من أحداث 11 سبتمبر الى داعش.. العالم أكثر رعباً!

تصادف هذه الأيام الذكرى الـ 15 على أحداث 11 سبتمبر 2001، التي شكلت الحدث الأبرز دولياً في تأثيراته وتداعياته وتراكماته التي مازالت قائمة رغم مرور هذه السنوات الطوال، حيث مهدت بدورها الأرضية لاحقاً لجملة من قواعد السياسة الدولية المستجدة، كملحق طارئ يتبع النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة! هذا النظام الذي غرَف أيضاً من مشاريع "الفوضى الخلاقة"، تلك التي صاغتها " كوندوليزا رايس" وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في 2005، والتي تتناغم مع عقيدة "صدام الحضارات" للمفكر الأمريكي "صامويل هنتنغتون" والتي تعبّدت بها نخب اليمين السياسي المتطرف الأمريكي فيما بعد.

رغم تبني تنظيم "القاعدة" للهجمات الإرهابية في سبتمبر 2011 على الأراضي الأميركية، بمشاركة 15 إرهابياً سعودياً ضمن 19 عنصراً شاركوا في تنفيذ الهجمات، حيث استخدموا فيه طائرات ركاب استهدفت مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون في فيرجينيا، فيما تحطمت طائرة رابعة في حقل فارغ غربي بنسلفانيا، ما زالت الأسرار والألغاز تلف هذه الأحداث بواقع انها غير مسبوقة أو مألوفة قبل ذلك اليوم الدموي، وأمست مادة دسمة للكثير من القصص الإعلامية والمؤلفات والدراسات، إضافة الى تحولها الى عشرات السيناريوهات لأفلام سينمائية، أبرزها المنتجة في مصانع هوليود المتعطشة لهذه النوعية من الـ"الأحداث المثيرة"! كما ان هذه الألغاز كانت "مُلهمة" للمعترضين على الرواية الأمريكية الرسمية بشأن ما حدث، وهؤلاء شكّلوا قطاعات واسعة من النخب السياسية والفكرية والإعلامية على الساحة الدولية، اذ بعضهم اكتفى بالتعريض بتلك الرواية، ونقدها والتشكيك بها برفق خشية الملاحقة والتنكيل! والبعض الآخر جاهر بصوت مرتفع بتهافتها، وآمن برؤيته وتحليله الذي ينسجم مع "نظرية المؤامرة"، وبالطبع لم تُجمع هذه النخب على تحليل موحد، ولكنها أجمعت على عدم تصديق أي جزء من الرواية الأميركية الرسمية. وقد صدرت الكثير من الكتب والدراسات تتناول وجهات نظر المشككين، وأبرز ما اطّلع عليه المتابع العربي كتاب "الخديعة الكبرى" للناشط السياسي والصحافي الفرنسي "تيري ميسان"، والكتاب ترجمة عن النسخة الفرنسية عام 2005، وقد فصّل رأيه بخفايا الأحداث، مستشهداً بوقائع وتسريبات وقرائن كثيرة تدحض أركاناً هامة من رواية الإدارة الأمريكية، ويتلخص رأي المؤلف بأن "كل ما حدث في 11 سبتمبر ما هو إلا مسرحية كوميدية وتراجيدية في نفس الوقت من إخراج الإدارة الأميركية"!

الأهم في هذا الخضم هو ان أحداث 11 سبتمبر إرهابية بامتياز وغير مسبوقة، حيث خلّفت ما يقارب 3000 قتيل وآلاف الجرحى. وبعد استيعاب هذه الحقيقة، لا معنى لخطوط حمراء (افتراضية) تمنع من التقصّي عن الحقائق أو البحث عن المسؤولين أو المتورطين والمتآمرين فيما حدث، من خارج أمريكا أو من داخلها، وكذلك ممّن "قصّروا وتهاونوا" في حفظ أمن المواطن الأمريكي، خصوصاً أولئك المسؤولين الذين لا يكتفون بأنهم يسهرون على حفظ الأمن الداخلي الأمريكي وحسب؛ بل والدولي أيضاً!

