اقتناص لقطة "عمران" وتطبيقات "الفوضى الخلاّقة"!

ما الذي تفتقده صور آلاف الأطفال (مع ذويهم) مقطوعي الأوصال من مسلمي "الروهينجا" في بورما ضمن المجازر (الروتينية) التي يقترفها الإرهاب البوذي بحقهم هناك، لتوازي في فجائعيتها المشهدية -على الأقل- صور قتلى الهجوم الإرهابي الذي طال مقر صحيفة "شارلي إيبدو" الباريسية وخلّف 12 قتيلاً، بحيث جعلت هذه الحادثة مئات الملايين حول العالم (فرنسيون، ومن جنسيات أخرى لم يسمعوا بإسم الصحيفة قبل الحادث) يرفعون شعار "كلنا شارلي إيبدو"؟!

أية عناصر (تقنية وموضوعية) محرّضة على التعاطف والتفاعل لا تحملها صور آلاف الأطفال العراقيين الأبرياء الذين تناثرت وتفحمت أشلائهم في الطرقات والأسواق ورياض الأطفال والمدارس، وتحت أنقاض مساكنهم المدمرة بفعل الإرهاب التكفيري الوحشي الذي يضرب العراق منذ سنوات (أبشعها التفجير الإرهابي في منطقة الكرادة ببغداد قبل عدة أسابيع)، بينما تلك العناصر التحريضية تحملها صور ضحايا الهجمات الإرهابية في بروكسل ونيس ولندن، وتحصد تعاطفاً وتفاعلاً كبيرين عالمياً؟!

وفقاً لهذا المنحى يمكن أن يعمّم ذات الاستفهام على صور القتلى من الأطفال (تحديداً) الذين تتناثر أشلاؤهم في اليمن، وتحصد أرواحهم أسلحة العدوان السعودي مع الارهاب التكفيري، وفي غزة نتيجة الإرهاب الاسرائيلي، مروراً بلبنان حيث الإرهاب الداعشي ونظائره يمعنون في قتل الأبرياء..!

جواب الاستفهام يكمن في أن قوة الطاقة التحريضية والرسائل الكامنة التي تختزنها الصورة الإعلامية، وإمكانية فرض سطوتها عبر اتساع رقعة انتشارها، ومن ثم توجيه تأثيراتها في الرأي العام، باتت تخضع في مجملها الى عوامل ومعادلات وحسابات معقدة، يتحكّم بها غالباً من يمتلك ناصية الإعلام العولمي ومؤسسات الميديا العملاقة، بما في ذلك حيازة أحدث التقنيات المتاحة والخبرات المتراكمة مع شبكة العلاقات الدولية والمصالح المتشابكة، وهذه المنظومة مرتبطة طبعاً بدوائر سياسية تدير القرار الدولي، أو مرتبطة بمصالح اقتصادية كبيرة لا تنفك بحال عن مصباتها في تلك الدوائر السياسية، ويصبح المتبقون في الفضاء الإعلامي مجرد مستهلكين أو مقتفين لأثار أولئك!

