الترحيب بخطوة العبيدي ليشمل الشارع العراقي! خصوصاً وانه شنّ هجوماً غير مسبوق من وزير ضد رئاسة المجلس، فلقد تساءل باستنكار في الجلسة المذكورة: "كيف أُستجوب في برلمان رئيسه الجبوري فاسد"؟ كما اتهم الأخير بالقول: "الجبوري ومن حوله دمروا المؤسسة العسكرية بابتزازاتهم وتدخلاتهم"! ودافع العبيدي عن المؤسسة العسكرية بالقول: "انها تُهان اليوم لأنها تُستجوب من قبل فاسدين"! وصعّد من موقفه قائلا: "كنت أعرف ان جلسة الاستجواب هذه مؤامرة وغير محايدة، لأنها برئاسة الجبوري.. فلن أساوم الفاسدين على دماء أبطال الجيش العراقي.. أنا مقاتل في الجبهات وسوح المعارك، وأقاتل في البرلمان أيضا.. لو قبلت مساومة الجبوري لما جلبوني هنا للاستجواب"!!

* * *

لن يكون العبيدي (باعتباره وزيراً للدفاع في ظروف خطيرة وحساسة) بريئاً قطعاً من جريرة تستّره طوال الفترة الماضية على ما وصفه بالابتزازت والمساومات والمضايقات التي مارسها ضده سليم الجبوري والأسماء الأخرى التي أوردها، خصوصاً وإنها تمس الجهد العسكري، وبما لها تماس مباشر أيضاً بالأمن الوطني والمعركة ضد الارهاب، كما وان المطالب الشعبية العارمة كانت قائمة ولا زالت على أشدها بكشف الفاسدين وتقديمهم للقضاء كمقدمة لإنجاز مهام الإصلاح. لهذا لا عذر هنا للعبيدي أن يدخل في "كوما" متستراً على الفاسدين لمدة طويلة، ثم يستفيق فاضحاً أياهم ساعة استجوابه في مجلس يرأسه "المتهم الأول سليم الجبوري" حسب تعبير العبيدي نفسه! وهذا يعمق الهوّة كثيراً بين "الشفافية" التي يزعمها الوزير المستجوب ومناصريه في التوقيت الملغّم، وبين واقع الحال الذي يفصح ان التستر على الجريمة له تبعات قانونية، حيث من شأن هذا التستر أن يطلق يد الفاسدين أكثر ويفضي الى استفحال خطرهم!

ان سياق التوقيت الآنف لإطلاق الاتهامات يوحي بأن العبيدي قد مارس ابتزازاً على طريقته في جلسة الفضائح، وتصفية للحسابات (الوصف لسليم الجبوري)، وان سعيه بأن يتغدّى بالخصوم والمناوئين والمترصدين قبل أن يتعشوا به، هو مخطط له بعناية، اذا ما نظرنا للواقعة من جميع زوايا حيثياتها ومقدماتها وخفاياها مما تطاير لحدّ الآن من جميع الأطراف المعنية، بما يكشف عن عمق الخلافات والتصدعات التي أصابت البيت السياسي السنّي، والذي وصل الى تصفية الحسابات بالبثّ الحيّ على الملأ، وعلى أعلى المستويات! ولا يحتاج العبيدي الى من يُذكّره بأن التستر على هذه الاقترافات الخطيرة التي اتهم بها أقرانه في المكوّن السياسي الذي ينتمي اليه (ناهيك عن العواقب القانونية) تمثل صدعاً في مصداقية اليمين الدستوري الذي أقسم به الوزير بالحفاظ على أمن العراق والعراقيين، وبالطبع يتعارض هذا المعنى مع التستر على الفاسدين الذين يعبثون بأمن البلاد والعباد عبر صفقات فاسدة تطال الجهد العسكري، رغم ان البلد في حالة حرب ضروس ضد الارهاب!

يحق للبعض أن يخشى بشدة بعد جلسة الفضائح (التي لم تكمل سياقها في استجواب العبيدي المعني أولاً بتهم الفساد) من خلط الأوراق وتعمية الشارع العراقي، وذلك بتأسيس مفهوم مراوغ آخر، فحواه ان ينجوا الفاسدون (أو المتهمون بالفساد) من تبعات جرائمهم، فيما لو سارعوا ورشقوا غيرهم من الفاسدين بتهم الفساد وبفضائح كاملة الدسم! وهذه ستكون مكيدة أخرى من الفاسدين؛ بل وربما لتتويجهم "أبطالاً وطنيين" في عُرف البعض، بينما هم يُعَبّدون "ممراً آمناً" للنجاة من تبعات اقترافاتهم!

