الفساد وجمع الأضداد (حالة عراقية)!

ليس من الغلو بمكان القول بأن الفساد الذي اتسعت دائرته في صلب العملية السياسية في العراق منذ 2003، والذي تغلغل وفق آلية معقدة في جلّ مفاصل أنشطة الدولة، تتعاظم خطورته جرّاء عامل موضوعي لم يتم الالتفات الى خطورته كثيراً، اذ يمكن اعتباره نواة "تغذية دينامية" للفساد في أعلى مراتبه، وأعني بهذا العامل هنا؛ قابلية "جمع الأضداد" وتعايشها ضمن تلك الدائرة (من مفاهيم وثغرات دستورية وتشريعات قانونية، أو توافقات سياسية ترسم مصير ذات العملية السياسية)، حيث تحمل المفاهيم والبرامج والطروحات والمشاريع السياسية نقائضها معها في التطبيق العملي، والعجب العجاب هو أن ذلك لا يثير استهجاناً ما، أو صدمة واقعية في أغلب الحالات يمكن بواسطة تأثيرها تأسيس "عقلنة" للراهن المأزوم! وكأن الوضع العراقي (كحالة استثنائية) تجاوز مرحلة تجريب هذه التراجيكوميديا المدمرة الى مرحلة إدمانها، رغم ان دعوات "مكافحة الفساد" أصمّت آذان الجميع منذ سنوات، ولا يدّخر هؤلاء جهداً في المناداة بها، بينما لم يحصد الشارع العراقي سوى تناسل هذا الفساد!

ولتقريب ما سلف الى الأذهان، تتطرق السطور اللاحقة لثلاثة من تطبيقات "جمع الأضداد" المشار اليها، ولم يكن انتقائها بمصادفة كما سيتبين.

* * *

- "الإقصاء" المثمر!

لم تتشبث أغلب القوى السنّية المشاركة في العملية السياسية بعد 2003 بسلاح أخطر من ذريعة "الإقصاء والتهميش" التي تزعم تعرض المكوّن السنّي له، لتشهره في وجه "شركائها" الشيعة الذين يمثلون الأغلبية السياسية في العراق، وقد استخدمت هذا السلاح بُعيد سقوط النظام الصدامي، الذي ضمن لعقود طويلة إقصاءً بائناً ومنظماً للأغلبية الشيعية، حيث كان الموت ينتظر من يُلمّح فقط (لا أن يصرّح) بإدانة ذلك الواقع والإقصاء المتجذّر!

استخدمت تلك القوى سلاح الإقصاء (الذريعة) في كل المراحل والمنعطفات الخطيرة التي مرت بها العملية السياسية القائمة، واستطاعت أن تستثمره بذكاء في جني المكاسب السياسية واستحكام قواعدها في مفاصل الدولة وابتزاز "الشركاء" الشيعة، وتأثيث هذه العملية السياسية بما يضمن لمواقعها تأثيراً أعظم كثيراً من أوزانها وأحجامها حتى في الديموغرافية السياسية! ولم يتم الاكتفاء بذلك؛ بل وأقنعت دوائر القرار في المحيط الإقليمي السني، في تبني هذا السلاح/ الذريعة، للإيغال في النيل من مصداقية العملية السياسية والديموقراطية الفتية في العراق. كما تبنت الدوائر الغربية ذريعة "الإقصاء" وغذّتها بمدخلاتها الخاصة بها، لتنال من المصداقية السالفة، وتمارس هي الأخرى ابتزازاً سياسياً ضد الحكومة العراقية على طريقتها، وقد كان مقززاً وشرهاً في حالات كثيرة، في الوقت الذي لم تتمكن كل تلكم الدوائر الإقليمية والدولية المذكورة في إخفاء حقيقة ناصعة، وهي ان المكوّن السنّي شريك أساسي في العملية السياسية ومشروع الحكم بعد 2003، وبطريقة تجعله يضمن تمثيلاً لا تحلم به أية أقلية سياسية في العالم أجمع، حتى في أعرق الديموقراطيات، رغم ان ذريعة "الإقصاء" كانت تستبطن في مضامينها البعيدة غصّة عميقة لتلك القوى السنية بأنها قد تم "إقصاءها" عن الهيمنة المطلقة التي أطاحت بها أحداث السقوط في 2003، وهذا مما لم تستطع تقبّله أو تحاول هضمه، في حين ان جميع المطلعين والمنصفين يعلمون بأنه مهما تعاظمت المكاسب والمواقع ومظاهر الهيمنة التي تتمتع بها القوى السنّية وتحوزها عملياً، لن تجعلها تبطل سلاح الإقصاء، المشهر بوجه "الشركاء" الشيعة، حتى والحال بأن الدستور والقوانين التي تم تشريعها والممارسات النيابية كلها تضمن مشاركة حقيقية وفاعلة! وقد طمأنت المرجعية العليا الأخوة السنّة بأعلى ما يمكن أن تصله مراتب الطمأنة ومناقبيات التآخي والمواطنة والمساواة، حينما طلب المرجع الأعلى السيد السيستاني (دام ظلّه) بأن يتم الإشارة للأخوة السنّة بـ"أنفسنا"!