ثمة قراءة أمريكية أخرى لأحداث سبتمبر مغايرة للرواية الرسمية في واشنطن، حيث تلقي بجزء من المسؤولية فيما حدث على عاتق الإدارة الأمريكية ومؤسساتها ذات العلاقة بالأمن القومي، وما يهمنا في هذه السطور، هو اشتمال هذه القراءة/ الرؤية على الدور الرسمي الأميركي في دعم وتنشئة تنظيمات ومجاميع الإرهاب التكفيري "الجهادي" منذ مطلع الثمانينات بذرائع أبرزها "محاربة الغزو السوفييتي" لأفغانستان، إضافة الى التغاضي المشبوه عن تنامي ظاهرة الإرهاب تحت مرأى ومسمع الأجهزة الأمنية والاستخبارية الأمريكية، والأخطر ان "جزءً من ذلك قد تم برعاية مباشرة أو غير مباشرة من تلك الأجهزة"! وقد كرّست تلك القراءة المغايرة عبر مقال مطول نشره موقع ومدونة "WashingtonsBlog" الشهير في سبتمبر 2012 تحت عنوان: "النوم مع الشيطان: كيف أدى الدعم الأمريكي والسعودي لتنظيم القاعدة إلى أحداث 11 سبتمبر؟"، ومن العنوان يمكن التوصل الى ان المقال ركّز على الدور الأميركي في تنشئة ورعرعة الأفكار السلفية التكفيرية المتطرفة، والتي أنتجت فيما بعد تنظيمات إرهابية متناسلة تفتك بالأبرياء والمدنيين والعزّل في العالم أجمع، يُعتبر داعش أحدث نسخها الوحشية! وأكتفي هنا بنقل مقتطفات هامة من المقال علها تختزل صورة التورط الأميركي على أعلى المستويات، ومما جاء:

- ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" في عام 2002: أنفقت الولايات المتحدة ملايين الدولارات لتزويد أطفال المدارس الأفغانية بالكتب المدرسية المليئة بالصور العنيفة وتعاليم المتشددين الإسلاميين المتطرفة... هذه الكتب التمهيدية، والتي كانت تعج بالحديث عن الجهاد ورسومات البنادق والرصاص والجنود والألغام، أصبحت المناهج الأساسية لنظام التعليم في المدارس الأفغانية. حتى "طالبان" استخدمت هذه الكتب التي طُبعت وأُعدت هنا في أمريكا.

- اعترف "زبيجنيو بريجنسكي" مستشار الأمن القومي سابقاً على قناة "CNN" بأن الولايات المتحدة نظمت ودعمت بن لادن وغيره من مؤسسي القاعدة في السبعينات لمحاربة السوفييت.

- أكد "روبرت غيتس" مدير وكالة الاستخبارات المركزية ووزير الدفاع سابقاً، في مذكراته "من الظلال" بأن الولايات المتحدة دعمت المجاهدين السلفيين في السبعينات.

- هناك أدلة على أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية كان لها أولويات أخرى قبل سبتمبر 2001، منها: 1- التستر على دعمها السابق لتنظيم القاعدة، 2- محاولة تجنيد عناصر القاعدة لصالح الولايات المتحدة، 3- الحفاظ على إمكانية استخدام هذه العناصر في مهام مستقبلية في أجزاء أخرى من العالم، على حساب أولوية أَسْر وتعطيل قيادة القاعدة!

- وفقا لإحدى الصحف الفرنسية المرموقة، التقى عملاء الـ"CIA" مع بن لادن قبل شهرين من أحداث 11 سبتمبر.

- أحداث 11 سبتمبر كان يمكن التنبؤ بها! اذ لم تراقب الحكومة فقط مكالمات بن لادن؛ بل سمعت أيضا خطط الخاطفين من أفواههم. يقول ضابط استخبارات عسكري رفيع المستوى أن وحدته المكلفة بتتبع بن لادن قبل أحداث 11 سبتمبر قد تم سحبها من المهمة، وتم تجاهل تحذيراتها بأن مركز التجارة العالمي والبنتاغون مستهدفان. كما صرّح العديد من الموظفين المهمين في البنتاغون بأن السلطات تسترت على شهاداتهم حول تتبع المتهم الرئيسي "محمد عطا" قبل أحداث 11 سبتمبر.

- ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية "CIA" العديد من خاطفي الطائرات على الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.

- يدّعي "شيبل إدموندز" المترجم السابق بمكتب التحقيقات الفيدرالي "FBI" والذي يعتبره المفتش العام بوزارة العدل وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ مصدراً موثوقا: "أن أسامة بن لادن كان يعمل لحساب الولايات المتحدة حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأن هذه الحقيقة يجري التستر عليها لأن الولايات المتحدة كلفت تنظيم القاعدة وحركة طالبان بالقيام بعمليات إرهابية لسنوات عديدة. لم يتغير شيء... فما زلنا ندعم الإرهابيين لأجل أهداف جيوسياسية"./ انتهى الاقتباس من المقال المذكور.

