جـايـكـوفســكي ..ونـايجـــدا فـون ميــك ( 1 - 2 )

* تبــادلا 1204 رسـالة خلال 14 عـامــا؛ ولم يلتقيا سوى مرة واحدة؛ وبشكل

خاطف!!

* رفضـت أن يهـديهـا أي مـن مـؤلــفاتـه المـوسـيقية..!!

* توقفـت عن الكتـابة لـه بعـد طــلاقـه لــزوجتـه !!!

* عرضـت عليه التفـرغ للإبداع، ومنحته مرتبا شهريا جيدا، ومسكنا آمنا، لكـن

بشـرط عـدم التقرب منها، وعدم الأعلان عن علاقتهما ابدا!!!

* إعتزلا الناس ليس خوفا منهم، وإنما خوفا من الخيبة فيهم..!

( 1 )

تعرفت في بـداية التسيعنات على أستاذ للمـوسيقى، كان يعمل مخرجـا تلفزيونيا أيضا، وكان

متخصصا بنقل الحفلات الموسيقية لإحدى قنوات التلفزيون الألماني في مدينة هامبورغ بألمانيا

الأتحادية. وبعد لقاءات متعددة نشأت بيننا صداقة طيبة إكتشفنا خلالها حبنا المشترك للموسيقى الكلاسيكية، لبيتهوفن وموتسارت وجايكوفسكي. وكم حاولت؛ حينها؛ مخلصا، دفعه لحب الموسيقى الشرقية، الهندية والبنغالية، باعتبارهما، في رأيي، قد وصلتا الى مشارف روحانية سامية جدا، لم تصلها موسيقى شعوبنا في الشرق الأوسط، لكنني لم أفلح..! فقد كان، وهذه حال جُل المثقفين الأوربيين، متحاملا بشكل خفي، ضد الشرق والحضارات الشرقية، دونما معرفة، بل وبإصرار على عدم التعرف!!

وذات مرة، عبّرت لهذا الصديق عن رغبتي لإخراج فيلم عن حياة (بيوترجايكوفسكي)، لاسيما وأن العديد من الوثائق السرية عن حياته نشرت بعد الإنهيار (السريالي) للاتحاد السوفيتي، وكنتُ حينها خريجا جديدا من معهد السينما بموسكو، فتحمس للفكرة، وأتفقنا على أن أسافر إلى روسيا لجمع ما يمكنني من معلومات ووثائق، وزيارة الأماكن التي عاش فيها جايكوفسكي، من أجل أن تساعدني أثناء كتابةالسيناريو. وكانت مهمته أن يجد ممولا للمشروع ، هذا الأمر كان يسيرا بالنسبة له، لأنه أراد شخصيا أن يساهم في الانتاج.

وسافرت إلى روسيا، وجمعت ما أستطعت من معلومات، وكانت لديّ قبل ذلك مجموعة لابأس بها من الوثائق الألمانية أيضا. لكنني لم أستطع، مع الأسف الشديد، أن أنجز هذا المشروع، لأنني، وبعد عودتي إختلفت مع هذا الصديق بسبب فهمنا المتباين للطريقة التي يجب تقديم حياة جايكوفسكي من خلالها.

فقد كان يصر هو على تقديم حياة الموسيقار الرائع من خلال تفاصيل أخلاقية، سلوكية، متعلقة بشذوذه الجنسي، بينما كنت مصرا على تقديم هذه الحياة من خلال قصة حب نادرة في التاريخ، قصة حب غامضة جدا، وغريبة جدا، قصة حب عاشها جايكوفسكي مع إمرأة غريبة الأطوار، ونادرة، أسمها ( نايجدا فون ميك ).

فرغم أنهما كانا يعيشان في المدينة ذاتها، موسكو، إلا انهما بقيا يكتبان الرسائل لبعضهما لمدة أربعة عشر عاما، حيث كتبا خلالها (1204) ألفا ومائتين وأربع رسائل..والأغرب من ذلك أنهما لم يلتقيا سوى مرة واحدة، حينما حضرت هي أحدى الحفلات الموسيقية، وأثناء الاستراحة مرت سيدة إرستقراطية، من على مبعدة منه، فقيل له ان تلك السيدة هي ( ناديجدا فون ميـك)..؛ فالتفت اليها لكنه لم يستطع ان يرى حتى ملامحها جيدا، لأنها كانت قد إبتعدت!!

