معوقات قيام الدولة الكردية

مــرَّ الشعب الكردي في حقب تاريخية عصيبة ، وقـدَّم انصاره الكثير من التضحيات في الأنفس والممتلكات خلال انتفاضة ومسيرة ثوراته المتعددة في كردستان العراق وجمهورية مهاباد في ايران . ولا زال ابناؤه يعانون الكثير في دول الجوار ( تركيا ، سوريا  ، ايران ) وقد لاحت لهذا الشعب المضطهد بوادر الإنتصار وتحقيق الحلم المنشود الذي طالما راود الثوار الأوائل من الشعب الكردي ، حيث تسنى لهم تحديد معالم اقليم خاص بهم في شمال العراق وهم ينعمون بالأمان ويمارسون حرياتهم وحقوقهم المشروعة التي كانت قد سُلبت منهم لعقود طوال وهم الآن يمهدون الطريق لإجراء إستفتاء للإنفصال من الدولة العراقية كما يعملون وبعبِّرون عن تلك الرغبة بين الحين والآخر لتأسيس دويلة كردية في شمال العراق .

طيب ، ليكن ذلك .. وانه حق مشروع لكل شعب يمتلك مقومات الدولة ويستطيع مجابهة المعوقات التي تعتري طريقه. وهنا المقومات بالنسبة للأكراد صعبة ولا يمكن تذليلها بسهولة . وإني اقول ذلك تعبيراً عن رأيي الشخصي بصرف النظـر عـن رأي الآخـرين. فلـو تمحصنا الظروف الموضوعيـة لهـذا الأمـر جيداً  لتوصلنا الى تحديد اماكن الخطورة لهذه الدويلة .

في إيران هنالك  اكثر من ثمانية ملايين كوردي . وفي تركيا يوجد منهم قرابة العشرين مليون وهم يشغلون ثلث مساحة البلاد ، فحتماً ستكون هذه الدويلة بمثابة عدوى ، لا تسمح بها إيران ولا تركيا أن تنتقل الى اراضيهما . وليست بعيدة عن الأذهان تهديدات إيران باجتياح الإقليم لسبب بسيط تمثّـلَ بعبور بعض المسلحين الأكراد الحدود الإيرانية هذا اولاً ، وثانيا فما بالك عندما تكون دولة كردية على حدودها  أي على حدود إيران التي تحوي هي الأخرى ثمانية ملايين نسمة من الأكراد  ــ كما ذكرنا ــ وجلهم يتعاطف مع الأكراد العراقيين في بناء دويلتهم .

أما بالنسبة الى تركيا ، فلا حاجة للإسهاب في الحديث عن هذا الموضوع . فهي تقاتل الأكراد منذ زمن بعيد ومن خلال ذلك ، قامت قواتها العسكرية بصنوفها كافة باجتياح الحدود العراقية ، وبالتحديد في كوردستان ذاتها . لنخمن كيف يكون  موقف الأتراك عندما تكون دويلة صغيرة على حدودهم ، يتعاطف معها مليون كردي ـ تركي . تصور المشهد كم سيكون مرعباً . وكذلك الأمر مع سوريا والعراق ، إذ فلم يكن هناك اي تجاوب منهما تجاه خطة بناء دويلة كردية جوارهما. إذاً اقولها ثانية  ، فهذا رأيي لربما اكون مصيباً او مخطئاً حسب قناعة القاريء الكريم .

إني ارى من الأفضل أن يقتنع الأكراد بالإقليم وينظموا علاقاتهم مع المركز الى أن تحين الفرصة الملائمة وتتهياً الظروف الموضوعية . وتعتلي سدة الحكم  ، انظمة ديموقراطية حقيقية في الدول المعنية  حينئذٍ  نقول للإخوة الأكراد " هنيئاً لكم دولتكم ونأمل منكم سلطة ديموقراطية نموذجية في  المنطقة وتحمي حقوق الأقليات القومية والدينية "

بالإضافة الى كل ما تقدم . اعتقد أن المجتمع الدولي برمته غير موافق على خطوة بناء دولة كردية ولا يسمح بقيامها وخاصة في هذه الظروف التي تعصف بالمنطقة اولاً ، ولتصرُّف الأكراد ثانياً . لأن ليس من المنطق أن يقوم الأكراد بضم كل ما تحرره قوتهم العسكرية الخاصة من الأراضي والمناطق من خلال الحرب  الدائرة في تحرير العراق من براثن داعش . وفي هذا السياق ، يحاولون اقناع العالم بشرعية عملهم هذا وذلك بدعوتهم لإجراء استفتاء سكاني في تلك المناطق.

عجباً . من يكون ياترى المستفتي في أمر مثل هذا ، لما كانت المناطفق تلك خالية من سكانها الأصليين.؟

لذا يتوجب على الأخوة الأكراد أن يتصرفوا بحكمة وتعقل ويتركوا الغرور جانباً ، لأنه قد اهلك من كان اقوى منهم لما حاول التصرف بنفس المنطق ، وباءت مآربه  بالفشل . ونحن بصراحة لا نحب فشل او أي احراج لهذا الشعب الذي عانى ما يكفيه من الملاحقات والإضطهاد.

هنالك امر مهم جداً اكثر اهمية مما سبق . إنه البيت الكردي الذي يشكو من تناقضات حادة وانقسامات خطيرة . كان ينبغي قبل التفكير بإعلان الإستقلا الإهتمام بهذا البيت والقضاء على كل ما يهدد امنه ومستقبله . لأن استقرار الداخل ، ضروري جداً  لعملية البناء وتوطيد العلاقات مع دول الجوار ، ومن ثم الإنطلاق الى العالم المتسع.

تصريحات الأخوة الأكراد تبدو مريحة وبناءة ، عندما يصرحون بأن بغداد سوف تبقى العمق الإستراتيجي للأكراد . وهذا يدل على  نيات طيبة ويعبر عن اساس العلاقات المتينة بين  الشعبين . الا أن بعض المواقف ألأخرى التي يطالب بها بعض المسؤولين لتكون المناطق والأراضي التي يحررها الكرد ملكاً لهم ، ولن يغادروها. بالتأكيد ستثير خلافات حادة بين الشمال والجنوب.

ولدرء هذه التوقعات السلبية ، ينبغي على الأخوة الأكراد أن يثبتوا حسن نواياهم . لئن كانوا حقاً يعتبرون بغداد عمقاً استراتيجياً لهم ، فما عليهم الا ترك الأراضي لأصحابها ولا يطالبون الاً بما هو حقاً لهم .

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 03-01-2017     عدد القراء :  2008       عدد التعليقات : 1