لا مراء بأن تسنّم السياسيين السنّة لأرفع المناصب، من رئاسة المجلس الى رئاسة الجمهورية، ووجود نواب للأخير وكذلك لرئيس الوزراء، ولفيف من الوزراء السنّة، إضافة الى تسنّمهم أرفع المناصب في كل مفاصل الدولة العراقية، وعلى رأسها المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية، وتمثيلهم العراق كسفراء في العالم، يعزّز ويكرّس بوضوح شديد بطلان وتهافت مقولة "الإقصاء" المزعوم جملة وتفصيلا، خصوصاً وأن من يشهرون هذا السلاح/ الذريعة هم أغلبهم ممن يتسنّمون أرفع المناصب المذكورة ويعضّون عليها بالنواجذ، ويحصدون المكاسب السياسية - وغير السياسية- من "شراكتهم" في العملية السياسية، وبعضهم ينتمي الى صفوف "دواعش السياسة"، لما يشهره من تعاطف مع الدواعش والإرهابيين وأعداء العراق، وتورطه في التحالف علناً مع الأنظمة التي لا تخفي عداءها للعراق، والتي لم تتنصل من تورطها في دعم الإرهاب التكفيري الذي يجثم على صدر العراق منذ سنوات!

لولا المحاصصة المدمرة التي أضحت منهجاً سياسياً يتعبّد به جميع المنخرطين في العملية السياسية (سنة وشيعة) منذ 2003، لَما تسنى لأغلب القوى السنّية أن تحصد مكاسبها وتُدعّم مواقعها في أغرب عملية مارستها منذ ذلك التاريخ، أي "جمع الأضداد"! فهي تدّعي "الإقصاء والتهميش" وتشهر سلاحه بوقاحة قلّ نظيرها، كما سخّرته كبرنامج فعّال لابتزاز "الشركاء الشيعة"، بيد انها في ذات الوقت تناقض زعمها ذلك بطريقة مفضوحة وتهريجية، بمشاركتها بتكالب واستماتة لا نظير لها في العملية السياسية منذ اليوم الأول بعد السقوط؛ بل وتدّس أنفها فيما يعنيها وما لا يعنيها. أما ما يُسهّل مهمتها في استخدام هذا السلاح/ الذريعة، هو انبطاح بعض السياسيين الشيعة وانغماسهم في صفقات فساد مع أطراف من تلك القوى، وانهزامية البعض الآخر في الوقوف الجاد والحازم أمام هذه المزاعم الواهية والمغرضة، والتي تغذي بحق دينامية الفساد، بحيث لا يمكن التخلص منه قبل أن يتم إبطال ذريعة "الإقصاء" والنيل من الفاسدين المتلفعين والمتمترسين بها، والتأكيد على إجراءات مكافحة الفساد لو طالت هؤلاء (في أي موقع كانوا)، فهذا لا يعني أن المكوّن السني قد تعرّض للإقصاء، إنما قد أقصي عنه الفاسدون والمدانون ودواعش السياسة (وهذا في حدّ ذاته مدعاة للثناء لو خلُصت النيات). ولو أخذت العدالة مجراها الطبيعي حقاً لكان أغلب من يشهرون سلاح "الإقصاء" هم اليوم خلف القضبان لشناعة ما اقترفوه بحق العراق والعراقيين قاطبة، بواقع ملفهم المخزي، والمُرَحّل من مرحلة تورطهم في خدمة نظام البعث الإجرامي، وإفلاتهم المشبوه (بفعل آلية الفساد) من "الإجتثاث" وإجراءات "المساءلة والعدالة"!

* * *

- "تكنوقراط" منزوع الدسم!

كلما احتدمت أزمات الراهن السياسي العراقي، كلما تفنن بعض المعنيين بتضخيم "الحلول" أو تصورات لهذه الحلول، وسرعان ما تشغل حيّزاً في معادلات هذا الراهن، لا لأنها وصفة لحلّ ناجع ومضمون النتائج؛ بل لخلو الساحة السياسية من حلول واقعية ذات مصداقية، تضمن إجماعاً (معقولاً) على تبنيها! أما بعض برامج "الحلول" المطروحة فتنطبق عليها مقولة "كالمُستَجيرِ مِنَ الرَّمضاءِ بالنّارِ"!