( 2 )

طـفــولة الشـمعة الـحــزينـة

ولد بيوتر إيليش جايكوفسـكي في 7 مارس - آذار من العام 1840 في مدينة( فوتكنسك ) بالأورال، لعائلة ميسورة الحال، حيث كان أبوه مديرا لاحد المناجم، وحيث كانت أمه تنحدر من أصل فرنسي، وقد كان ( بيوتر) الابن الثاني لأربعة أخوة واخت واحدة. ورغم أن أخته (الكسندرا) كانت الأصغر من بين جميع الأخوة، إلا أنها كانت الأقرب إليه. وكعادة بعض العوائل البرجوازية في روسيا القيصرية، فقد أستدعت العائلة مربية فرنسية لرعاية الأولاد واعطائهم بعض الدروس في الموسيقى. وقد ذكرت هذه المربية بأنها دخلت على الصبي ( بيوتر)، الذي لم يكن قد تجاوز الخامسة، في غرفته، فرأته محمر العينين فسألته عما به، فأجابها مشيرا الى رأسه: الموسيقى..، الموسيقى..هنا في رأسي..إنها تقتلني..!

وقد إضطرت العائلة لأبعاده عن دروس الموسيقى لبعض الوقت من أجل أن تهدأ أعصابه!! لكنهم دهشوا حينما لاحظوا أنه يحقق تطورا سريعا في تعلم الموسيقى. وكانت هذه المربية تروي له القصص والمغامرات الشيقة، ومنها قصة (جان دارك - عذراء أورليان)، فبقيت هذه القصة في أعماقه حتى إستطاع بعد ثلاثين عاما أن يؤلف أوبرا باسم ( عذراء أورليان)!

( 3 )

رحيـــلُ الأم الغــاليـــــة

حينما بلغ الصبي ( بيوتر ) العاشرة من العمر قررت العائلة أن يُرسل إلى ( مدرسة الحقوق الداخلية) في العاصمة (سانت بيوتربورغ)، فأخذته أمه إلى هناك، وحين حانت ساعة الفراق، تعلق الصبي بأمه لا يريد فراقها. وبعد سنوات إستذكر جايكوفسكي هذه اللحظات قائلا:( إن ذلك اليوم كان الأشد رعبا في حياتي).

كانت سنواته في مدرسة الحقوق مليئة بالمعاناة لفراقه عن أمه التي كان متعلقا بها جدا، بحيث سبب له ذلك إشكالات سلوكية ونفسية في مسيرة حياته. ولقد كانت صدمته الكبرى هي وفاة هذه الأم الحنون في يونيو - تموز 1855 بمرض الكوليرا، ولم يكن عمره حينها سوى الخامسة عشرة.

ربما لا تفي الكلمات بالغرض، ولا تستطيع تبيان عمق وكثافة الألم الذي سببته هذه الوفاة على روح هذا الفتى المرهف الإحساس والرقيق القلب والمشاعر. ورغم ذلك فان الوقائع التاريخية تشير إلى أنه كان في هذه الفترة يأخذ دروسا في العزف على البيانو عند أحد مشاهير المعلمين الألمان في الموسيقى، إلا أن الوضع الاقتصادي للعائلة قد تدهور في هذه الفترة حتى أنه لم يعد باستطاعته أن يدفع أجور الساعات التعليمية في الموسيقى، فتوقف عنها، لكنه في هذه الفترة تعرف على معلم الغناء، الشهير في ذلك الوقت،(بيكولي) الذي إليه يعود الفضل في بناء القاعدة المعرفية الموسيقية لجايكوفسكي.

( 4 )

المــوسـيقى .. المـوسيقـى

في العام 1859 أنهى جايكوفسكي مدرسة الحقوق، وأصبح موظفا في وزارة العدل، إلا أن الوظيفة لم تشبع توقه البالغ إلى الحياة، فأخذ يزور الصالونات الأدبية والفنية المنتشرة آنذاك في العاصمة، لكن حتى تلك الأجواء لم تشف غليل هذه الروح التائهة التي ألقت بنفسها في فضاء الموسيقى. وفي هذه المرحلة بالذات عرف جايكوفسكي بان قدره مرتبط بالموسيقى.