* * *

ان تعدد القراءات والتحليلات والروايات التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر، وما سبقتها أو صاحبتها أو أعقبتها من تعقيدات دولية، كل ذلك يجعل وجهات النظر التي تتناول تلك الأحداث كثيرة جداً في الساحة الدولية، حيث يُسقط كلٌ عليها قراءته وتصوراته ورؤيته للأسباب والنتائج والتداعيات! وهذا ينطبق على العالم الإسلامي الذي تأثر بهذه الأحداث سلباً قاطبة، وبطريقة كارثية في أصقاع منه بفعل ارتداداتها، ان كانت سياسية أو عسكرية أو أيديولوجية، فيما تكرّست حروباً وأنشطة إرهابية جرّت كوارث وويلات ما زالت قائمة في بلدان إسلامية عديدة، جعلت أحداث سبتمبر 2001 تبدو مجرد بروفات إرهابية، رغم كل ما يصاحب الحديث عن هذه الأحداث من تهويل على حساب كوارث أخرى في منطقتنا خلّفها الإرهاب التكفيري ذاته، أو جاءت كتداعيات لأحداث سبتمبر! فلم تجلب إجراءات الإدارة الأمريكية طيلة الـ 15 عاماً الماضية الأمان للأمريكيين أنفسهم في عقر دارهم، خصوصاً بعد وقوع هجمات إرهابية كثيرة في فترات متفاوتة على الأراضي الأمريكية، وبات هاجس الهجمات الإرهابية خبزاً يومياً للمواطن هناك، فما بالنا بالإدعاءات الأمريكية بأنها "جعلت العالم أكثر أمناً"؟!

لم يعد خافياً بأن البلطجة الأمريكية في بؤر مختلفة من العالم، قد تذرعت منذ أحداث سبتمبر بأن الأمن الأمريكي وكذلك "الدولي" قد تعرّضا لانتكاسة خطيرة! وان الإدارة الأمريكية قد شنّت "الحرب على الإرهاب" لضمان عدم تكرار مثل تلك الأحداث! وما حصل هو ان هذه الإدارة ومنذ تدشين "الحرب" المذكورة، قد دشّنت معها كل أشكال الابتزاز الدولي، مع ممارسة كافة الأساليب لتوطيد الهيمنة الأمريكية، كاستثمار عملي لأحداث سبتمبر، ومنها تركيع شعوب آمنة وأنظمة مستعصية على التطويع، كما رفدت بكل السبل صراعات إقليمية وبؤر ساخنة، من أمريكا اللاتينية ومروراً بالشرق الأوسط وليس انتهاءً بشرق آسيا! وهذا واضح بجلاء في منطقتنا الملتهبة بالتوترات وحروب الإرهاب، وأبرزها التورط الأمريكي مع حلفائها في اندلاع الأحداث المروعة في سوريا وما جرّت من ويلات على الشعب السوري، كما يمكن في هذا السياق إدراج الحرب المستعرة في العراق والتأزيم السياسي القائم، بما يمكن اعتبارهما نتاجاً للإخفاقات المريعة للطرف (الشريك) الأمريكي في "تدعيم العملية السياسية في العراق منذ 2003"، وكذلك تهافت الخطط والبرامج الأمريكية في "استتباب الأمن" في البلد بواقع هيمنة الجانب الأمريكي على الملف الأمني منذ السقوط وحتى الانسحاب الأمريكي عام 2011، ناهيك عن التبعات الخطيرة للتدخل الأمريكي في معظم الشؤون الداخلية والخارجية في العراق منذ ذلك التاريخ، كل ذلك مجتمعاً أفضى بأن يتحول العراق الى لقمة سائغة لوحش الإرهاب التكفيري الذي غضّ الأميركيون الطرف عنه، بينما كان يتعاظم خطره، والأنكى انهم وإزاء هذا الواقع كبّلوا القرار الأمني العراقي بشتى السبل، ودعموا دواعش السياسة المبثوثين في العملية السياسية، بزعم انهم يتعرضون لـ"الإقصاء والتهميش"! وقد رقص الإرهاب التكفيري ومؤيدوه من دواعش السياسة وفلول البعث والطائفيين بحماس على أنغام هذه المعزوفة المشؤومة في العراق!