في خضم جهود الخروج من دوامة الفساد التي تطوّح بالعملية السياسية برمتها، وكسر حلقة الاستعصاء السياسي القائمة، تبلورت لدى رئيس الوزراء حيدر العبادي فكرة أو رؤية "إنقاذية"، محورها تشكيل حكومة "تكنوقراط"، حشّد لها الكثير من الجهود والمداولات، حيث اعتبرها مخرجاً آمناً للحكومة للخروج من أزماتها، وتدشين استحقاقات "الإصلاح"! وكالمعتاد تم تصوير تلك الرؤية العبادية على أنها طوق نجاة للبلاد والعباد، وتكفلت الماكينة الإعلامية المتحالفة مع العبادي في الترويج لذلك، دون أن تمس شغاف أسئلة قلقة كثيرة ومنها؛ كيف يمكن أن يتلمس الشارع العراقي ذلك الإكسير السحري في حكومة لم يبق على انتهاء دورتها سوى سنتين فقط؟ وكيف ستفلت هذه الحكومة التكنوقراطية من أصفاد المحاصصة؟ ومن يضمن دعمها في المجلس النيابي إذا "تجرأ" العبادي ولم يعر للمتحاصصين و"الشركاء" آذاناً صاغية حين يطالبون بـ"حصصهم" الكتنوقراطية؟ ومن هو أو ما هو الضامن بأن ترشيح وزير تكنوقراطي من شركاء المحاصصة لا يعني انه استمرار لما سبق في العرقلة والإملاء والابتزاز من قبل أولئك المحاصصين؟ ثم الأهم؛ ما هي نسبة المقتنعين (بين السياسيين والنخب والشارع العراقي) أساساً بأن أغلب مآزق الأداء الحكومي واستشراء الفساد في مفاصل الدولة مرَدّه غياب كابينة تكنوقراطية؟!

أما الكتل السياسية المتحاصصة والتي لها حضور في حكومة العبادي فقد كبحت جماح توقعاتها هذه المرة، وقبلت على مضضٍ رؤية وبرنامج رئيس الوزراء كمخرج معقول يمكن الالتفاف عليه بآليات المحاصصة القائمة، وستشترط أن لا ينقلب بدوره على هذه الآليات، بمعنى ان لدى هذه الكتل ما يتطلبه برنامج العبادي؛ أي وزراء تكنوقراط، يحتاج العبادي كفاءاتهم، بينما تلك الكتل تحتاج ولاءهم وانقيادهم، حتى لو رشحتهم هي من خارج الكتل كمخرج للخلاف إن طرأ! لمَ لا، فهل السائد أساساً غير هذا الواقع المزري؟! مع التسليم بأن العبادي غير قادر بتاتاً بأن ينقلب على هذا الواقع، لأنه هو أيضاً يدين بشدة الى هذا التحاصص الذي جاء به رئيساً لهذه الحكومة في عملية قيصرية، ومن يظن بأن المطالب الجماهيرية في إطار عملية الإصلاح بمثابة زخم كبير لبرنامج العبادي فهو إما موهوم أو يحمل تصوراً غائماً للواقع!

جاء في موسوعة "ويكيبيديا" تعريف مصطلح "تكنوقراطيّة": "كلمة أصلها يوناني من كلمتين هما؛ تِكنو [فني وتقني] وكراتُس [سلطة وحكم]، وتُعتبر شكلاً من أشكال الحكومة، تعني حرفياً [حكومة التقنية، ويقال حكومة الكفاءات]، وبناء على ذلك فإن الحكومة التكنوقراطية تتشكل من الطبقة العلمية الفنية المثقفة، وهي حكومة متخصصة في الاقتصاد والصناعة والتجارة، غالبا تكون غير حزبية، فهي لا تهتم كثيرا بالفكر الحزبي والحوار السياسي".