وحينما تم إفتتاح أول معهد للموسيقى في روسيا العام 1862 كان هو من اوائل المتقدمين اليه. وما ان انهى دراسته في المعهد حتى عرض عليه الموسيقار (روبنشتاين)، الذي كان يديرالمعهد الموسيقي بموسكو، منصب أستاذ نظرية الموسيقى في المعهد، فانتقل الى موسكو للعمل في المعهد الذي يحمل الآن أسمه تكريما لعبقريته، ولذكراه.

( 5 )

أحــلام الشـتاء.. والــزواج الـغريـب

في موسكو سرعان ما وجد جايكوفسكي نفسه وسط حلقة من الأصدقاء الجدد، من أدباء ومفكرين، وموسيقيين، لكن روحه كانت تتوق إلى العزلة، مركزا على التأليف الموسيقي، حيث بدأت شمس مجده بالشروق، وحيث كتب أول سيمفونية له باسم ( أحلام الشتاء ). إلا ان المفاجأة التي إهتزت لها الاوساط الثقافية في موسكو كانت زواجه من إحدى طالباته في المعهد!

التفسيرات تضاربت في حل لغز هذا الزواج، فهناك من فسر الأمر بان جايكوفسكي سعى من وراء ذلك تغطية الشائعات التي بدات تنتشر عن سلوكه الجنسي الشاذ، إلا أن صديقه الحميم الموسيقار (لاروخ) ترك لنا، في كتابه عن جايكوفسكي، تفاصيل غاية في الدقة والأهمية، تؤكد بأن هذه الفتاة الجميلة التي كانت طالبة في معهد الموسيقى، عشقت جايكوفسكي، وتقربت منه، الا انه لم يكن يدرك مراميها، ثم أخذت تكتب له الرسائل العاطفية التي تبوح فيها بحبها له، ولم يكن هو يجيبها، وأخيرا كتبت له رسالة هددت فيها بالإنتحار إذا لم يتزوجها، وحينما لم يستجب لها اقدمت فعلا على الإنتحار. وبما أن الشائعات كانت قد إنتشرت فعلا عن سلوكه الشاذ، فما كان منه إلا أن تزوج هذه الطالبة شفقة منه عليها ، وتغطية لوضعه وسمعته.

كل الذكريات والمذكرات عن جايكوفسكي تؤكد بأنه كان خجولا جدا بشكل غير طبيعي، هادئا، صموتا، بل ومرتبكا، كما كان طيبا، اصيلا وشجاعا في إتخاذ الواقف اللائقة بالانسان في لمواقف الحرجة. ويبدو أن هذه الفتاة كانت تعشقه حقا، إلا أن هذا الحب، ثم الزواج كانا كارثة حقيقية على كليهما، فقد عاشا سوية في بيت واحد، لكن دون اية علاقة زوجية.

ومهما كانت ملابسات وضعه وسيرته الذاتية إلا أن تفاصيل قصة هذا الزواج تكشف عن شخصية الفنان الطيبة، وإستعداده للتضحية بالذات من أجل إسعاد الآخرين. وقد كشف عن بعض تفاصيل هذا الزواج في رسالة بعثها الى (ناديجدا فون ميك)، التي كانت تعيش مع نفسها صراعا آخر، رغم ان هدا الأمر قرّب جايكوفسكي منها أكثر..!

( 6 )

نـاديجــــدا.. الأمــــل الأخــــرس

خلال سنوات تدريسه في المعهد كتب جايكوفسكي مؤلفات موسيقية مهمة جدا، من أبرزها باليه (روميو وجوليت )عن تراجيديا شكسبير الشهيرة. ورغم أن مرتبّه خلال هذه السنوات قد تضاعف، تصاعدا مع إمتداد سنوات خدمته ونمو شهرته، إلا أن متطلبات الحياة العائلية، وتبذير(زوجته) التي كانت مولعة بالمظاهر، وضعته في ضائقة مادية، فاضطر الى إعطاء الدروس الخصوصية.

وقد كان أول إتصال له بصديقة عمره المتبقي، وشريكة حياته الإبداعية، حينما أستلم رسالة منها في 18 ديسمبر - كانون الأول العام 1876 من السيدة ( ناديجدا فون ميك ). وقد علق هو فيما بعد بأن ذلك اليوم كان أسعد أيام حياته.

