توَحُش "المال السياسي".. فسادٌ وإفساد!

في حمأة النقاش الدائر حول حلقة الفساد التي تتسع في العملية السياسية القائمة في العراق منذ 2003، يستغرب المرء حقاً للنهج المتبع من لدن الفاعلين في العملية السياسية بعدم إيلاء الأهمية المطلوبة لدور "المال السياسي" التدميري في تلك الحلقة الكارثية! ولن يُعدّ تجنياً القول؛ بأن الأسباب المحركة للكثير من هذا التجاهل تشي بالتغلغل المضطرد لدور المال السياسي في العملية السياسية وإدارة الدولة، ضمن دائرة الفساد العام الذي يكتوي بناره العراق والعراقيون. فحينما تنعدم الارادة الحقيقية في عملية "الإصلاح" ومحاربة الفساد، وتغدو مجرد شعارات جوفاء يلوكها اللاعبون الفاعلون في العملية السياسية، حينها يمكن للمرء أن يتفهم ببساطة إحجام هؤلاء عن تسليط الضوء الكافي على ذلك الدور التخريبي للمال السياسي، خصوصاً وهم يمضغون شعارات غدت رائجة في هذه الفترة، كـ"الحرب على الفساد" أو "تكريس عملية الإصلاح"، اذ ليس من مصلحتهم فتح النار على دور المال السياسي كأهم مرتكز يسند مواقعهم ويُقوّم أوزانهم في العملية السياسية!

عليه، يصبح تجاهل هؤلاء لخطورة هذا الدور جزءً من أدوات تحريف بوصلة الحلول الواقعية والحقيقية، بالإضافة الى المساهمة في استدامة تسلطهم على مفاعيل العملية السياسية، بواقع ان المال السياسي اخطبوط يمدّ أذرعه في كل أنشطة المفاصل السياسية والإدارية في الدولة، والأخطر في ذلك؛ ان هذا الوحش يفتك بصمت في أكثر الأحيان، وله قدرة خارقة على التغلغل عبر الشقوق والثغرات والتصدعات التي يمكن أن تطال أية عملية سياسية فتية، مع الافتراض القائم بوجود الانتهازيين والفاسدين ومافيا السلطة، وكذلك المرتبطين بأجندات أجنبية، وفي هذه النقطة بالذات ستزداد الخطورة حينما تعمل الأنشطة الاستخبارية الأجنبية على استثمار المال السياسي داخلياً لتكريس أهداف تلك الأجندات!

لقد تطرقت الى مخاطر المال السياسي في عدة مواضيع في فترات متباعدة سابقاً، وما يحرّضني اليوم على تناول هذا الموضوع هو وجود ما اعتبره طوقاً مضروباً (جهلاً أو تخطيطاً) على التناول الجاد والمعمق لدور المال السياسي في استفحال الفساد العام (ومنه السياسي)، بما يشكّل سُحباً ثقيلة في المشهد العراقي برمّته، ومعضلة تضرب في العمق أركان العملية السياسية، والتي تفاقم بدورها أزمات الشارع العراقي المتعددة. كما يفضي (الفساد السياسي) قطعاً الى تقويض جهود الحرب على الارهاب.