لو أمعنا النظر في إخفاقات الحكومات المتعاقبة بعد 2003 سنجد ان عدم تولّي وزراء متخصصين لمهام وزاراتهم، ممن يحملون شهادات عليا، لا يشكل سوى سبباً واحداً من مجموعة كبيرة من الأسباب والمعضلات التي يطول شرحها! أما تصوير الأمر وكأن غياب الوزير المتخصص "التكنوقراطي" يختزل الأسباب جميعها، فهذه لعمري معضلة أخرى تُضاف الى تلك المعضلات! خصوصاً وأن ديموقراطيات عريقة لا تشترط في تعيين وزرائها أن يكونوا "تكنوقراط" ويحملون شهادات عليا في اختصاص وزاراتهم، فهذه وزيرة الدفاع الألمانية "أورزولا فون دير لاين" تحمل شهادة دكتوراه في الطب، وكانت وزيرة "الأعمال والشؤون الاجتماعية" قبل تولي منصبها الحالي، علماً ان الحكومة الألمانية لم تعجز قطعاً في العثور على وزير تكنوقراطي يتحدّر من المؤسسة العسكرية، ولكنها ورغم ثقل ألمانيا الأوربي والدولي قد اختارت الوزيرة المذكورة، لأنها مشهود لها بالكفاءة في إدارة الأعمال والمهام، ونجحت في كل المناصب التي تبوأتها سابقا، ففي عقيدة السياسة الأوربية (والدولية غالباً) فان منصب الوزير هو سياسي بالدرجة الأولى، وأي وزير تكنوقراطي يجهل العمل السياسي سيشكل عبئاً على برنامج الحكومة السياسي بالتأكيد.

ثمة هنا ما يدعو للتساؤل؛ ما هو اذن دور مئات المستشارين (وهؤلاء تكنوقراط في الغالب) الذين يحيط العشرات منهم بكل وزير عراقي، ويُحَمّلون برواتبهم الفلكية وامتيازاتهم السلطانية كاهل الخزينة عبئاً كبيراً؟ ولو كان الوزير فاسداً ولا يتحلى بالنزاهة وغير مُبِـرٍّ بقسمه الرسمي، فهل تمنعه "تكنوقراطيته" من التوغل في خيانة الأمانة والمسؤولية؟ وماذا عن أميّته السياسية وعدم توفره على أية خبرة في عالم السياسة، ثم يتبوأ منصب وزير في بلد كالعراق يعيش أزمة سياسية بالدرجة الأولى؟ علاوة على ذلك، ينبغي القول بأن حكومة العبادي والحكومات التي سبقته كانت تضم وزراء تكنوقراط، ولكن بعضهم كانت إخفاقاته أشد وطأة من غيره، والأسباب يطول شرحها بالتأكيد، لكن الأبرز فيها هو أن الوزير مهما بلغت خبرته و"تكنوقراطيته"، ربما لن يتحرر من سلاسل المحاصصة اللعينة التي تكبّل كل شيء، فما بالك اذا كان لا يستطيع حتى أن يُنحّي مديراً عاماً في وزارته فاسداً أو معرقلاً أو غير كفء، لأنه يتمتع  بحصانة المحاصصة! ثم بوجود هذه المحاصصة سيكون الباب مشرعاً على مصراعيه أمام أي وزير تكنوقراطي (ضمن الكابينة التكنوقراطية حصراً) ليلقي بتبعات فشله وإخفاقه في مهامه على هذا الطرف أو ذاك، فآلية المحاصصة - والحق يُقال - توّفر في طبيعتها الكثير من هذه التبريرات والذرائع التي يمكن أن يتمسك بها أي وزير فاشل في مهامه! وما نشهده حالياً هو التفاف واضح من قبل كل الكتل الشريكة في الحكومة على رؤية وبرنامج حكومة التكنوقراط، وقد شرعت منذ البداية في فرض مرشحيها، الذين لا تشكو أية كتلة في عدم توفرهم لديها، كما ان العبادي متهم أساساً في الرضوخ لمطالب تلك الكتل، والأيام القادمة ستكشف الكثير من ذلك!

بعبارة مختصرة، التشبث بحكومة التكنوقراط لا يعني أن الحل السحري بين أيدينا للخروج من واقعنا السياسي المتأزم، ولا يمكن اعتباره انقلاباً (محموداً) على المحاصصة؛ بل ربما هو حلّ ترقيعي تم تمريره والتسليم به في "سقيفة" المحاصصين، من الكتل المشاركة في الحكومة، كونه أسهل من أي حلّ حقيقي مرتجى وأقل تكلفة، ويمكن له أن يُخفف من غليان الشارع الى حين، لكن الأخطر انه يحمل جينات حلقة أخرى في مسلسل الفساد، الذي لا يقل في وطأته إرهاباً عن داعش ونظائره!

* * *

- "الإصلاح" مُشفّراً!