( ناديجدا )، والتي يعني إسمها بالروسية (الأمل)، كانت أرملة لمهندس سكك حديدية، ألماني الأصل، جاء الى روسيا للعمل فيها، فمد خطوط سكك الحديد هناك، وجنى من خلال ذلك ثروات طائلة، لكنه مات مخلفا أحد عشر إبنا وبنتا، فتولت زوجته إدارة هذه الأملاك والثروات من بعده.

كانت (ناديجدا فون ميك) في الخامسة والأربعين من العمر حينما مات زوجها، وحينما بدأت مراسلاتها مع جايكوفسكي كانت هذه السيدة روحا هائمة في الموسيقى. إمرأة إعتزلت المجتمع الإرستقراطي، مركزة إهتمامها على تربية أبنائها وإدارة أملاكهم، لكنها وجدت خلاصها في الموسيقى.

وقد كتبت فيما بعد لجايكوفسكي بأن مؤلفه الموسيقي (العاصفة) مس أعماقها وجعل الدموع تتدفق من مقلتيها. ورغم أن جايكوفسكي كان شخصية معروفة في المجتمع الثقافي ويمكن الوصول إليه والإتصال به سهلا، إلا أن الإتصال الشخصي بينهما تم عن طريق أحد تلاميذه الذي كان يعطي الدروس لأحد ابناء السيدة الأرملة.

وكان هذا المعلم الفتي يروي لها عن عزلة أستاذه ووحدته وظروفه المادية الصعبة، فهبت السيدة الأرملة لمساعدته، ولكي لا تحرجه وتحرج نفسها، وجدت شكل مناسبا لهذه المساعدة، وذلك بتكليفه كتابة قطعة موسيقية لأحد أبنائها كي يتدرب عليها، وخصصت له مكافأة مجزية لم يكن يحلم بها، وكان إتصالهما الحوار بينهما يتم عن طريق الرسائل..!

( 7 )

روحـــان هــائـمـتـــــان

هاتان الروحان الهائمتان وجدتا السعادة في هذا الشكل من التواصل الغريب بينهما. وبعد أن توثقت العلاقـة، عن طريق الرسائل طبعا، عرضت عليه أن يترك وظيفته في المعهد الموسيقي، وأن يتفرغ للإبداع والتأليف الموسيقي، مقابل مرتب جزيل تصرفه له شخصيا كل شهر، ومسكن يؤمن له الراحة، لكن بشرط الا يسعى الى التقرب الشخصي منها، وأن لا يعلن عن علاقتهما وتفاصيلها ابدا، بل وطلبت منه أن لا يهدي لها أي عمل موسيقي بشكل علني، لكن وفاءه لها لم يمكنه من ذلكن فقد أهدى الحركة الثانية من السيمفونية الرابعة (الى صديقة عزيزة)، وكان يقصد ( ناديجدا ).

ومن أغرب الأمور أن العلاقة بينهما إنفصمت بعد أن طلق هو زوجته الشابة التي لم تطق الحياة معه بهذا الأسلوب، فانطلقت لتروي ظمأها الروحي والجسدي، وتعيش حياتها الخاصة بعيدا عنه، ربما إنتقاما منه لتجاهلها في حياته، حيث إنتهى بها هذا الطريق إلى مستشفى المجانين. وقد كان ذلك قبل ثلاث سنوات من موت جايكوفسكي .!

وقد ظلت أسرار هذه القطيعة المفاجئة موضع بحث من المهتمين بحياة جايكوفسكي لعقود من الزمان. فبعظهم يعزيها لخسارة السيدة ( فون ميك ) لأملاكها وثرواتها في البورصة، وهذا ما لمحت إليه في رسائلها الأخيرة إليه، وبعضهم فسر الأمر الى إنتشار الشائعات عن حياة جايكوفسكي الخاصة، مما دفعها للحفاظ على سمعتها، لا سيما وأن الأبناء قد كبروا، لكن هذا الأمر غيردقيق ابدا، لأنها كتبت له في أولى رسائلها إليه، والتي سنقدمها بعضا منهالاحقا، أنها تعرف كل صغيرة وكبيرة عنه، وتعرف كل ما يذمه الناس به، وما يتناقلونه عنه، وما الى ذلك.