إن فرض صورة إعلامية ما على مئات الملايين من البشر وشحنها بالسطوة الموَجَّهة نحو المشاعر والأحاسيس غالباً باتّجاه محدّد، ليس بسهولة ضغطة زر، كأن يتم رفع هذه الصورة ابتداءً على موقع على النت، أو نشرها على صفحة فيسبوك (فمثل هذه الصور تُنشر بمئات الآلاف يومياً)، أو إبرازها فقط في نشرة خبرية لفضائية دولية مشهورة! إنما يكمن الأمر في توظيف كبير (وسريع أحياناً) لعناصر كثيرة مجتمعة، منها اقتناص اللحظة الدولية المناسبة (للنشر) التي يمكن أن تخدم الدوائر السياسية المشار اليها، وتهيئة الأجواء لإبراز التفاعل المطلوب من قبل أشخاص يتم انتقائهم بعناية، ممن لهم نفوذ كبير على الساحة الدولية، أو مشاهير دوليين، ونظير هؤلاء (من علماء ومشاهير الكتّاب والفنانين)، وذلك بعرض آرائهم عبر مختلف الوسائل والوسائط الإعلامية المتاحة، وأيضاً اعتماد التكرار في نشر الصورة المعنية بصورة متدفقة خصوصاً في أبرز فقرات النشرات الإخبارية، واعتماد ﺃﺳﻠﻮﺏ "ﺍﻟﺘﺄﻃﻴﺮ" في حصر رسالة هذه الصورة بالتوظيف المرسوم لها، وإجراء برامج حوارية ونقاش عام حول موضوع الصورة، ومن ثم خلق ارتدادات سريعة متتابعة لحدث الصورة حتى تظل تبسط تأثيرها وسطوتها لفترة أطول، كأن يتم اختلاق "ألغاز" مصطنعة حولها، أو استقصاء أثر ذوي الأشخاص الذين يظهرون في تلك الصورة (أو الصور)، وإضفاء طابع درامي لظروف التقاطها أو عواقب نشرها على من التقطها وقام بتسريبها، ولن تنتهي القصة هنا؛ بل ربما يُضخّم الأمر الى منح المصور جائزة دولية! وفي خضّم كل ذلك يمكن أن تكون حقيقة الصورة نفسها (لا كما يتم تسويقها) مغيّبة في دهاليز الدوافع والمصالح السياسية التي تسيّر كل المؤسسات الإعلامية العولمية، التي تُشكّل بدورها الرأي العام السائد!

نعم، للصورة تأثيرها الطاغي المتنامي في الإعلام عموماً والرقمي خصوصاً، ولكن ليس كل الصور المشبّعة بالأحداث والقصص، بل الصور التي يصنعها المهيمنون الكبار في عالم الميديا، الذين يتبعون نادي اللاعبين الأساسيين بمصير الكرة الأرضية والراسمين للسياسات الكوكبية، أما كيف هي مصنعة تلك الصور؟ هذا لا يعني بالضرورة تلفيقها تقنياً فقط ان دعت الضرورة والمصلحة، بل تلفيق رسائلها وتزوير جوانب هامة من حقائق لحظة اقتناص حدثها، للتأثير على  صيرورة معناها في ذهن المتلقي، عبر إدخال زخّات متدفقة من الإشارات الحسية ضمن التسويق المتّبع لتؤثر بقوة في نتيجة وصولها الى المتلقي، وإقفال خياله على موجات مرتبطة تبث مخرجاتها الذهنية بهدف إعادة تشييد مفاهيم الصورة، وهذا كله يتأتى بواقع حيازة كل التقنيات الحديثة والانتشار الإعلامي العولمي الذي تتمتع به وسائل الإعلام تلك.

* * *

يجمع المراقبون بأن صورة الطفل السوري "عمران دقنيش" ذي الخمس سنوات الذي تم إنقاذه من ركام منزله في حلب بعد تعرضه للقصف، والتي انتشرت واشتهرت مؤخراً في وسائل الإعلام الدولية، تضاهي في "تأثيرها" صورة الطفل السوري "إيلان كردي" ذي الثلاث سنوات، حيث كان غريقاً مسجّى على رمال شاطئ تركي في أيلول 2015، وكان قد لفظه البحر بعد أن غرقت والدته وأخيه ومن معهما في قارب الموت المتجه نحو شواطئ أوربا طلباً للّجوء.

صورة عمران اُقتطعت من مقطع فيديو صغير صوّره ناشطون هواة، يُظهر إجلاء عدة أطفال مصابين يكسوهم التراب ومضرجين بالدماء (يُقال انهم أُنقذوا من بين ركام منزلهم الذي تهدم جرّاء غارة جوية) الى داخل سيارة إسعاف، تبين فيما بعد ان شقيق وشقيقة عمران كانوا ضمن هؤلاء المصابين.

اللافت أن الصورة الأخرى التي ظلت ترافق صورة عمران في وسائل الاعلام المتنوعة، وخصوصاً في وسائل السوشيال ميديا، هي صورة "كيت بولدون" المذيعة الفاتنة لقناة "CNN" الأمريكية تذرف دموعها لدى تناول خبر صورة عمران التي شغلت حيّزاً في المشهد الخبري!