تغيب - للأسف - التعريفات الوافية لمصطلح "المال السياسي" والتي يمكن أن تحيط بمجمل تأثيراته وأدواره واتساع الأنشطة التي يتداخل معها! لذا ثمة عدم اتفاق على تعريف "المال السياسي" في الأدبيات السياسية، ولكن أبرز التعريفات تذهب الى ان المصطلح يُطلق على الأموال التي تُضّخ في أنشطة ومشاريع وواجهات سياسية، وأبرزها الانتخابات النيابية والمحلية والرئاسية، بهدف التأثير في السياسات والنتائج، ومن ثم إخراجها عن سياقها الطبيعي، وجعل المستخدمين للمال السياسي يؤثرون في الواقع السياسي بما لا يتناسب وتمثيلهم الحقيقي أو أوزانهم في العملية الديمقراطية. وقد اختلفت تلك التعريفات المتداولة في تبيان المجالات التي تغطيها حركة وأنشطة المال السياسي، حيث تختلف من بلد لآخر حسب ظروف وقواعد العمل السياسي، ومن مرحلة لأخرى، وفي المجمل تُشرّع تلك الدول قوانين تجرّم أنشطة المال السياسي أو تحاصره وتقيّده في أسوأ الاحتمالات. وتتنامى باطراد أهمية المال السياسي في البيئات المبتلية بالفساد السياسي المزمن، اذ يتحول ذلك المال الى نوع من الأسلحة الثقيلة غير المرئية، فتهدم وتفتك، وتعرقل وتؤزّم بصمت! فلن يحتاج المال السياسي في الاستمرار بدورة الفتك والتخريب والاستحواذ سوى الى بيئة تضمنها عملية سياسية مهتزة الأركان، ودستور مهجور، وقوانين معطلة، ومصالح فئوية وحزبية ضيقة، وتدخلات خارجية مرحّب بها، بالإضافة الى أزمات مُرّحلة من حكومة الى أخرى، أو من مجلس نواب الى آخر، كما ان ما يشحذ مخالب المال السياسي وجود انتهازيين متنفذين، و"ديموقراطية" مشوهة، مع إرادة وطنية حقيقية مكبوتة، وإرهاب يتغذى على كل ذلك ليهيئ المسرح لهذا المال السياسي بأن يعاضد غول الفساد، فيسند كلاهما الآخر ويمدّه بسبل البقاء!

لقد عرّفت "منظمة الشفافية العالمية" الفساد بإيجاز على انه: "استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة"، وبالطبع تتداخل عملياً هنا المنفعة الخاصة بمصالح الكيانات والجماعات السياسية المنخرطة في اللعبة السياسية، ويتحول المال السياسي (عمليا أيضاً) الى أهم وأجدر أداة لتحقيق تلك المصالح، وفي العراق تحديداً حيث يتموضع مؤشر الفساد للسنوات الأخيرة في أدنى السلّم، فحسب "مؤشر الفساد لمنظمة الشفافية العالمية لعام 2015" جاء العراق في المرتبة 161 من ترتيب 168 دولة شملها المؤشر، وكانت المرتبة أدنى حتى من سوريا وهاييتي وأوغندا!

الأنكى ان آلية المحاصصة القائمة منذ 2003 توفّر أجواءً مشجعة لاستفحال دور المال السياسي في الحياة السياسية والعامة على السواء، ودائماً ما تضبط "التوافقات" في الغرف المغلقة قواعد هذا الدور أو تقاطعاته بين الأطراف السياسية المتحاصصة!

* * *

لا تسلم أية عملية انتخابية أو سياسية من تزاوج قسري مع المال السياسي في راهن السياسة المعاصرة، لهذا اضطر المشرّعون القانونيون في أغلب البلدان الى اللجوء الى "تكييف قانوني" يجعل استخدام المال السياسي مشروعاً (ربما بمسميات أخرى)، شرط أن يتم ذلك وفق التقيّد بـ"ضوابط" معينة، باعتبار انه من الطبيعي أن تستخدم الأحزاب والجماعات السياسية الأموال (وفق الضوابط) لإنجاح حملاتها الانتخابية وبرامجها السياسية، واصطلح عليه اجتهاداً في بلدان كثيرة بـ"المال السياسي الايجابي" أو "الأبيض"! واللافت ان مثل هذه الضوابط أضحت مجرد حبراً على ورق تدريجيا وفق الممارسة الانتخابية السائدة حتى في أعرق الديموقراطيات وأشهرها، ويكفي أن نعلم بأنه تم إنفاق أكثر من ملياري دولار على حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي انتهت بالتجديد لأوباما، وبالطبع لم تبيح "الضوابط" هناك تلقائياً إنفاق هذا المبلغ الكبير، والذي يحوّل الانتخابات الى مزاد لشراء البيت الأبيض لولاية جديدة!

