دولة المواطنة اساس وحدة العراق السياسية
بقلم : عبد المطلب عبد الواحد
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

ماذا تعني دولة المواطنة؟

السيسولوجي دومنيك شنايبر يعتقد "بأن المواطنة مبدأ ديمقراطيا موحدا وضروريا في كل المجتمعات الحديثة. ان هذه المجتمعات الديمقراطية الحديثة والمنتجة تتضمن مبدأين للاندماج : الشرعية الديمقراطية للسلطة السياسية ومركزية النشاط الاقتصادي."(1)

بمعنى ما فإن دولة المواطنة، هي تلك الدولة الضامنة للحقوق الانسانية الاساسية لمواطنيها وفق مبادئ الحرية والعدل والمساواة، وفي اطار حزمة من المسؤوليات الاجتماعية الملزمين بتأديتها، بحيث تشكل آليات التفاعل بين الدولة والمواطنين احد اهم مرتكزات الاستقرار وتحقيق السلام الاجتماعي.

ومن التعريفات المتعددة للمواطنة، ورد في دائرة المعارف البريطانية، "ان المواطنة هي علاقة بين فرد ودولة، كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة. وتؤكد ان المواطنة تدل ضمنا على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات." (2)، وقد تطور مفهوم المواطنة عبر التاريخ منذ ظهوره لاول مرة في الدولة الاثينية قبل 2500 عام، واكتسب مضامين جديدة بفعل التطورات العاصفة في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وظهور الدولة القومية في اوربا، حيث صدرت التشريعات التي تعترف بحق المواطنة للافراد والتي تنص على الحقوق والواجبات تجاه الدولة والمجتمع.

تشير عدد من الدراسات السسيولوجية، وخصوصا في المجتمعات المنقسمة مذهبيا، الى ان المواطنة والمبادئ الديمقراطية تعززان التماسك الاجتماعي بين الاقوام والطوائف من خلال الاعتراف بحقوق متساوية لأفراد الجماعات الوطنية بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية، والجنس، واللون والعرق،والمعتقد.  وقد جاء في نظرية مانن عن المواطنة "على أنها إستراتيجية لتنظيم العلاقات بين الطبقات  حيث يصبح دور الدولة هنا هو الإشراف على هذا التنظيم من أجل تحقق الاستقرار الاجتماعي، من خلال منح حقوق للمواطنين." (3)

"إن نظرية المواطنة لا تزال مجالاً خصباً للنقاشات لفهم حركة التطور في كيفية تأسيس العلاقة بين الفرد والسلطة، أو بين المواطنين والدولة. ويبدو أَنَّ المواطنة ليست فكرة ثابتة، إنما هي متغيرة بتطور التاريخ الإنساني، فالعولمة قادت إلى مزيد مِن هيمنة سلطة المنظمات والمؤسسات الأممية، مما قاد إلى ظهور أشكال أخرى مِن المواطنة، مثل المواطنة العالمية"(4).

وعليه فإن الدولة والمواطنة ودولة المواطنة والديمقراطية اقترنت بكفاح الانسان بحثا عن شروط افضل لاستمرار الحياة الاجتماعية وفي اطار تطلعه للعدالة والمساواة، كما ان المواطنة والديمقراطية صنوان متلازمان يكمل احدهما الاخر. وهما نتاجان لعصر الانوار الذي رافق الثورة الصناعية في اوربا وصعود البرجوازية كطبقة تقدمية في ذلك المقطع من التاريخ الذي شهد انهيار عصر الكنيسة والاقطاع وظهور الفكر النقدي، ومثل من الناحية العملية نهاية دولة الرعية، وبداية دولة المواطن. وقد لعبت البرجوازية في التاريخ دورا ثوريا للغاية "(5).

غير ان العالم العربي والاسلامي في تلك الحقبة وما قبلها كان يعيش استمرار عصر دولة الخلافة، وكما هو معروف فإن دولة الخلافة لم تكن تعبأ بمفهوم المواطنة والمواطن وكانت تتعامل مع المسلم الفرد كونه عنصرا من عناصر امة المسلمين التي تتكون من جموع المسلمين والامام الحاكم او الخليفة في نطاق يطلق عليه دار الاسلام. ويقوم مضمون العلاقة بين الحاكم والمحكوم على الطاعة والتبعية، وقد اشترطت الثقافة الاسلامية المستمدة من التراث الاسلامي على ان اولويات المسلم هي محبة وطاعة الله ورسوله والتابعين والاهتداء بمنهجهم فقط، وليس لشئ اخر. كما ان المواطنة كمفردة ليس لها وجود في التراث العربي الاسلامي، وقد وردت كلمة مَواطن في القرآن والسنة بمعنى المواقع او الاماكن. وبذلك ظلت المواطنة لفظا ومضمونا غائبة في ثقافتنا العربية الاسلامية. ولكن ذلك لا ينفي ما كان للاديان من دور مؤثر في التماسك الاجتماعي ونشوء دول عبر التاريخ.