ان قطرات دموع المذيعة المذكورة تختزل بجدارة "سطوة" الرسائل المشفرة لصورة عمران (الضحية) التي أرادت الميديا الأميركية نشرها على أوسع نطاق ممكن، حتى أضحت صورة المذيعة (مع الدموع لزاماً) تحريضاً خارجياً مضاعفاً يضفي بُعداً تراجيدياً عولمياً (لوسعة انتشار تلك الفضائية الأميركية)، فإذا بكت أو تباكت هذه الفاتنة الأميركية، هل يُعقل أن يحبس المتلقون المنومون مغناطيسياً دموعهم؟ وهل يُترك أي مجال لأحد حينها أن يمارس الشكّ في مصداقية الرسائل التي تم تحميلها لصورة عمران، وهي سياسية بالدرجة الأولى، وإنسانية بالدرجة العاشرة؟! طبعاً يُرجى تأجيل السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا الدموع الأميركية لها توقيتات محبكة تم ضبطها مع مصالحها المحمومة على مدار الساعة فوق سطح كوكبنا، وهل صورة عمران لا تمثل أكثر من طلق ناري اغتنمه القنّاص الأميركي بمهنية، وهو المتربص لكل ما يشوّه غريمه بشار الأسد وسلطته؟!

* * *

هل تمثل صورة الطفل عمران المضرّج بالدماء والمكسو بتراب الفجيعة والمصدوم الى حدّ اشتهاء الموت، جرحاً إنسانياً نازفاً؟ الجواب نعم.. ويصدق ذلك على الطفل عمران في العراق واليمن ولبنان وليبيا وأفغانستان والصومال ونيجيريا.. هذه الساحات التي أوغل الإرهاب الداعشي التكفيري فيها قتلاً ودماراً، وآزر بتناغم مفضوح عدواناً سعودياً على اليمن تباركه وتدعمه أميركا وحليفاتها في الغرب، وأما عن الدور الأميركي في صناعة داعش، فالاعتراف سيد الأدلة، خصوصاً حينما يأتي على لسان "دونالد ترامب" مرّشح الرئاسة الأميركية، الذي صرّح مؤخراً بمسؤولية الرئيس أوباما وإدارته في نشأة داعش..!

من يعطي الحق لأميركا أن تحشّد كل ترسانتها الإعلامية العولمية لتزجّ بالطفل عمران في لعبة التنصل من كل مسؤولياتها في إشعال فتيل الحروب في بلداننا (ومنها سوريا)، وأن تستميت (في حالة عمران) وتملأ العالم صراخاً بأن بشار الأسد وطائرات حليفته روسيا (حصراً) هي التي تدمّر المنازل فوق رؤوس الأطفال الأبرياء.. وهي التي تجعل (مجازاً) أغلى الدموع الأميركية تُذرف من عيون شقراء الـ"CNN"؟!

هل عمران ضحية اقتتال بين سلطة شرعية من جهة وبين عصابات همجية تكفيرية تتزعمها داعش والنصرة، ومعها فصائل (معارضة سورية) تأتمر بأوامر البنتاغون جهاراً؟ الجواب نعم.. بيد انه أيضاً ضحية ابتداءً لـ"الفوضى الخلاّقة" الأميركية التي زرعت الدمار في منطقتنا واستمدت شحناتها من نظرية "صدام الحضارات"، سعياً لصياغة "الشرق الأوسط الجديد" على أشلاء ضحايا الحروب الأميركية المستعرة نيراها منذ سنوات في المنطقة، والتي يتم دفع أثمانها من دماء الأبرياء وعافية الأوطان، هذه النيران امتدت ألسنتها الى العالم عموماً والغرب خصوصاً! ولن يكون بمقدور الماكينة الإعلامية الأميركية وحليفتها الغربية أن تطمس هذه الحقائق حتى لو استخدمت مليون صورة كـصورة الضحية عمران؟!