يربط الكثير من الأكاديميين السياسيين بين دور المال السياسي وبين الفساد السياسي، ويتم ربطهما معاً في الكثير من الحالات التي يتم فيها تناول مواضيع الفساد العام في الدول النامية، أو الفتيّة ديموقراطياً، كما يجنح البعض الى حصر تأثير المال السياسي على المواسم الانتخابية بتنوعها، أو إشراك "التمويل الحزبي" كعماد لتأثير المال السياسي وبسط امتداداته، وكما أسلفت؛ أصبح هذا التناول والحصر قاصراً عن الإلمام بكافة الأدوار والمجالات التي ينشط فيها المال السياسي (بتمويل الأحزاب والجماعات السياسية أو غيرها) في الحياة السياسية في العقدين الأخيرين، والتجارب أكثر من أن تُحصى في بلدان كثيرة، ولكن هذا لا يمنع من الاستفادة من دراسات واستنتاجات أكاديمية جادة تربط المال السياسي (بما يشبه الإطلاق) بالتمويل الحزبي، خصوصاً أثناء الممارسة الانتخابية! وتندرج ضمن هذه الدراسات والتقارير دراسة بعنوان: "دور المال في السياسة - دراسة حول أساليب تمويل الأحزاب في 22 دولة" من إصدار "المعهد الديمقراطي الوطني - واشنطن 2005"، تضمنت مقابلات مع 440 قائداً سياسياً وحزبياً ومدنياً (في الدول المعنية بالدراسة)، ومما جاء فيها: "يُشكّل الفساد الناجم عن تمويل الأحزاب السياسية تهديداً متنامياً لتطور الديموقراطيات في العامل أجمع، نظراً الى أن تدفق الأموال الى الأحزاب سرّاً، وتسخير النفوذ لمآرب شخصية، والتحكم بموارد الدولة تلبيةً لأغراض حزبية، كلها عوامل تعرّض للخطر أثمن ما في الديموقراطية، ألا وهو إيمان المواطنين العاديين بالعملية السياسية وتقديم الدعم لها".

وفي معرض التطرق ضمناً للهواجس المشروعة في خطورة إمكانية استثمار المال السياسي من الانتهازيين الذين يعتلون المناصب ويندسون في العملية السياسية، جاء في الدراسة: "يُعرب البعض عن قلقهم من أن يقوم أصحاب مصالح شركات الأعمال والثروات، المنخرطون في العمل السياسي، بتقويض المشاركة الديموقراطية وإبطاء عجلة الإنماء الاقتصادي، ما يحدث تغييراً في طبيعة الحكم. كما أفصح البعض كراراً عن مخاوفه حيال تزايد عدد الميسورين الساعين الى اعتلاء المناصب بنيّة الانتفاع من عقود مربحة وإحكام قبضتهم عليها، إضافة الى رجال الأعمال المساهمين الذين يطالبون باستيفاء ما دفعوه ممّن منّوا عليهم بدعم سياسي. لذا، غالباً ما يُنظر الى المؤسسة السياسية على انها حلقة من الأثرياء الذين يقررون سياساتهم على ضوء مصالحهم الخاصة، عِوَض خدمة المصلحة العامة"! وكما يُلاحظ فهذه الهواجس المشروعة لا تغادر المشهد السياسي العراقي منذ 2003، رغم ان الدراسة عامة ولا تختص بالعراق..!

وتخلص الدراسة المشار اليها الى نتيجة خطيرة بدورها، يمكن إقرانها بانعدام الشفافية المطلوبة في أية ديموقراطية حقيقية، اذ "لا تُزوّد الكثير من الدول الديموقراطية النامية عامة الشعب بمعلومات دقيقة عن طُرق إنفاق المال السياسي، فمستلزمات إعداد التقارير غالباً ما تكون معدومة فيها"! انتهى الاقتباس.

