أخطر ما يُصرّح به النوّاب العراقيون!

من واقع مصادرة أغلب السياسيين العراقيين، ومعهم النواب أيضاً لحقوق المواطن وتطلعاته، ومن مخرجات ممارستهم الارتجالية في المشهد السياسي الراهن، مع اضطراب المفاهيم وتهشيم بوصلة المنطق والعقل، لا يتحمل هؤلاء أن يقابلوا وجهاً لوجه حقيقة أوزانهم في الشارع العراقي بعيداً عن البهرجة المصطنعة والألقاب (الفضائية)، ويأخذهم الإسراف في التضخم أحياناً مأخذاً بحيث يتصورون انهم يمثلون الشعب (كامل الشعب) العراقي، هكذا بلا حياء أو شعور بأنهم قد أفرطوا في المبالغة!

تتردد كثيراً عبر وسائل الإعلام عبارة ان النائب الفلاني "يمثل الشعب العراقي"، يرددها الإعلاميون المتزلفون، أو الجهلة منهم، أو زبانية ومتملقو النائب، أو الأخير نفسه حينما يتطرق الى انتفاخه، أو الى الدفاع عن نفسه أمام من يتهمه بأمر ما أو يفضح ممارساته، فيلجأ الى الاحتماء بدرع مباح للتداول؛ هو انه "يمثل الشعب العراقي"!

لا توجد في الواقع العراقي اليوم مغالطة وهرطقة أكبر وأخطر من هذه المغالطة الدستورية والسياسية والعقلية! وإذ ندرك جيداً ما يعنيه تمسّح النواب بهذه المقولة التي تضفي عليهم هالة عظيمة من المنزلة والرفعة والهيبة ومن ثم (حصانة معنوية ووطنية) تضاهي الحصانة النيابية، مع التسليم بأن معظم هؤلاء لا يستحق معشار هذه الهالة والحصانة لما لمس منهم الشارع العراقي لدورات متعاقبة من التنصل عن شعاراتهم وواجباتهم، لكن واقع الأمر يفضح ادّعاء هؤلاء بتمثيلهم الشعب العراقي، بواقع انهم – في أحسن الأحوال – لا يمثلون سوى الناخبين الذين صوّتوا لهم، مع علم الجميع بأن معظم المدّعين من هؤلاء قد فاز عبر شراء الأصوات أو بتزويرها، أو بإزاحة مرشحين منافسين بأساليب مافيوية، أو شملتهم "الكوتا" أي نظام الحصص والذي تم تشويهه واستغلاله من قبل الكيانات الكبيرة!

لا يوجد أي نصّ دستوري أو قانوني ينصّ على أن النائب يمثل (كامل الشعب العراقي)، ولو كان الأمر كذلك فهذا يعني ان نائباً واحداً سيمثل (مشكوراً) كل العراقيين بدلاً من وجود 328 نائباً في مجلس النواب! والطامة الكبرى هي ان من يدّعي زوراً وبهتاناً من النواب هذا التمثيل المطلق للعراقيين، لا يملك شروى نقير في رصيده النيابي يمكن أن يفتخر بأنه قد خدم بواسطته (كل العراقيين)، نعم ربما خدم بطريقة ما كتلته أو عشيرته أو منطقته، أو أقرباءه وشركاءه، وهذا لا يسوّغ له أن يدّعي بأنه يمثل كل العراقيين أو انه قد خدمهم!

ما أشدّ وطأة الفساد الذي يغمر أنشطة معظم النواب العراقيين، والذي زكمت رائحته الأنوف وبات حديث الركبان، بيد ان الأنكى أن يحمل أحدهم كل هذه الرائحة النتنة ثم يتبجح على الملأ بأنه "يمثل الشعب العراقي"!! لا أدري كيف يتحمل مثلاً (وفق هذا المنطق) ابن الجنوب أن يمثله ظافر العاني أو أسامة النجيفي أو دواعش السلطة المعروفين؟!

علينا أن نفضح مقولات وادّعاء أي نائب بأنه يمثل (كامل الشعب العراقي)، لأنها بمثابة فِريَة رخيصة، ومصادرة مفضوحة لأصوات من لم ينتخبوا هذا النائب، وإغارة عدوانية على تطلعات ومتبنيات وخيارات هؤلاء المواطنين. وينبغي عدم التستر على أي نائب في زعمه هذا، أو على من يروّج ذلك من الإعلاميين والمتزلفين والانتهازيين، الذين يغذّون ماكينة الفساد السياسي والإداري، وليوّفر أي نائب ممن تم ذكرهم كل بركاته وإنجازاته لمن صوّتوا له، وأن يعلم سلفاً بأن معظم المصوتين له قد عضّوا على أصابع الندم بعد حينٍ من التصويت، ولم يعد يمثلهم عملياً، وإن كان يسري تمثيلهم على الورق حتى انتهاء الدورة الانتخابية!

نعم، النواب بمجموعهم يمكن أن يوصفوا بأنهم يمثلون الشعب العراقي قاطبة اعتبارياً، ولكن هذا يصحّ فقط اذا افترضنا انهم (جميعاً) قد بَرّوا بقَسَمهم النيابي، ولم يستغلوا مقاعدهم لمآرب شخصية وفئوية وحزبية تبعد سنوات ضوئية عن تطلعات وآمال العراقيين، المبتلين بطبقة سياسية وبرلمانية فاسدة لم يعرف التاريخ المعاصر نظيراً لها!

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الأحد 02-10-2016     عدد القراء :  1694       عدد التعليقات : 0