* * *

يبدو ان البعض قد بكى أو تباكى تأسياً بمذيعة الـ"CNN" التي جادت ببضع قطرات من دموعها وأتلفت مكياجها المشغول بعناية هوليودية! هل يَحتمل هذا الرأي قسطاً من المبالغة؟ حسناً، من يعتقد بوجود هذه "المبالغة" عليه أن يعلم بأن ميديا العولمة الغربية (وعلى رأسها الأميركية) تدير عبر إمكانياتها المادية والتقنية المهولة، مصنعها الخاص في إنتاج وتسويق "الحقائق" التي تتوافق تماماً مع مصالح وهواجس ومتبنيات وأجندات تلك الدول التي تقف وراءها! وأما غير ذلك من الحقائق على الأرض (غير المتوافقة) فتدخل الى ورش إعادة التصنيع، او تُرمى في مكبّ النفايات!

ليس مستغرباً أن تكهرب اليوم دموع مذيعة الـ"CNN" مشاعر المتلقين من فئة المنوّمين مغناطيسيا (يغيب عنهم تماماً عمران، الأصل في الصورة) فيذرفون الدموع بسخاء.. ومن قبلها ذُرفت الدموع على ضحايا هجمات باريس وبروكسل ومدينة نيس.. وعلى ذكر الدموع وضبط إيقاع مواسمها، فلقد ذرف مئات الملايين في العالم دموعهم على زوجة ولي العهد البريطاني "ديانا" إثر مقتلها في حادث سير عام 1997 وهي في نزهة مع عشيقها، فمَثّل (ذرف الدموع والبكاء حزناً) تجربة ناجحة وخطيرة في نفس الوقت لسياسة الماكينة الإعلامية الغربية، حيث هي نجاح بائن في الاستحواذ على مشاعر وعواطف المتلقين في العالم، وخطيرة لأنها كرّست اختباراً ناجحاً في سطوة وهيمنة الإعلامي الغربي الذي كان على أعتاب إطلاق نسخته العولمية آنذاك! ولا مراء بأن الدموع التي ذرفها هؤلاء المتلقين يوماً ما على "ديانا"، أكثر آلاف المرات من تلك الدموع التي ذرفوها (ان كانوا قد فعلوا أصلاً) على ضحايا مجزرة "حلبجة"، أو المقابر الجماعية في العراق، أو مجازر الصهيونية في فلسطين ولبنان، والمذابح المنتظمة التي تطال مسلمي بورما!

* * *

... وحتى تكون لرسائل صورة عمران أرجلاً تهرول بها في الفضاء الإعلامي وضمنه السوشيال ميديا، وكي لا يغطيها غبار التجاهل والنسيان في زخم الأحداث، تم بُعيد الحادث اختلاق الكثير من القصص والحكايات و"الأخبار الموثقة" منذ نشر الفيديو، بأن شقيق عمران الأصغر قد توفي متأثراً بجراحه، وان شقيقته في حالة خطرة، وان عمران ما زال يعيش الصدمة ولم يتعرف على والديه، وان زوجة أمير خليجي قد تبرعت ببناء منزل لعائلة عمران وتتكفل بجميع مصاريفه الدراسية حتى تخرجه من الجامعة، ومن هذا الغثاء الكثير والملفق بعناية، والذي تبين لاحقاً (وبسرعة) انه كذب محض لا يمت للحقيقة بصلة!

لو كان المروّج مجرد هواة أو ناشطين أو إعلام تابع للتنظيمات السياسية أو القتالية المعارضة للحكومة السورية، لوُضع الأمر في نصابه التقليدي، وتفهّم المرء هذا الترويج والخيال المُنتج للقصص الإخبارية، بما لا يستند في الواقع الى أيٍّ من مقومات المصداقية الإعلامية في أدنى مستوياتها، بينما اللافت هو ان هذا الترويج يُصدَّر عبر محطات فضائية ومؤسسات إعلامية تدّعي "التزام المهنية وتوخي الدقة والحيادية" وما الى ذلك من سلسلة لزوميات النأي عن دفع الشبهات وتبنّي المواقف المسبقة، وجلّ هذه المؤسسات يسهل تفهّم دوافعها ومواقفها وأساليب إعلامها الموّجَه والمهوّل، وأحياناً المتواطئ ضد الحقائق كمحطتي "الجزيرة" و"العربية"، وفي ركبهما أغلب وسائل الاعلام الخليجية، وتلك الممولة بالبترودولار الخليجي (مصرية ولبنانية وعربية أخرى)، كما تنضم لهذا الترويج محطة الـ"BBC" بكافة لغاتها، وأشهر المحطات والصحف الغربية، مع رشة حماس مسعور أكبر في الأميركية منها!