صحيح، هل وصلنا في العراق، وفي ظل الصخب - أو النقاش تجرداً - المثار حول "محاربة الفساد وتكريس عملية الإصلاح" الى "إعداد التقارير عن طُرق إنفاق المال السياسي" كالتي أشارت اليها الدراسة؟! لا أبالغ لو قلت بأنني طرحت هنا سؤالاً ميتافيزيقياً لا يمت للواقع العراقي بصلة! رغم ان البعض كان يرى (بتفاؤل مفرط) ان الحل يكمن بإقرار قانون يُنضّم ذلك، وطبعاً هذا القانون العتيد، أي "قانون الأحزاب السياسية في العراق" قد تمت المصادقة عليه أواخر 2015، وتضمّن مواداً وبنوداً يجمع المتابعون انها (نظرياً) تُجمل الضوابط المطلوبة لتنظيم ومراقبة "تمويل الأحزاب"، هذا التمويل الذي يمثل في الغالب وقوداً للمال السياسي الذي نحن بصدده. ومن تلك المواد؛ المادة 33 والتي نصها: "تشتمل مصادر تمويل الحزب او التنظيم السياسي على: أولاً: اشتراكات أعضائه. ثانياً: التبرعات والمنح الداخلية. ثالثاً: عوائد استثمار أمواله وفقا لهذا القانون. رابعاً: الإعانات المالية من الموازنة العامة للدولة بموجب المعايير الواردة في هذا القانون". ونصّ المادة 36: "أولاً: عند استلام التبرع، يتم التحقق من هوية المتبرع وتسجل في سجل التبرعات الخاص بالحزب او التنظيم السياسي. ثانياً: يتم نشر قائمة أسماء المتبرعين في جريدة الحزب او التنظيم السياسي. ثالثاً: يمنع التبرع للحزب او تنظيم سياسي بالسلع المادية أو المبالغ النقدية المعدة أصلا لكسب منفعة غير مشروعة للحزب او تنظيم سياسي أو للمتبرع". أما المادة 37 فتنصّ: "أولاً: لا يجوز للحزب او تنظيم سياسي أن يتسلم التبرعات من المؤسسات و الشركات العامة الممولة ذاتياً، من الشركات التجارية والمصرفية التي يكون جزء من رأسمالها من الدولة. ثانياً: تمنع كل التبرعات المرسلة من أشخاص أو دول أو تنظيمات أجنبية". والأبرز ما نصّت عليه المادة 39: "يودع الحزب أو التنظيم السياسي أمواله في المصارف العراقية".

وقطعاً لم نقرأ يوماً عن اسم متبرع لحزب أو كيان سياسي، ولم تفصح الجهات الرسمية يوماً عن "مخالفة" حزبية بشأن استلام حزب او تنظيم سياسي "تبرعاً" من شركات مصرفية وتجارية أو من دول وتنظيمات أجنبية (الا اذا افترضنا ان جميعها فوق مستوى هذه الشُبهات)! واللافت هو؛ كيف ستلتزم الأحزاب والتنظيمات السياسية بالمادة 39 في ظل انعدام الشفافية وتجذّر مافيا السلطة في المرافق المصرفية العراقية؟!

* * *

:. ما يتم اقترافه بواسطة المال السياسي في العراق:

1- شراء الأصوات في المواسم الانتخابية، وهذه الممارسة أصبحت تدار بشكل شبه علني وتشكّل أوضح مثال لتغوّل المال السياسي وتأثيره الكارثي، حيث طالت الشبهات والاتهامات المتبادلة أغلب الكيانات السياسية المتنافسة، وبلغت ميزانيات حملات بعض الكتل والكيانات أرقاماً مهولة لم يعهدها الواقع العراقي، مثلاً تم انفاق مئات ملايين الدولارات ضمن الحملة الانتخابية النيابية لقائمة واحدة (القائمة العراقية) في 2010، ولم يتحرج رموز القائمة تلك من إعلان ذلك على الملأ!

وتضرب هذه الممارسة بالتأكيد صميم نزاهة العملية الانتخابية، وذلك للتأثير على النتائج، وبالتالي تتلاشى حقيقة الأوزان السياسية للجماعات والكيانات المنضوية ضمن العملية السياسية، مما يؤول الى أعطاب غاية في السلبية تلازم هذه العملية، كما تؤسس هذه الممارسة الى انهيار الثقة بأية انتخابات، وبالتالي يصبح مصير العملية السياسية الناتجة عن الانتخابات على كف عفريت، وجسداً رخواً قابل للاختراق والتفتت.

ثمة أمر آخر، حيث يمثل شراء الأصوات اعتداءً صارخاً في وضح النهار على كرامة وحق المواطن الذي ضحّى وعانى وكابد الأهوال ليشهد عملية ديموقراطية نزيهة الى حدّ ما، لا تطالها أساليب التحريف والتزوير (بأدوات المال السياسي مثلاً)!

2- الهيمنة على وسائل الاعلام عبر تأسيس مؤسسات إعلامية بتمويل كبير، وفق معايير مهنية عصرية تضمن كسب المنافسة القائمة، بعد الاستفادة من فضاء الحرية والتشريعات القانونية المتساهلة والمليئة بالثغرات، بغية تشكيل الرأي العام وتشويه أو تطويع الحقائق بما يخدم الأطراف السياسية المموِّلة، وبالتالي إضعاف وسائل الاعلام النزيهة وذات المصداقية لضعف ميزانياتها، ومن ثم العمل على إزاحتها عن المشهد الإعلامي، حتى تصبح هيمنة أبواق المال السياسي والجماعات التي تديره (بما فيها اللّوبيات على أنواعها) أمراً واقعاً، اذ الثابت حالياً هو أن تأثير الإعلام الفضائي الذي يُدار بمهنية عصرية أكبر من تأثير أغلب أنشطة الكيانات السياسية على الرأي العام!