لكن بعض الوثائق تؤكد بأن زوج أبنتها، الذي كان بمثابة سكرتير لها، وبعض أبنائها، أتفقوا على إعدام هذه العلاقة، وايقاف المساعدات، بل وساهموا في عدم إيصال الرسائل التي يرسلها هو إليها، وبالعكس، تمزيق الرسائل التي كتبتها له، ولدينا بعض الرسائل التي كتبها هو إليها بينما نفتقد للرسائل التي كتبتها هي كجواب لهذه الرسائل ولم تصل. وقد ظل هو كئيبا من هذه القطيعة المفاجئة، كما أحست هي بالخيبة من إنقطاعه عنها، ظنا منها أنه كان يراسلها لأنها كانت تساعده ماديا، وحينما إنقطعت المساعدة إنقطع عن الكتابة لها..!!

( 8 )

رســـائـل العــــزلــة

في إحدى رسائلها الأولى، كتبت ( ناديجدا) لجايكوفسكي ما يلي :( حينما سمعتُ موسيقاك، لأول مرة، أكتسحتني الرغبة العارمة في ان أتعرف إليك، فأنا لا أفصل الإبداع عن شخصية المبدع، لكن بقدر قوة إعجابي بموسيقاك كان خوفي ايضا من التعرف إليك).

وفي رسالة أخرى يكتب هو لها:( ثمة مرض ما قد قربنا من بعضنا، هذا المرض هو مرض (الآنطواء والنفور من الناس)... والناس المصابين بهذا المرض لا يخافون شرور الآخرين، بقدر ما يخافون الخيبة في الآخرين، فهم في حنين الى المثال الضائع، والذي يحدث في الكثير من الأحيان بعد التقرب من الآخرين).

هذه الرسائل منحت جايكوفسكي طاقة هائلة على الإبداع، فقدم خلال هذه السنوات أعماله الخالدة، باليهات: بحيرة البجع، الحسك الهش، كسارة البندق، واوبرات: يفجيني أونيغن، عذراء أورليان، الساحرة، سيدة البستوني، وكذلك أعماله الأوركسترالية والسيمفونيات الرابعة والخامسة ومقطوعة 1812، وهاملت، والكونسيرت التاني والثالث للبيانو، والكونسيرت الأول للكمان، وغيرها من الأعمال الخالدة. وكان قبل ذلك قد أنجز سيمفونياته الثلاث، والكونسيرت الأول للأوركسترا، والمارش الصربي( السلافي ، فيما بعد)، وباليه ( روميو وجوليت)، وكونسيرت (فصول السنة)، وغيرها من الأعمال الموسيقية.

والغريب أن (ناديجدا فون ميك) ماتت بعد ثلاثة أشهر تقريبا من موت جايكوفسكي، فقد مات هو في6 نوفمبر 1893، بينما ماتت هي في 13 يناير 1894 ، بعد ثلاث سنوات من إنقطاع الرسائل بينهما، مخلفا سيمفونية ناقصة هي السيمفونية السادسة، والتي عنها وعن حياة جايكوفسكي كتب (كلاوس مان) رواية تحمل اسم ( السيمفونية الناقصة).

لقد كانت ( ناديجدا فون ميك) بالنسبة له مثالا.. حلما.. وقد إعترف هو بذلك قائلا: ( إنها مثال الانسان). ومهما كانت التفاصيل الحياتية، التي لم أتوسع فيها خلال هذا العرض، متضاربة، ومقتضبة، في رسم هذه العلاقة، إلا انها تبقى من أغرب قصص الحب، إنها درس عظيم في الحب، لكل النساء والرجال، ولكل العصور والأزمان. وربما يكون من المفيد تقديم نماذج من هذه الرسائل.

( 9 )

المشـروع المـــؤجــل

لقد كان إختلافي مع الصديق الألماني قد ضيع فرصة كبيرة ونادرة بالنسبة لي، لكني، وبمرور الوقت، لم آسف، ولن أأسف أبدا، على ضياعها. صحيح أن هذه القصة ومخطط السيناريو سيبقيان مشروعا مؤجلا، كبقية المشاريع، إلا ان عدم إتفاقي مع تصوراته، وعدم إنسياقي لفهمه الفضائحي للموضوع، والدخول في تفاصيل حياة جايكوفسكي الخاصة، والتي من المؤكد ستضيء بعض جوانب حياته الأبداعيه، لكن ليس الإبداع ذاته، منحني راحة نفسية، فأنا مؤمن بأن مجد الإنسان الحقيقي هو مجد الحب..وليس غير الحب.

  كتب بتأريخ :  الخميس 10-11-2016     عدد القراء :  1258       عدد التعليقات : 0