الدولة العراقية

مع سقوط الدولة العثمانية وتفككها بُعيد الحرب العالمية الاولى، تأسست الدول العربية بحدودها الحالية،  اثر اتفاقية سايكس بيكو وبضمنها العراق، وبموجب اتفاقية القاهرة في اذار عام 1921 تم إعلان تأسيس المملكة العراقية بعد احداث ثورة العشرين كدولة مستقلة من اتحاد ثلاث ولايات عثمانية (ولاية بغداد، ولاية البصرة، ولاية الموصل)، على الرغم من وجود اقليم العراق تاريخيا على هذه البقعة من الارض.

مع نشوء الدولة العراقية من ثلاث حواضر مدينية، وفي اطار الجهود الرامية لبناء بُناها التحتية وهيكلة اقتصادها تبلورت بشكل واضح طبقات وفئات اجتماعية في المدينة والريف من الفلاحين والحرفيين واصحاب الصنائع والعمال والتجار والعاملين في ادارة مرافق الدولة. وفي خضم الحراك الاجتماعي والسياسي للطبقات الاجتماعية وتفاعلها مع جهاز الدولة تبلورت وتطورت مشتركات السايكولوجية الاجتماعية للمواطنة.  

ومن الناحية العملية اعتمدت السلطات الحاكمة على مالكي الاراضي الكبار وشيوخ العشائر الذين تحولوا بدعمها الى اقطاعيين استولوا على افضل الاراضي الزراعية وفرضوا على ابناء عشائرهم استصلاح تلك الاراضي لاستثمارها في ما يشبه السخرة.

وكان من نتائج الواقع السياسي والاجتماعي ان يوّحد مشاعر قطاعات واسعة من جماهير المدينة والريف نحو تحسين ظروف حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والتحرر من الهيمنة الاستعمارية .

وبعد عقد واحد من تأسيس الدولة وتشكل البنية الاجتماعية والركائز الاقتصادية للدولة، افرز الواقع الطبقي والاجتماعي احزابا سياسية، وكان الحزب الشيوعي العراقي احد اهم الاحزاب الوطنية وانشطها، والذي تمكن من مد نفوده في المحتشدات الجماهيرية في المدينة والريف في مختلف مناطق العراق واستطاع ببرامجه الوطنية الديمقراطية وتوجهاته السياسية الاجتماعية التقدمية واستعداده الدائم لتصدر ميدان الكفاح ببسالة لتحقيق الاهداف الوطنية والقومية والاجتماعية، ان يستقطب في عضويته مناضلين من النساء والرجال من كل القوميات والاديان والطوائف توحدهم روح المواطنة العراقية.

وهنا يمكن القول ان الاحزاب الوطنية العراقية السرية والعلنية، والنخب السياسية التي كانت على رأس الدولة على الرغم من قبولها ربط الدولة العراقية بمعاهدات غير متكافئة مع الدول المستعمرة، كانت تعمل كل منهما (الاحزاب والنخب) ومن منطلقات مصالحها السياسية والاقتصادية المتعارضة على بناء دولة مواطنة عراقية ذات سيادة، لمواطنين عراقيين على تضاريس الارض التي يعيشون عليها.

ولابد من التأكيد ان توحيد الولايات الثلاث بقرار وزارة المستعمرات البريطانية لا يعني قطعا توحيدا قسريا لساكني هذه الولايات، فقد سبق لهم الارتباط بوشائج عميقة اقتصادية واجتماعية، وسياسية ايضا من خلال محاولاتهم التخلص من الهيمنة التركية.

اليسار العراقي

شكل اليسار العراقي من الناحية الموضوعية الرافعة الاساسية لبناء وتعزيز دولة المواطنة وقيمها الديمقراطية في حقلي السياسة والمجتمع، بحكم قاعدته الاجتماعية ومنطلقاته الفكرية وبرنامجه الوطني التحرري.  