3- أثبتت التجارب الانتخابية السابقة بأن هناك العديد من الأثرياء أو ممّن يُطلق عليهم زوراً "رجال أعمال" قد استطاعوا أن "يشتروا" مقعداً نيابياً أو في مجالس المحافظات بأموالهم، بعد أن "تعاقدوا" مع أطراف وكيانات سياسية، وهؤلاء بالذات ينطبق بشأنهم مصطلح "سياسيو الصدفة" لضحالة إلمامهم بالسياسة أساساً، وأُمّيتهم المشهودة في هذا الحقل! وبالطبع سيتم ضخّ تلك الأموال التي اشتروا بها مقاعدهم و"صفاتهم الرسمية مع الحصانة" ضمن المال السياسي، الذي يواصل دوره المشؤوم في الحياة السياسية، وايضاً سيتم الاستفادة من "المسدّدين" لأثمان مقاعدهم ومناصبهم في إدامة رفد الدورة الشيطانية المغلقة للفساد العام بأدوات المال السياسي!

4- ضمن تداول وتوظيف الصفقات التي تدار بالمال السياسي، وبالاستفادة من آلية المحاصصة البغيضة، يتم استدعاء أزلام العهد الإجرامي البائد بعد تلميعهم وتسويقهم على أنهم "سياسيون وطنيون" رغم ماضيهم الإجرامي، فيتم زجّهم في مجلس النواب بوسائل انتخابية مشبوهة، أو في مفاصل الدولة ومراكز المسؤولية الحساسة، بعد ان يتم "تنظيف" ملفاتهم المتفحمة لتفلت (عبر الرشاوى وتبادل المصالح) من قبضة القضاء و"المساءلة والعدالة"! ولا داعي للتذكير بأن الأموال المنهوبة من قبل هؤلاء إبان السقوط في 2003 تشكّل ذخيرة لا يستهان بها في المال السياسي الذي يجيد هؤلاء توظيفه واستثماره، كما لا داعي للتذكير أيضاً بأن المشهد السياسي الراهن يثبت ذلك بلا أدنى شك!

5- شراء ذمم بعض المسؤولين وذوي القرار في مفاصل الدولة، وخصوصاً أولئك الذين يتبوّأون مسؤوليات في المجال الاقتصادي والمالي، والمؤسسات التي تدّر بالعائدات على ميزانية الدولة، كالموانئ وقطاعات النقل والإعمار والاتصالات والمصارف، وبالتالي الهيمنة على العقود الضخمة الممنوحة الى القطاع الخاص او المشترك مع القطاع العام؛ بل ويمتد التورط الى الاتفاق (تحت الطاولات) مع الشركات العابرة للقارات المتعاقدة مع الحكومة، بغية استيفاء أتاوات أو عمولات مشبوهة! ولا يحتاج الأمر الى عبقرية خارقة للتوصل بأن هذه التجاوزات بمجملها تعيق وتشلّ أية عملية تنموية حقيقية، أو نهوض (وإصلاح) اقتصادي..!

6- الاستحواذ على قرار السلطة القضائية في الملفات الكبرى وذات الأهمية القصوى في سلامة سير وديمومة العملية السياسية، وكذلك التغطية على ملفات الفساد السياسي الإداري الخطيرة، وذلك عبر دعم كوادر بعينها من قبل أطراف سياسية لشغل المناصب بفعل المحاصصة أو جماعات الضغط "اللّوبيات" المتنفذة، وإرغام آخرين (ترغيباً أو ترهيباً) للخضوع لإملاءات تلك الأطراف وتحقيق رغباتها الفئوية والسياسية.