ولم يَطوِ النسيان تلفيقات محطة "الجزيرة" لوقائع كثيرة تمت فبركتها وانفضح أمرها فيما بعد، اذ كانت لا تتوانى في التعامل والتواطؤ مع الجماعات الإرهابية في سبيل إنتاج تلك الفبركات والتجني على الحقائق، تنفيذاً لأجندات مشبوهة، تروم غالباً استهدافاً سياسياً ما، أو إثارة القلاقل والنعرات الطائفية والعرقية، وكانت الصورة (فوتوغرافية او فيديوية) أداتها المفضلة، ناهيك عن تزوير الوثائق التي تدّعي انها أصلية، وقد مارست بإيغال شديد ذلك في الشأن العراقي، واللبناني والإيراني والفلسطيني والمصري! وقد حذت حذو "الجزيرة" قنوات كثيرة أبرزها "العربية" و"سكاي نيوز العربية" والـ"LBC".

* * *

لقد تجاوز المشهد الإعلامي عموماً إشكالية كانت تُطرح سابقاً على استحياء وبحذر: "هل الصورة تكذب"؟ أما الإعلام العولمي فقد تجاوز ذلك بكثير، وتكفلت تقنياته المتطورة بجعل المستحيل ممكناً، حتى لو استدعى الأمر مزج الماء مع النار! يقول الفيلسوف الفرنسي "بول فيريليو" في هذا الخضم: "إنها الصورة تغزو العالم وتعربد في فضاءاته، وتدكُّ أمكنته بجيش جارف من كائناتها. سيل من الصور لا يتوقف، يتغلغل في كل مكان حتى غدا الأمر أقرب إلى الفكاهة والرعب في آن واحد"!

اذن؛ فهو الإعلان (عملياً) عن انطلاق عصر حروب الصور (التي تغزو العالم).. تقول د. مريم وحيد (استاذة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة): "لا نعيش في عصر الصور فحسب؛ بل عصر [حروب الصور]. اشتعلت معارك طاحنة في العالم العربي متمحورةً حول الصورة. رأينا ذلك بقوة في ثورات الربيع العربي. فالنزاعات التي لفتت الانتباه دار كثير منها حول الصورة، إما صورة قتل أو تعرية أو تشويه ... إلخ".

الساسة الأميركيون وحلفاؤهم الغربيون يدركون جيداً أهمية الصورة في الحرب الإعلامية والنفسية (كحروب ناعمة)، والتي تتداخل مع الحروب الصلبة التي يديرونها في منطقتنا.

ليس مستغرباً والحال هذه أن تشكك وسائل الإعلام الصينية الحكومية في صحة شريط فيديو الطفل السوري عمران، معتبرة أنه قد يكون مفبركاً وأنه جزء من "الحرب الدعائية" الغربية، الرامية إلى خلق ذرائع "إنسانية" لكي تدفع الدول الغربية للتدخل عسكرياً في سوريا والإطاحة بالرئيس الأسد. خصوصاً وان "مجلس حلب الإعلامي" من نشر الفيديو ابتداءً، وهو مدعوم من فصائل قتالية سورية معارضة. واستشهد الإعلام الصيني بلقطات ضمن الشريط لإثبات واقعة التلفيق، بالقول: "عوضاً من أن يسارع المنقذون لإنقاذ عمران، أعدّوا بسرعة الكاميرا في مشهد تم تحضيره"! كما اعتبر تلفزيون الصين الرسمي أن "هناك تساؤلات حول استقلالية مجموعة الدفاع المدني السوري التي صورت الفيديو والمعروفة باسم [القبعات البيضاء]، وأنها على ارتباط بالجيش البريطاني، وان أغلب أعضائها ينتمون الى الفصائل المسلحة المناهضة للحكومة"!