ومنذ اواخرعشرينات القرن المنصرم "ساهمت القوى اليسارية في نشر الوعي السياسي والاجتماعي وخاضت نضالات عديدة من اجل تحقيق مطالب الجماهير في سبيل الحرية والديمقراطية والتقدم وعملت على ايجاد حل ديمقراطي للمشكلة القومية، وانهاء الاستغلال الاقطاعي، وتخليص البلاد من الهيمنة الاجنبية، وفي سبيل التنمية الاقتصادية ونبذ الاستبداد والتمييز العنصري والطائفي، والتمييز ضد المرأة" (6). وهذا يوضح بجلاء التأثيرات الملموسة لقوى اليسار في اضفاء البعد الانساني والحقوقي لمفهوم المواطنة وتجلياته في الحقل السياسي الوطني.

ولكن الانظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على حكم العراق بعد اغتيال جمهورية 14 تموز 1958 عملت على انتهاك مبدأ المواطنة بذهنيتها التي لم تكتف برفض المختلف وانما محاولة اقصائه عن الوجود كليا، وكانت اجراءات التعسف والاعتقال الكيفي ومصادرة كافة الحقوق والحريات وتعذيب المخالفين في الرأي وتصفيتهم جسديا تتواصل بدرجات مختلفة، عدا عن الحروب الداخلية والخارجية التي افتعلتها لتصريف ازماتها ولتأبيد طغيانها.

وكان من نتائج السنوات الطويلة للحصار الاقتصادي مزيدا من سحق الكرامة والاذلال للمواطن العراقي ولفكرة المواطنة بحد ذاتها . تعرضت خلالهاعلاقة المواطن بالدولة الى المزيد من الاختلال، بإرغامه على تأدية فروض الطاعة لاوامر الحاكم الفرد، مع مصادرة ما تبقى من حقوق مواطنته المهدورة.

ان سياسة تكميم الافواه لعبت دورها المؤثر في تكريس التشوهات المجتمعية وفي تبخيس الشخصية العراقية، ودفعها لتحويل كراهيتها لرموز السلطة الحاكمة الى النفور من الوطن ذاته. والاستنتاج الذي يظهر في المشهد هنا، هو ان في تغييب قوى اليسار الديمقراطي قسرا من المجتمع العراقي وحجب القيم الفكرية الانسانية والتقدمية التي رفع لواءها، واشاعة وتكريس ثقافة الخوف او ثقافة الموت، ادى الى تصدع مفهوم المواطنة في الذهنية الجمعية للفرد العراقي وادخله نفقا مجهول النهايات، وغدا الصراع من اجل البقاء على قيد الحياة غايته القصوى.

اليسار الديمقراطي بعد 2003

عاد اليسار الديمقراطي الى العمل العلني بعد 2003 منهكا من النواحي التنظيمية والفكرية والسياسية، تحت تأثير الاقصاء الفكري والسياسي والتصفيات الجسدية التي مورست عليه في حقبة دكتاتورية الحزب الواحد والفكر الواحد. ومحملا بأعباء الاحباط الجماهيري الواسع لقاعدته الاجتماعية، ونسبة وازنة من مثقفيه والمشتغلين بقضايا الفكر والسياسة نتيجة لفشل وانهيار بلدان المنظومة الاشتراكية، ونكوص وفشل المشروع القومي على الصعيد العربي اجمالا. مقابل ذلك هيمنة واسعة للمد الديني وصعود اقصى اشكاله تطرفا الى واجهة المشهد السياسي المعقد والملتبس.

ان الاوضاع الاستثنائية التي رافقت العهد الجديد، فاقت كل التوقعات وكانت في جوهرها حصيلة لمخلفات الدكتاتورية والحرب والاحتلال ومشاريعه التقسيمية، والتدخلات الدولية والاقليمية، وترابط المصالح الضيقة لاطراف المعارضة العراقية معها ، وكان في قلب الاجواء المحمومة التي رافقت سعيها لتقاسم السلطة محاولاتها الظاهرة والمستترة للتشويش والتعتيم على اليسار الديمقراطي الحامل للمشروع الوطني الديمقراطي، واختصارها للمجتمع العراقي في مكونات اثنية وطائفية ، وتمكنت فعليا من احتكارها تمثيل هذه المكونات والتربع على قمة السلطة، فيما حاول اليسار الديمقراطي معتمدا على ارثه الوطني التاريخي، وعلى الاخص الحزب الشيوعي في تعبئة الجماهير الشعبية من اجل انهاء الاحتلال واعادة بناء الدولة على اسس دستورية ديمقراطية وتحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية وتوفير الخدمات الضرورية للمواطنين.