استثمرت الإدارة الأمريكية بدورها أيضاً طيلة الـ 15 سنة الماضية برامج "الحرب على الإرهاب" لتكرّس باستماتة أحادية القطب التي تحلم بتزعمه في المعادلة الدولية القلقة، فكأن أحداث سبتمبر قد هبطت عليها من السماء لتمكينها من تثبيت هذه القطبية المنفردة، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة قبل عقد واحد من أحداث سبتمبر، وانكفاء الدور الروسي في الساحة الدولية لأسباب كثيرة. وهذا اللهاث الأمريكي نحو هذا الهدف قد أوصل السلم العالمي في مناسبات عديدة الى حافات ملتهبة وكارثية، كادت أن تطيح به الى الهاوية!

لم تضيّع أمريكا أيضاً فرص استثمار التوترات الدولية وأخطار الإرهاب الحقيقية، فأنعشت صناعة السلاح لديها وأنقذت الاقتصاد الأمريكي من مآزق الركود الاقتصادي الذي تعاني منه، وذلك باستثمار مخرجات الرعب في المشهد الدولي، وتفاقم النزاعات الإقليمية التي تحمل بصمات التورط الأمريكي، علاوة على خلق تحالفات وأخرى مضادة لها نتيجة تلك التوترات، وإذكاء نار الحروب الناعمة (الباردة سابقاً) بوسائل مستحدثة.

كما لم تتحرج الإدارة الأمريكية وضمن "الاستثمار" السالف، بأن أوجدت ثنائية مقيتة كانت مستهجنة من قبل - علناً على الأقل - في السياسة الدولية المعاصرة، حينما صرّحت إدارة الرئيس بوش الإبن بعد أحداث سبتمبر وفي خضم التحشيد لـ"الحرب على الإرهاب"، بأن "من ليس معنا فهو ضدنا"! ومن الطبيعي أن نشهد بعدها تحول هذه العقيدة الأمريكية الى عصا غليظة يتم التلويح بها بوجه كل من لا ينقاد للمشروع الأمريكي وأجندته المشؤومة التي بانت ثمارها المرّة لاحقاً!

أما صنو هذا الواقع فهو توغل الإدارة الأمريكية في إحكام قبضتها أكثر على قرار الإتحاد الأوروبي في الساحة الدولية، خصوصاً وان نار الإرهاب قد وصلت الى عواصم ومدن الاتحاد، وبات المواطن هناك يعيش هاجس الرعب من شرور الهجمات الإرهابية، وغدت الفرصة ثمينة ليظهر الحليف الأميركي بمظهر الطرف الفاعل في إنقاذ الأوروبيين من الأخطار المحدقة بهم!

* * *

جاءت الإدانة الأمريكية الرسمية الصريحة متأخرة 15 عاماً (أو أكثر من ذلك) بتجريم مملكة الشر السعودية، على خلفية تورطها في أحداث سبتمبر من جانب، ومن جانب آخر دعمها واحتضانها للإرهاب السلفي التكفيري أيديولوجياً ومادياً بوسائل متنوعة، وهذه الإدانة جاءت قبل يومين فقط من الذكرى الـ 15 لأحداث سبتمبر، على شكل مصادقة مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون يحمل اسم " تطبيق العدالة على داعمي الإرهاب"، كان قد أقره مجلس الشيوخ (الكونغرس يتألف من مجلسي الشيوخ والنواب) في مايو/ أيار الماضي، ويُعدّ هذا أبرز تشريع ضد الإرهاب في السنوات الـ 15 الماضية، وفي هذا السياق صرّح النائب الجمهوري "بوب غودلات" رئيس اللجنة القضائية في المجلس بالقول: "لا يمكن أن نسمح لهؤلاء الذين يقتلون الأمريكيين ويجرحونهم بالاختباء خلف الثغرات القانونية، وأن نحرم ضحايا الإرهاب من العدالة". ويسمح القانون برفع الحصانة السيادية، التي تحول دون مقاضاة حكومات الدول التي تتورط في هجمات تقع على أراضي الولايات المتحدة. كما يسمح القانون للناجين وأقارب القتلى في تلك الهجمات، بمقاضاة الدول الأخرى عما لحق بهم من أضرار. وقد استند نواب مجلس الشيوخ في نقاشات مقترح تشريع القانون الى أدلة كثيرة تثبت تورط النظام السعودي ومسؤوليه في دعم تنظيم القاعدة ونظائره قبل وبعد أحداث سبتمبر، والاستناد الى شهادات إرهابيين معتقلين في معتقل "غوانتنامو" وتسريبات ويكيليكس، إضافة الى نتائج تحقيق مهم أجراه الكونغرس اشتهر بـ"وثيقة الـ 28 صفحة" والتي توضح تورط النظام السعودي بتلك الأحداث، والأخذ باعترافات إرهابي القاعدة "زكريا موسوي" الذي يقضي عقوبة السجن في كولورادو لاتهامه بالمشاركة في التحضير لاعتداءات سبتمبر 2001، حسب ما نقلته محطة "CNN" بأنه "تلقى أوامر من زعيم القاعدة في أفغانستان عام 1999، لإنشاء قاعدة بيانات معلوماتية للجهات المانحة للتنظيم، ومن بين الذين طلب إدراج أسمائهم في قاعدة البيانات كان الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي السابق، والأمير بندر بن سلطان السفير السعودي لفترة طويلة في واشنطن ورجال دين بارزون"!

