تطور الدول الإسلامية في ظل احكام القرآن والفتاوى

منذ آلاف السنين والإنسان يحاول  تطوير نمط حياته واساليب تعامله مع الآخرين بطريقة مقصودة او عفوية  لحاجته لتنظيم علاقته الإجتماعية ويحد من حالات التجاوزات على الأرواح والممتلكات. واهتدى الى ان هذا لايتم الا بتحديد العلاقات والحريات السائبة . وقد رأى أن كيفية الوصول الى تلك الغاية ، تكمن في وضع وصياغة قوانين مكتوبة ، تحدد طبيعة الحياة الإجتماعية وتعمل على إشاعة الأمان وسلامة الأنفس والممتلكات . ولذلك كله ، توصل الى صياغة قوانين بهيئة مسلات ، واصبحت نصوصها تسيطر عل المجتمع وتسيّس ابناءه . واضحت تلك القوانين اساساً لمجتمعاتنا لكتابة دساتيرنا وشرائعنا . ومن تلك الشرائع التي اشتهرت في التاريخ ، شريعة اورنمو واوركاجينا ولبت عشتار واشنونا ، وآخرها شريعة حمورابي التي اخذت بعداً تاريخياً في تلك الأزمنة . ومن المؤكد أن تلك الشرائع سُنَّت من قبل اناس لا يمتلكون انفتاحاً ذهنياً وقدرة  على الإستنباط والإبتكار الذي نتمتع به نحن بشر القرن الحادي  والعشرين وقطعاً أنه ما كان يصلح لتلك المجتمعات انذاك ولا يمكن تطبيقه هذه الأيام . فمثلاً  العين بالعين والسن بالسن ، ان كانت تطبق في تلك الحقبة الزمنية ، فلا يمكن تطبيقها هذه الأيام لأن قوانيننا الحالية تنص لكل جرم جزاؤه مادياً او حجزاً للحرية ( السجن ) ولكن بعد ظهور الأديان ومنها الدين الإسلامي ، فقد اعتمدت الدول العربية والإسلامية الأحكام والشرايع الدينية المستنبطة من القرآن ، واتخذتها دستوراً لها. نعم نقول هذا هو حق من حقوق المسلمين ، وهم  احرار بما بتخذونه من الأحكام ويطبقونه من الشرائع على شعوبهم  اما الشعوب الأخرى ، ليست معنية بذلك . ولكن هناك الكثير ما ورد فيه بحق المجتمع والفرد ، إذ لا يتماشى وحياة الإنسان في هذه الأيام حيث بلغ ما بلغه من الإنفتاج الفكري وحرية الرأي . وعلى سبيل المثال لا الحصر، نورد بعض الأحكام التي وردت في القرآن ونلاحظ ما إذا كان من الممكن تطبيق هذه الأحكام على الإنسان وهو في هذه البحبوحة من الحرية والنشاط الفكري .

جاء في سورة النساء في الآية الثانية  " فانكحوا  ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فان خفتم الاّ تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم .  إن هذه الآية في الحقيقة  لايمكن تطبيقها في ايامنا هذه لأن اعباء الحياة تختلف عما كانت عليه في الأزمنة البعيدة لصعوبة اعالة هذا العدد من النساء واطفالهم ، ومن جهة اخرى ان المرأة قد تنورت واصبحت اكثرحرصاً على كرامتها وانوثتها ، ولا ترضى ان تشاركها شريكة اخرى لزوجها  في مسكنها ، ولا تقبل أن تُطعن في كبريائها. وفي السورة نفسها تقول آية (34 )  الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض والتي تخافون نشوزهن ، فعضوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن .. فإنْ اطعناكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. إن ما ورد في هذه الآية ، ينطبق كلياً على ما تنادي به الجماعات المتطرفة من طالبان والقاعدة وداعش وعسكر طيبة وبوكو حرام وما الى ذلك من مسميات اخرى.

كيف يصح في هذا الزمان ضرب المرأة او هجرها في مضجعها وضربها وهي التي تتقلد  مناصباً رفيعة  من رئاسة الدولة ونزولاً الى الوزارات والوظائف المتقدمة في الدولة والمجتمع . وهي كذلك تعد اليوم نصف المجتمع وتتمتع بأهلية العمل جنباً الى جنب مع الرجل ..؟ وفي ذلك اصبحت نداً له تشاركه في الكثير من المهام ... في الوظائف والأعمال والنشاطات الإجتماعية المختلفة ،  بالإضافة الى كونها الأم والأخت  ورفيقة الرجل في معظم الميادين . كما لها جمعيات تدافع عن حقوقها حتى اصبحت سيدة نفسها وكثيراً ما تتقدم الرجل في المهمات الرسمية.

لقد ولى ذلك الزمن عندما كان يتحدث احدهم ولما يأتي الى ذكر زوجته في سياق الكلام ، يقول لمن  يحدثـه ( تكرم او عز رجال ) هناك الكثير من النصوص القرآنية لايمكن حصرها في هذه السطور والأخذ بها في المجتمعات العلمانية والمتحضرة . والذي كان يصلح ما قبل اربعة عشر قرناً ، لا يصلح  لمجتمعات هذه الأيام  يا أُولي الألباب . إن ما اقوله ، ليس طعناً في الإسلام المعتدل والوسطي ، ولا هو انتقاصٌ من القرآن .. معاذ الله . انما هو مجرد  تذكير بالتباين بين الدساتير العلمانية ودساتير فتاوى الأئمة والشيوخ في الدول الإسلامية.  انظروا الى ما فعلته الأحكام والفتاوى الدينية في العراق وغيره من الدول العربية والإسلامية ، وماذا كان فعل الأحزاب الدينية بمفاهيمها غير الإنقسام والتجزئة وهجر الديار.  فالكتب الدينية لا يمكن الطعن بها ولا الإنتقاص من قيمتها ، ولكن لتبقى في المعابد كمراجع لتنظيم الصوم والصلاة والأحكام الأخرى بمفاهيم انسانية لا حسب ما تهواه النفوس الشريرة . واعتقد اننا لا نستطيع القضاء على هذه الموجة الإرهابية ومعتقداتها المستنبطة من الأحكام والفتاوى التي تريد فرضها على الشعوب الأخرى قسراً، إلا إذا فصلنا الدين عن الدولة ، ونقدم على صياغة قوانين ودساتير مدنية علمانية ، تطلق حرية الفرد في المجتمع بعيداً عن القيود الدينية ، وبغير ذلك تبقى المجتمعات الإسلامية منغلقة والإرهاب يعشعش بين ثناياها.

اعجبني قول احدى الأميرات من الدول الخليجية حين قالت (  أنه لطالما بقيت دساتير الدول الإسلامية اسيرة الأحكام القرآنية ، لا يمكن لشعوبها أن تتطور ) وبالتأكيد أن الأميرة تكلمت بجرأة وشجاعة وكانت محقة بما قالته ، حيث لا تستطيع تلك الشعوب أن تنهض وتذوق طعم الحرية وتعيش زمن التطور ، ولن تبلغ ما بلغته الإنسانية في كافة الميادين، لا بل تبقى اسيرة الماضي ورهينة التخلف .

  كتب بتأريخ :  الإثنين 06-02-2017     عدد القراء :  1264       عدد التعليقات : 0