والسؤال الذي يحضر هنا، هل يستطيع حزب سياسي ما ، تحقيق قدرا من النفوذ بين (الجماهير) عبر طرحه سياسة تعبر وتدافع عن المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية الملحة لهذه (الجماهير)، معتمدا على مرجعيته الذاتية المستقلة وانتماءه الوطني فقط، في زمن ضياع البوصلة وسط اضطراب وتدافع وتأرجح اجتماعي تاريخي محدد ؟.

تجربة عراق ما بعد 2003 اجابت على هذا السؤال بالنفي، ومع ذلك ومن اجل التدقيق في البحث عن الاسباب يبرز سؤال اخر، وهو هل ان الكتلة الاجتماعية الكبيرة للجمهور العراقي المستهدفة من قبل دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية لتحسين حياتها المعاشية معنية حقا بقيام دولة مواطنة، وهل تتوافر على وعي ولو جنيني بالجانب الحقوقي لمفهوم المواطنة؟؟. نترك الاجابة مفتوحة لما آلت وتؤول اليه النتائج الانتخابية للبرلمان ومجالس المحافظات حتى اللحظة الراهنة.

لم يكن لليسار الديمقراطي العراقي تمثيلا مؤثرا في السلطات التنفيذية والتشريعية في مجمل الدورات الانتخابية، كما لم يكن هذا التمثيل معبرا يوما عن الوزن النسبي للكتلة الاجتماعية المحسوبة على هذا التيار. ودون الدخول في بحث الاسباب يجب ان نعترف ان اليسار الديمقراطي بمختلف اطرافه والتيار الديمقراطي بأحزابه ومنظماته المدنية وشخصياته، ما يزال ضعيفا في القوة والتأثير والنفوذ الجماهيري على الرغم من نهجه الوطني الديمقراطي، ومرونته السياسية، ومبادراته لمعالجة سيل الازمات المتوالدة، وعلى الاخص دوره الضاغط من خلال الحراك الجماهيري  الرامي الى بناء دولة المواطنة المدنية الديمقراطية الاتحادية. ان التحسن النسبي المحدود لاجتذاب جمهور جديد لقوى اليسار والديمقراطية يؤشر الى ان مستوى تراكم الوعي بالمواطنة وحقوقها وواجباتها ما يزال بطيئا جدا رغم الحاجة الملحة للتغيير، ويبدو ان القفز فوق وقائع التاريخ بافتراض تحول نوعي سريع في قناعات الناس امرا خارقا للطبيعة.

ولذا فان تعديل موازين القوى الاجتماعية لصالح بناء الدولة المدنية الديمقراطية يعتمد على اتساع جبهة المؤمنين بقيم المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويتطلب الامر الانفتاح على التيارات الدينية غير المؤدجلة ذات الجمهور الواسع المتضرر من الازمات التي ولدتها دولة المحاصصة والعمل معها بصبر وبروية، والبحث عن وسائل مبتكرة في تشخيص المطالب الضرورية الجامعة، وتعبئتهم للنضال من اجل تحقيقها. وهنا لابد من الافتراض من ان كفاح الناس من اجل العدالة الاجتماعية والعيش الكريم سيفرز بالضرورة تيارات فكرية وسياسية جديدة ومتنوعة وعريضة تشترك بدرجات متفاوتة مع قوى اليسار والديمقراطية في الهم الوطني، وتشكل بالضرورة سويا القاعدة الاجتماعية لدولة المواطنة.

المصادر :

(1) كتاب الدولة واشكالية المواطنة/د. سيدي محمد ولديب/ دار كنوز المعرفة 2010/عمان

(2) قراءة في كتاب المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية لعلي خليفة الكواري واخرين/ط2/2004/بيروت/مركز دراسات الوحدة العربية/ اعداد هيا الكعبي

(3) نظرية المواطنة/ مقال/ د. سيف بن ناصر المعمري

(4) د. سيف بن ناصر المعمري/ نفس المصدر

(5) البيان الشيوعي/ كارل ماركس، فردريك انجلس

(6) اشكالية اليسار ـ جمعة الزيدي/جريدة الاخبار البصرية 14/11/2006

  كتب بتأريخ :  الإثنين 12-12-2016     عدد القراء :  1152       عدد التعليقات : 0