لا يصحّ القبول عقلاً ومنطقاً أن يتحول الفاسد (أو ممن تلاحقه شبهة الفساد) الى ملاك بريء بمجرد فضحه لفاسدين آخرين، والأنكى ان لهؤلاء بذمته اتهامات متبادلة بالفساد!

ان ما جعل وقائع "جلسة الفضائح" تأخذ كل هذا الحجم من كتلة النار التي أحرقت قبل كل شيء هيبة المجلس (المهترئة أصلاً) وقواعد العملية السياسية التي ميدانها الأول المجلس النيابي، هي اشتمالها على الزجّ بأسماء لقيادات سياسية سنّية في مقدمتها رئيس المجلس، وتسليط الضوء علناً على الشروخ العميقة والأزمة المتفاقمة في الصف السياسي السنّي، التي كانت غير علنية فيما سبق، كما أفرزت الجلسة لاحقاً عن زجّ اسم رئيس الوزراء حيدر العبادي في منطقة التحريض من قناة العبيدي ضد سليم الجبوري وكيانه (حسبما أورد الأخير ذلك في حديث لصحيفة الشرق الأوسط السعودية بعد يومين من الجلسة) بقوله: "العبادي استفاد تكتيكيا مما حصل، حيث إنه نقل الأزمة إلى داخل البرلمان علما أنه كان ضد الاستجواب"، كما كشفت تلك الجلسة لاحقاً عن الانقلابات المنجزة في كواليس "تحالف القوى" لصالح أسامة النجيفي وكتلته "متحدون" التي ينتمي لها الوزير العبيدي، ضد سليم الجبوري وكيانه، بما أودى الى إطلاق الاتهامات التجريمية ضد الأخير والنائب محمد الكربولي من كتلة "الحل" وحيدر الملا وآخرين! كما زاد من وقع أصداء "جلسة الفضائح" ربط سليم الجبوري (في الحديث الصحفي المذكور) إطلاق الاتهامات ضده بوجود اصطفاف في كواليس "التحالف الوطني" في محاولة لـ"الضغط على الوزير العبيدي"، وان "هناك اتفاقاً أبرمه العبيدي مع أطراف قيادية في التحالف الوطني"!

يقيناً، ان ما أفرزته "جلسة الفضائح" هو استمرار الفساد الممنهج في مؤسسات الدولة، وبالأخص الذي يمارسه النواب الفاسدون، وجرأة هؤلاء في استهانتهم بكل المخاطر المتفاقمة التي تحدق بالبلاد، وتجاهلهم الكبير لدرجة الغليان الشعبي العام وحساسية الظروف الداخلية التي يمكن أن تلهب الشارع العراقي بما لا يمكن تطويقه كما في المرات السابقة، هذا الغليان الذي جاء نتيجة بلوغ الفساد العام ذروته، دون أن تطيح وعود وخطوات الإصلاح (التي دخلت حيّز التمييع) عرشاً من عروش الفساد أو رؤوساً كبيرة مازالت تصول وتجول حتى هذه اللحظة!

لقد رسّخت مجريات "جلسة الفضائح" حقيقة أن سرطان المحاصصة السياسية هو المنتِج والمحرك لهذه الفضائح ولهذا الفساد المتوحش. ألم يُصرّح الوزير العبيدي بأن رفاق تحالفه (الذين أوصلوه الى كرسي الوزارة) هم من ابتزوه وساوموه وطالبوه بالمغانم؟! فلو لم تكن المحاصصات أساساً لتشكيل الحكومات واختيار الوزراء منذ 2003، ما خضع وزير أو أي مسؤول حكومي الى ابتزازات وتهديدات ومساومات كتلته أو تحالفه، قبيل توليه المسؤولية وحتى آخر يوم في منصبه!

* * *

يعتبر البعض بأن "جلسة الفضائح" المذكورة دليل "عافية" على دور المجلس الرقابي، وهذا البعض يغفل بأن تواتر وتكرار هذا المسلسل من الفضائح المدوية يؤشر على ان الفساد مستوطن في المجلس الموقر، وفي مجمل العملية السياسية التي يعتبر المجلس عمودها الفقري، وان تفجر هذه الفضائح يحصل في ظرف غاية في الحساسية، حيث ان الحرب ضد الارهاب على أشدها، والاستعدادات جارية لحسم معركة الموصل المصيرية، وهذا الواقع يتطلب تلاحماً سياسياً وشعبياً بائناً، ليشكل ظهيراً طبيعياً ومرجواً للقوات المسلحة والتشكيلات القتالية المرتبطة بها. ناهيك عن ان أزمة الفضائح ستجعل مصير المجلس برمته في مهب الريح، فأية عملية سياسية تحترم أسسها وقواعدها لا يمكن أن تقبل بمجلس نيابي اهتزت أغلب أركان دوره ومكانته ومصداقيته، ثم يكون طبيعياً الاستمرار بسقمه وتحمل كل التبعات السلبية لهذا الوضع، على انه أقل تكلفة سياسية من الذهاب الى انتخابات مبكرة، في حين ان الانتخابات المبكرة ستضع الكثير من الملفات والأوزان السياسية في مواضعها الصحيحة أو المفترضة، لضمان حدّ معقول من سلامة العملية السياسية.

