تركيا بقيادة اردوغان سفينة تائهة تبحث عن مرفأ للراحة

سنحت لاردوغان عدة فرص ليسير ببلاده نحو الاستقرار واستباب الامن و الامان في تركيا والمنطقة عامة لكنه فعل العكس فاصبح مصدر صداع مزمن لدول المنطقة والعالم، فقد حشر انفه في كافة بؤر التوتر في المنطقة ولم يبقي لتركيا من اصدقاء عدا دويلة قطر العظمى!! وكذا الحال في ملف المسأله الكردية، فبعد بزوغ نجم  حزب الشعوب الديمقراطي التركي ( HDP) الذي يحظى بدعم الشعب الكردي في تركيا كان بامكان اردوغان ان ينتهز هذه الفرصة ليعقد علاقة متينة مع حزب (HDP ) لتحقيق عملية السلام ليس لصالح الشعب الكردي فحسب بل  لصالح الشعب التركي ايضا للحفاظ على تركيا كدولة متآخية آمنة بمستقبل زاهر في المنطقة وتهيئة الارضية المناسبة للانضمام الى الاتحاد الاوروبي.

ان تأريخ نضال الشعوب يحمل في طياته سجلا حافلا باحداث مؤلمة ذهبت افواج من الابرياء ضحايا للكفاح المسلح لشعوب غالبا ما اضطرت لحمل السلاح بعد ان اغلقت كافة الابواب الاخرى في وجوههم، كشعبنا الكردي في تركيا الذي يناضل من اجل حقوقه المسلوبة  ولكي يحمي وجوده من الانصهار في بوتقة المشاريع العنصرية. ان اغلب الحركات التي مارست اسلوب الكفاح المسلح استدرجوا في نهاية المطاف الى  طاولة التفاوض. ولعل اقرب التجارب هو وصول حكومة كولومبيا قبل اسابيع لاتفاق مع "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك) اليسارية بعد 52 عام من الصراع الدموي ومقتل اكثر من 200 الف شخص. و لاشك ان تجربة ايرليندا الشمالية هي الاقرب تشابها  للنضال المسلح لشعبنا الكردي في تركيا لكونها كانت حركة تحرر وطني. ففي ايرليندا خاض الجيش الجمهوري الأيرلندي ( IRA) منذ تأسيه عام 1919 كفاحا مسلحا لتحرير ايرلندا من الحكم البريطاني. وبعد اكثر من 80 سنه من الدمار و الخراب توصل الطرفان عام 1998الى توقيع معاهدة سلام المعروفة بمعاهدة بلفاست برعاية امريكية. و لا بد من الاشادة بالدور البارز لكل من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا و المفاوض البارع جيري ادمز رئيس (حزب شين فين ) والذي اعتبرته لندن الجناح السياسي للجيش الايرلندي.

وكان بامكان اردوغان ان يتعظ بتجارب كولومبيا و ايرلندا الشمالية لايقاف حمام الدم في تركيا. فكافة الظروف الملائمة لانهاء الصراع المسلح في تركيا كانت و مازالت مواتية ولا يجوز الافراط بها بسبب نزعات عنصرية. فوجود حزب و قيادة دميرطاش  الذائع الصيت عالميا وهو الشخصية الكاريزمائية شأنه شأن جيري ادمز، يعتبر واحدا من المستلزمات الهامة للحل السلمي للمسألة الكردية في تركيا. ولكن و للاسف فبدلا من التفاوض مع PKK من خلال دميرطاش كوسيط و حليف له  فان اردوغان آثر وبغباء سياسي عنيد على زج دميرطاش وفيغان يوكسك داغ، الرئيسين المشاركين لحزب الشعوب الديمقراطي المعارض وعدد من نواب الحزب، في السجن. وهو بعمله هذا يظهر سذاجته في العمل السياسي وقصر فهمه لمدى صلابة عزيمة الشعوب في نضالهم لتحقيق مطالبهم العادلة. يسعى اردوغان من خلال موقفه الاخير لتحقيق هدفين لخدمة اهدافه الشخصية دون ان يعير بالا لمخاطر اندلاع حرب اهلية بامكانها ان تحرق اليابس و الاخضر، وهما :

1- الحصول على دعم اليمين التركي اولعنصريين لتحقيق طموحاته الشخصية ومنها تحويل النظام البرلماني في تركيا الى نظام رئاسي.

2- قطع كافة السبل امام عملية السلام واجبار الاكراد على اللجوء الى لغة السلاح  والعنف الثوري كخيارهم الوحيد. وغرض اردوغان من ذلك هو  منح الماكنة الاعلامية الشوفينية لحزب العدالة و التنمية فرصة لتسويق ماركتهم العنصرية في تفسير المسألة الكردية على انها قضية شلة من الارهابيين الذين لا يمكن مجابهتم الا بالسلاح.

وهكذا تظهر حقيقىة اردوغان  للعيان جليا فهو لم يتخلى سوى عن طربوشه التركي اما العقلية الشوفينية تجاه الاكراد  فما زالت قابعة تحت طربوشه تعشعش في كل خلية من خلايا عقله. (فوا حسرتاه متى يدرك اصدقاء اردوغان في اقليم كردستان هذه الحقيقة.(إننا نسير على خطى أجدادنا الفاتحين مثل السلطان محمد الفاتح وعلى خطى قادتنا العظماء أمثال مصطفى كمال وعدنان مندريس..) هكذا تحدث اردوغان في المؤتمر الرابع لحزب العدالة و التنمية. وهو  بعيد كل البعد عن السلطان فاتح لانه سيبقى عاجزا عن فتح دياربكر ابدا. وهو ليس اتاتورك لانه يسلك منهجا معاديا لعلمانية اتاتورك. لكن اردوغان  وبحق اشبه بكثير بعدنان مندرس وهو اول رئيس وزراء اعدم في تركيا عام 1961. و لا استبعد ان ينال اردوغان عقوبة مماثلة اذا استمر في سياساته الحمقاء وتأتي سياسة تعاونه مع ارهابيي داعش من صلب حماقاته. والى ذلك الحين ستبقى تركيا رهينة لنزعات اردوغان يسيرها وفق اهوائه و لاشباع طموحاته الشخصية.

جمال فاروق الجاف

  كتب بتأريخ :  الإثنين 07-11-2016     عدد القراء :  1154       عدد التعليقات : 0