لا مناص من الإقرار بأن عملية "الإصلاح" قد استأثرت باهتمام غالبية العراقيين بشكل لم يسبق له مثيل منذ انطلاقة العملية السياسية بعد السقوط في 2003، ولكن في المقابل يلزم الإقرار ايضاً بأن هذه العملية قد شابتها الكثير من الالتباسات والترهلات والتشوهات في الفترة الأخيرة، بحيث لم تعد في تنوع تفسيراتها وتأويلاتها تمثل مفهوماً جامعاً مانعاً في الشارع العراقي، الذي توسّم فيها خيراً وأملاً في النجاة في بادئ الأمر، حينما تبلورت الحاجة الى الإصلاح الشامل بعدما استفحل الفساد السياسي العام وبلغ مديات خطيرة تخطّت كل الخطوط الحمراء! أي ان الحاجة الى الإصلاح أضحت بمثابة أوكسجين مطلوب ضخّه الى العملية السياسية في غرفة الإنعاش، خصوصاً وان العراق يخوض حرباً ضروساً ضد الإرهاب الهمجي التكفيري.

لقد كان للمرجعية العليا قصب السبق في التحذير من التلكؤ في إطلاق عملية إصلاح شاملة لإنقاذ العملية السياسية برمّتها من هاوية التأزيم والانهيار، كما أجمع الشارع العراقي على الاستجابة لهذه المهمة والضرورة الوطنية، عبر الاعتصامات والمطالبات والتظاهرات، وممارسة كل أشكال الضغط على الطبقة السياسية التي تتحمل مسؤولية ما حدث، كما يقع على عاتقها الجزء الأعظم من مهام عملية الإصلاح. وقد أفضى التلكؤ المذكور الى إعلان ممثل المرجعية العليا في كانون الثاني المنصرم بأن الأخيرة قد "بُحّ صوتها" في مطالبتها بمحاربة الفساد والفاسدين.

ما حصل باختصار؛ هو ان الطبقة السياسية الفاسدة المتجذرة في الحياة السياسية، المتحاصصة والمؤثرة في قرارات الدولة، قد تمكنت بفعل عوامل كثيرة مجتمعة من الالتفاف على عملية الإصلاح - حتى الآن -، وتفننت في تطويعها أو تمييع أسسها، مع أن كل التيارات والكيانات السياسية قد هللّت للعملية وتبنتها (ظاهرياً)، كلٌ من منطلقاتها وتفسيراتها، وبما ينسجم مع بوصلة مصالحها! ولم يتجرأ أيٌ منها أن يتباطأ في رفع لافتة الإصلاح، حتى لا يُتهم بالفساد (أو ينفضح فساده)، أو انه يقف بالضّد من نبض ومطالب الشعب، علماً بأن رفع هذه اللافتة يضفي بريقاً مجانياً على هذه التيارات والكيانات، هي بحاجة اليه بشدة في هذه الفترة التي تتساقط فيها الأقنعة!

ثمة خطوات قد أقدمت عليها الحكومة في الشهور الماضية وصوّرتها على انها "إنجازات هامة" في طريق الإصلاح، ولكنها في مجملها لم تمثل سوى خطوات سطحية لم تلامس جوهر الإصلاح، وتتطاير إثر ذلك طبعاً في الأجواء الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والأفرِقاء في عدم مؤازرة خطوات الإصلاح. وما رشح حتى الآن هو أن عملية الإصلاح (أو جدواها) قد شهدت تراجعاً الى الصفوف الخلفية في قائمة "عاجل" الخاصة بالمهام الوطنية، بعد أن تقدمت عليها مستجدات كالأزمة البرلمانية والانقلابات في التحالفات الداخلية، وتطورات التحضير لمعركة الموصل، وكذلك تداعيات الاتهامات المتبادلة بالفساد "وصلت لكسر العظم" أثناء استجواب الوزراء في مجلس النواب!

لقد سخّر الفاسدون في الطبقة السياسية المتنفذة مقولات ومتبنيات الإصلاح لصالحهم هذه المرة أيضاً، وحولوها الى دثار يغطي فسادهم، في ظل تشتيت قائم أصاب الشارع العراقي، جرّاء تصارع بعض التيارات والكيانات على "احتكار" تمثيله، والتفرّد بالقرارات (بعضها خطير أو ارتجالي) بما يزيد من التصدعات ضمن الالتفاف الجماهيري المطلوب حول سفينة الإصلاح، التي كثر رَبابِنتها (والحبل عالجَرّار)! أما الأخطر فهم المندسون بين هؤلاء الربابنة من رموز الفساد، حيث لسان حال الشعب مشيراً لهؤلاء؛ "فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ"! ونكون جميعاً أمام حالة عراقية بامتياز تكرّس هرطقة "جمع الأضداد" التي تطيل في عمر الفساد والأزمات.. والله المستعان!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الأحد 04-09-2016     عدد القراء :  1395       عدد التعليقات : 0