7- تأسيس واجهات بعناوين براقة، ضمن التوجه المدروس لسدّ أي فراغ يمكن أن يملأه المخلصون والشرفاء، ومن هذه الواجهات منظمات "الدفاع عن حقوق الانسان" و"حقوق المرأة" و"الحريات الإعلامية والصحفية" و"حماية البيئة"، أو مراكز دراسات حقوقية وتنموية وأكاديمية وما شابه، لتكون منصات تبعد الشبهات عن الفساد الذي تمارسه الأطراف السياسية الممولة في مجالات شتى، أو تلمّع صورة تلك الأطراف كلما سنحت الفرص.

يضاف الى ذلك التغلغل في مجال أنشطة منظمات المجتمع المدني، عبر تأسيس واجهات تخدم أجندات وبرامج أحزاب أو أطراف سياسية بعينها، مما تفضي الى فقدان الثقة بأغلب أنشطة تلك المنظمات، في غياب الشفافية وهيمنة أجواء الفساد!

8- بسط المال السياسي نفوذه الخطير الى أبعد ما يتصور المرء، حيث دلف الى ساحة المؤسسة الدينية، وشرع منذ زمن بصناعة وإدارة "مرجعيات دينية" مخلّقة في الواقع الشيعي، وإن كانت مشبوهة وضحلة المستوى ومنحرفة (فيما تطرحه وتدعو اليه) وتحصد ازدراءَ لا تُحسد عليه، ولكنها في المجمل قادرة على التشويش وخلط الأوراق، وترمي الى شق الصفوف وإيجاد تصدعات تمس السمعة الطيبة لهذه المؤسسة والتي شُيّدت طوابقها عبر مئات السنين (بفعل جهود مضنية وتضحيات جسيمة). والملاحظ بجلاء ان "المرجعيات" المصنّعة تطلق أحياناً آراءً سياسية تتطابق الى حدّ مفضوح مع الجماعات والأطراف السياسية التي وظّفت المال السياسي في عملية تصنيعها، هادفة الى التأثير في الأوساط الدينية بما يخدم مخططات تلك الجماعات على المدى المنظور والبعيد، ومحاولة تقويض أسس المؤسسة الدينية لما لها من تأثير طاغٍ على الأتباع، يقف في الغالب عائقاً أمام كثير من المخططات المشبوهة.

حرّي القول هنا بأن المؤسسة الدينية السنّية لم تسلم يقيناً هي الأخرى من مناورات المال السياسي، وصناعة "مرجعيات" سنّية تلعب أدواراً مشبوهة لخدمة توجهات جماعات سياسية، كانت هذه قد أسهمت في صناعتها وتمويلها والتخطيط لها، للتأثير في أنشطة سياسية بالدرجة الأولى، كضمان تحشيد الرأي العام السنّي في أية انتخابات، أو توظيفها في الصراعات السياسية السنّية - السنّية، وتطويع الجمهور السنّي للتأليب ضد الشرفاء والمضحين في المشهد العراقي (كما يحصل ضد الحشد الشعبي ووصمه بالطائفي والصفوي وباقي الأوصاف المسيئة)!

* * *

ما يُفاقم تغوّل المال السياسي في بلد ما هو تجاهل هذا الدور من قبل السياسيين والأكاديميين والمثقفين النزيهين والمنادين بالإصلاح، ويقع العبء الأبرز الأكبر ضمن دائرة مسؤوليات المؤسسات الإعلامية المخلصة في مساعيها لفضح الفساد العام، بأن تسلط الضوء أكثر وتكشف مخاطر أدوار المال السياسي، والأطراف والجماعات (أو لوبيّات الأثرياء) التي تقف وراءه وتديره. وبالتراخي في مهمة الفضح هذه يحصد العراقيون خيبات أمل كبيرة في جهود "عملية الإصلاح" الشاقة، لأن عدم وضع الإصبع على الجرح والاكتفاء بالعموميات الفضفاضة لا يطيح بفاسد أو منظومة الفساد.

ولا بد من الحذر أكثر في هذه المرحلة التي تشهد حراكاً شعبياً باتجاه الإصلاح الشامل، لأن شراك المال السياسي وأذرعه الأخطبوطية تنشط أكثر من ذي قبل في هذه المرحلة، اذ العراق يخطو نحو تطهير الأرض من دنس الارهاب التكفيري، الذي ما أطال في عمره حتى اللحظة سوى معاضدته من قبل الفساد والفاسدين ودواعش العملية السياسية.

abbasbaghda[email protected]

  كتب بتأريخ :  الأحد 21-08-2016     عدد القراء :  1309       عدد التعليقات : 0