لقد سدّد الوطن والمواطن الكثير من عافيتهما كتكلفة لاستفحال وحش الفساد السياسي وتغوّله، ولم تفلح (كما هو حاصل) كل جهود ودعوات الإصلاح والحرب على الفساد في ردع الفاسدين، وبالأخص القطط السمان منهم. ويبدو ان هؤلاء قد فطنوا قبل غيرهم بأن "اليد الحديدية" التي هددت بضربهم لا زالت يدّ من قش، كما علموا بأن كل الدعوات والاعتصامات والفعاليات الشعبية في المطالبة بمحاربة الفساد لن تحسم الأمور، ما دامت لم يواكبها قضاء حازم وقرارات حاسمة ناجزة وسريعة، مع سلطة تنفيذية جادة ومنعتقة من أصفاد المحاصصة، متأهبة لتطبيق الأحكام القضائية دون تباطؤ أو تلكؤ، ودون مساومات ومهادنات، أو محاباة وصفقات!

* * *

لا ريب بأن صخرة الفضائح التي ألقاها الوزير العبيدي في المجلس النيابي ستهز كل التوازنات والتوافقات القائمة، وبالذات في البيت السياسي السنّي، وستسعى الأطراف غير المتضررة من الاتهامات الأخيرة الى اقتناص الفرصة، وإعادة ترتيب مكعبات التوافقات مع "تحالف القوى" بما يسلخ من الأخير مواقع ومكاسب معينة، وهذا لن يتم بسلاسة طبعا، اذ سيمر بمرحلة تأزيم وشدّ سياسي بعناوين بعيدة عن حقيقة الاقتناص السالف!

السيناريو الأقرب الى الواقع والذي يمكن أن يتنبأ به المرء بعد جلسة الفضائح، وبناءً على ما أفرزته التجارب السابقة، هو ان فورة قضائية ستتصاعد حدتها، مع وعود بملاحقة المتهمين بالفساد، وستقوم هذه الوعود بدور الأقراص المسكنة للشارع العراقي، ثم تدخل هذه الخطوات رويداً رويداً في نفق مظلم طويل مصحوبة بإجراءات قضائية معقدة في ظل بيروقراطية قاتلة! وفي الأثناء ستنشط جهود التسويات والترضيات بين اللاعبين الكبار، بواقع ان الجميع يتأبط ملفات فساد ضد الآخرين، ليتم تفعيلها في مراحل التأزيم، ومن ثم يأتي دور الفضائح المرتقبة اللاحقة (وما أكثرها) لتهيل تراب النسيان على سابقتها، وهكذا دواليك، مثلما أثبتت التجارب فيما مضى!

الشعب العراقي وباعتباره المتضرر الأول من استفحال الفساد السياسي، لن تنطلي عليه الشعارات المستهلكة السابقة في "جديّة القضاء بمتابعة ملفات المتهمين بالفساد"، ولن يشفي غليله من الفاسدين الذين نكّلوا به طويلاً أو يصدّق ما يُقال لتسكينه، سوى ما يلمسه من تكريس الوعود والشعارات الى واقع عملي، عبر محاكمات سريعة عادلة علنية تقتص من رموز الفساد أيّاً كانت مواقعهم وصفاتهم الرسمية، أو المكونات التي ينتمون اليها، والضرب بيد من حديد (حقيقية) لتمثل رسالة ردع قوية وصريحة لبقية الفاسدين والمفسدين، كما تمثل استجابة حقة لمطالب الشارع العراقي المكتوي بنيران الارهاب (وتوأمه المحاصصة) واقتراقات وحوش الفساد. فالشعب العراقي المتكالب عليه، يرنو اليوم أكثر مما مضى الى مغادرة الوطن لردهة العناية المشددة بأسرع ما يمكن!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الجمعة 05-08-2016     عدد القراء :  1645       عدد التعليقات : 0