وفي ذات السياق أهالت قناة "العالم" بالشكوك على مصداقية الفيديو، واعتبرته ملفقاً، وذكرت بأنه اذا كان قد تم تبرير عدم بكاء عمران بـ"الصدمة" التي يمر بها، فلماذا لم يُسمع بكاء شقيقه وشقيقته اللذين جلسا بقربه، بينما نشاهد كل الأطفال الذين يمرون بذات الظروف تجعلهم الصدمة يبكون ويصرخون؟! وتسوق القناة استدلالاً آخر من ذات الشريط (يبدو منطقياً)؛ فتستغرب من أن "الشارع الذي تقف فيه سيارة الإسعاف التي يستقر الطفل عمران فيها نظيف ويخلو من أي أنقاض، وكان المفروض ان المنطقة قد تعرضت للتو لقصف شديد ومكثف من الطائرات الحربية"!

لم تسلم من التشكيك في مصداقيتها أيضاً، الصورة الشهيرة للطفل الغريق "إيلان كردي"، حيث تسربت الى وسائل الإعلام صور تفضح "توضيباً" ما لمشهد جثة الطفل على الرمال، يقوم به أحد طواقم الإنقاذ المتواجدة على ذلك الساحل التركي ويسعى لتغيير أوضاع الجثة، وكان الوضع يشي بأنه ينفّذ تعليمات من يلتقطون الصورة، التي أرادوها لقطة صادمة تكرّس ميلودراما المشهد! وعلت حينها أصوات كثيرة تشجب وتشنّع هذا "التوظيف البشع" لمأساة إنسانية اختزلها الطفل الضحية "إيلان" الغريق، الذي هو أساساً ضحية لمغامرات سياسية غربية بزعامة أميركا في المنطقة!

وفي الشأن السوري بالذات، وفي أجواء "حروب الصور" المشار اليها، تطرقت في مقال سابق لي قبل عامين بعنوان: "صور وأفلام مفبركة.. حرب استخبارية بامتياز!‎" سبق حادثة الطفل "إيلان" بحوالي العام، تناولت فيه وبتفاصيل دقيقة فيلم فيديو مفبرك لمخرج نرويجي يتناول "مأساة الأطفال السوريين في الحرب الدائرة"! وأعترف المخرج بعد مدة قصيرة (بعد افتضاح أمره) بتلفيقه للمقطع والذي حصد حينها أكثر من 7 ملايين مشاهدة على اليوتيوب فقط في غضون أيام! وتطرقت ضمن المقال أيضا الى صورة سابقة أحدثت ضجة كبيرة في المواقع ووسائل السوشيال ميديا، عن طفل سوري يتيم (مزعوم) ينام بين قبري والديه، واتسع حينها تداول تلك الصورة وتوظيفها سياسياً، ثم توضح فيما بعد انها تعود الى مصور شاب هاوٍ من الرياض، نشر اللقطة (المصطنعة في مشهد درامي خيالي) على حسابه على "انستغرام" كتعبير إنساني دون أي إيحاء ما، واستنكر بدوره (قرصنة) صورته من قبل أولئك الذين استغلوها لإغراضهم الدعائية السياسية (رابط المقال: goo.gl/IFr0Ho).

* * *

سياسة "التأطير" التي اتبعتها ماكينة الإعلام الغربية لدى تناولها لصورة "إيلان كردي"، ركزّت كثيراً على ما خلّفه وَقع الصورة من صدمة لدى الرأي العالمي، والغربي تحديداً، وتم اعتبارها انها قد "أرغمت" الاتحاد الأوربي بمراجعة سياسة الباب المغلق المتبعة تجاه اللاجئين، وما حصل فيما بعد معروف للجميع؛ من عبور مئات الآلاف من طالبي اللجوء (معظمهم سوريون) حدود الاتحاد، وطلب اللجوء في عدد من بلدانه! لكن سياسة "التأطير" تلك لم يكن في طاقتها حجب حقيقة تشكلت بُعيد تلك الحادثة وتبناها سواد كبير من السياسيين والمراقبين، وفحواها ان أميركا وحلفاءها الغربيين قد أدركوا عواقب استمرارهم في اللعبة السورية التي دشّنوها أوائل 2011، وفي غياب أفق الحلول الجادة التي تصبّ في مصلحتهم، وفي ظل تفاقم مشكلة اللاجئين (بلغ العدد حوالي 4 ملايين) نتيجة الحرب المستعرة، وتعاظم المآزق والمشاكل التي بدأت تثقل كاهل دول الجوار المستضيفة لهؤلاء اللاجئين السوريين، وتحوّل هذه المعضلة من إقليمية الى دولية بامتياز، سارعت أميركا الى بلورة "الترتيبات اللازمة" مع الحلفاء الأوربيين، وتهيئة الأجواء في دول الاتحاد الأوربي لتكون جاهزة (سياسياً مع الرأي العام الداخلي) لتَحمّل قسط من فاتورة انسياقها وراء الخطط الأميركية المتداولة في الشرق الوسط، وتسريع امتصاص ما لا يُحمد عقباه فيما لو استمرت أزمة اللاجئين في التفاقم!