يفسح التشريع المذكور بدوره المجال بأن تباشر الدول الأوروبية الحليفة لأمريكا في إصدار تشريعات مشابهة، لأنها لم تكن أقل ضرراً جرّاء عمليات الإرهاب التكفيري، الذي تشرّب من الفكر الوهابي علناً، ودعمته الحواضن في الرياض ودول خليجية أخرى طيلة العقود الثلاثة المنصرمة، كما يفتح هذا التطور الباب أمام تجريم دول أخرى راعية للإرهاب، كإمارة قطر والبحرين، والأولى تجاهر علناً بدعمها المستمر منذ سنوات طويلة لمجاميع وتنظيمات إرهابية، أخطرها داعش كما هو ثابت.

يقول "كورتين وينزر" المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط في عهد ريغان، في مقاله بمجلة "ميدل إيست مونيتر" في يونيو/ حزيران 2007 بعنوان "السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية السنية": "على الرغم من النجاح الذي حققته الولايات المتحدة حتى الآن في تدمير البنية التحتية لتنظيم القاعدة وشبكاتها الإرهابية إلا أن عملية التفريخ الأيديولوجي للقاعدة ما يزال مستمراً على المستوي العالمي. وإن جهود أميركا لمواجهتها تظل قاصرة لأن مركز دعمها الأيديولوجي والمالي هو السعودية التي تقيم فيها العائلة الملكية الموالية للغرب ولسنوات طويلة تحالفاً مع الوهابية، كما تحرص على تمويل انتشار الوهابية الى بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة، وإن إدارة الرئيس جورج بوش لم تبذل الجهد اللازم لمجابهة هذا الانتشار بسبب اعتمادها النفط السعودي".

يعزز التشريع الأمريكي كثيراً من الحقائق التي كانت الإدارة الأمريكية وحلفائها الغربيين يتسترون عليها بشأن تورط السعودية مع قطر والبحرين في دعم الإرهاب، وكذلك تورطهم في تصعيد التوترات الإقليمية والنزعات الطائفية والمذهبية التي تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

لا يمكن طبعاً تفسير إقرار القانون الأمريكي السالف ذكره، بأنه جلطة ضمير من قبل أصحاب القرار (جمهوريين وديمقراطيين)، إنما هي ممارسة أضحت مصيرية وواقعية تأخذ في الحسبان مطالب الناخب الأميركي (بالدرجة الأولى) في معاقبة الأنظمة التي دعمت الإرهاب مادياً ومعنوياً، يتقدمها النظام السعودي؛ الذي بات يُشار اليه في الأدبيات السياسية والإعلامية الأمريكية بـ"النظام الوهابي"، واعتبار الإرهاب السلفي التكفيري منتجاً سعودياً بالدرجة الأولى، و"الوهابية" فكراً تدميرياً عابراً للقارات، وهذا أيضاً ما يكرره المرشحان للرئاسة الأمريكية، "هيلاري كلينتون" و"دونالد ترامب"!

بكلمة؛ الإرهاب التكفيري الذي يصول ويجول اليوم في منطقتنا وباقي أرجاء العالم، عبر توحشه الإجرامي وقطعان انتحارييه، يكشف حقاً بأن العلم لم يعد "آمناً" قطعاً مثلما تزعم الإدارة الأمريكية زوراً وبهتاناً، تغطية لعجزها أحياناً، أو لتواطئها فيما يجري أحياناً أخرى!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الأحد 11-09-2016     عدد القراء :  1707       عدد التعليقات : 1