في ظل احتدام المعارك في سوريا في المرحلة الحالية بين القوات الحكومية من جهة، والفصائل المسلحة على اختلاف تنوعها والمدعومة معظمها من أميركا وحلفائها من جهة أخرى، لحسم مصير السيادة على حلب ثاني أكبر وأهم مدينة بعد دمشق العاصمة، والتي تسجّل فيها القوات الحكومية بمساندة روسيا تقدماً ملحوظاً باتجاه إحكام السيطرة قريباً على المدينة المنكوبة، سارعت أميركا الى اغتنام لقطة الطفل السوري عمران، وتوظيف تأثيرها (بغض النظر انها ملفقة كما تمت الإشارة أو ليست كذلك)، بغية تأليب الرأي العالمي ضد القوات السورية وحليفها (على الأرض) القوات الروسية، وإتّباع "تأطير" إعلامي مكثف، بأن المقاتلات الروسية والأخرى التابعة للنظام هي التي تقصف عمران والأطفال لتحصد أرواحهم، وطبعاً يتعامى الخطاب الأميركي والغربي عن عمران آخر ومعه آلاف الأطفال التي تحصد أرواحهم الأسلحة بكل صنوفها (ما عدا الجوية) وحتى المحرّم منها، والتي تستخدمها كل الفصائل القتالية والإرهابية المعارضة للحكومة السورية في الحرب القذرة الدائرة في أرجاء سوريا، ومعظم هؤلاء مدعوم من الإدارة الأميركية وحلفائها الإقليميين والدوليين، وحتى من تزعم انها لا تدعمهم مثل داعش والنصرة، فهناك من حلفائها من يدعمهم في وضح النهار كقطر والنظام السعودي!

* * *

أُعيد السؤال الذي استهللت به المقال، ولكن بصيغة أكثر التصاقاً بالحصار المضروب على جوهر الحقائق؛ ما هو مفتاح الشيفرة المفقود الذي لا يجعل الإعلام الأميركي ومعه الغربي يتفاعلان مع صور المشهد الفجائعي (الموشّح بدماء أكثر من 3000 شاب أعزل لا يطال مصداقيته أي شك) في مجزرة "سبايكر" في العراق، والتي اقترفها تنظيم داعش وأعوانه في حزيران 2014، بينما يتفاعل هذا الإعلام مع صورة الطفل عمران (تطال مصداقيتها جملة من الشكوك) بقصد التأثير في الرأي العام الدولي؟! الجواب باختصار؛ مفتاح هذه الشيفرة مركّب من الوازع الأخلاقي والضمير الإنساني والمهني، والذي تفتقده وسائل الإعلام الأميركية ومن يؤازرها في الغرب، أسوة بمن يديرونها في مراكز القرار السياسي هناك، ولهذا لا نتوقع بتاتاً أن نشهد ظاهرة عالمية بتبني شعار "كلنا ضحايا سبايكر" أو "كلنا عمران في اليمن" أسوة بشعار "كلنا شارلي إيبدو"، لأن مفتاح الشيفرة مفقود لدى أولئك منذ زمن بعيد، وحلّ محله تطبيقات "الفوضى الخلاّقة" التي تبيح كل شيء، الاّ إنصاف المظلوم، ونصرة الحق وترك شعوبنا تقرّر مصيرها بلا وصاية من الآخرين!

*إعلامي ومتخصص في المولتيميديا - الدنمارك

[email protected]

  كتب بتأريخ :  السبت 27-08-2016     عدد القراء :  2042       عدد التعليقات : 0